لؤي قور

في أواخر العام “1987”، نعت الكنيسة الكاثوليكية بمدينة “واو” – الجنوب سودانية – واحداً من أبنائها المخلصين ألا وهو السيد “ستانسلاوس بايساما عبد الله”، الذي توفى بمنزله بالمدينة عند الثالثة من مساء الثامن والعشرين من ديسمبر من ذلك العام، محصناً بطقوس الكنيسة الكاثوليكية الأخيرة، التي أدارها الأب “ل. لينزو” بحضور أقارب الفقيد وأصدقائه.

محنة في دارفور:

وولد “ستانسلاوس” في قرية بغرب دارفور في أوائل القرن الماضي، وكان يرعى غنم والده عندما اختطفه تجار الرقيق وهو في الثالثة عشر من عمره، وأُخذ مع أطفال آخرين إلى مدينة “كافيا كنجي”، بهدف نقلهم إلى الشمال ليباعوا كرقيق. ولكن بمجرد وصولهم لـ”كافيا كنجي” هرب الصغار من خاطفيهم وقدموا أنفسهم للسلطات المحلية، وحكوا قصة اختطافهم ليباعوا رقيقاً، فأخذتهم السلطات إلى مدينة “راجا” ومن هناك إلى “واو”، حيث سُلموا إلى البعثة المسيحية الكاثوليكية. يقول ستانسلاوس في مذكراته:

“نهضت من فراشي ذات صباح فلم أر والدي. في البداية لم أسأل حيث أنه أحياناً يأخذ معه الفتيات الكبار وحدهن إلى الحقل، فعندما ينتهي الحصاد يترك الناس، في بعض الأحيان، محصولهم في الرواكيب في الحقل ليجمعوه على راحتهم في أوقات الفراغ. كان الوقت حوالي الظهر حينما جاء أخي آدم مسرعاً ليخبرني أنا والأطفال الآخرين أن أبي قد قتل ومعه أناس كثيرون. وجرينا عائدين إلى أهلنا لنجد كل نساء القرية مجتمعات في”الدارة” وهناك القليل جداً من الرجال. كان هناك عويل ونواح. النساء يندبن أزواجهن وإخوانهن ويثكلن أولادهن. لقد قتل عدد كبير من الرجال وأبي وأخواه من بينهم. كنت في حوالي التاسعة من عمري وأنا أكتب الآن وعمري تسعة وسبعون عاماً، ودموعي تنهمر على الورق.

جريت وانضممت إلى أمي وأخواتي. كن يبكين بحرقة. أخذتنا أمي أنا وآدم في حجرها. لم نذق طعاماً طيلة ذلك اليوم. الكل كان صائماً عن الأكل. و دخلت شوكة في كعب رجلي ولم أشعر بالألم إلا حينما انتزعت في اليوم التالي”.

“في اليوم الثالث نحرت الأبقار والضأن وأقيمت الصلوات على أرواح الذين قتلوا ثم مضى كل واحد إلى داره ليجد الحصان بلا فارس، عطشان جائعاً. أخي الكبير هارون كان في الفاشر. لم أعرف كيف حدث هذا ولماذا حدث لكن عرفت من أمي بعد زمن أن العرب جاءوا باعداد كبيرة. هاجموا الرعاة عند الظهيرة وانتظروا حتى صباح اليوم التالي لمهاجمة القرية. وصل الخبر إلى أهل القرية متأخراً فتجمعوا على عجل لمواجهتهم ووقعت معركة تغلب فيها المغيرون. حدثنا قريب لنا نجا من الموت حيث كانت جراحه بليغة فظنوه ميتا وتركوه، أن أبي وأخويه كانوا يقاتلون جنباً لجنب حتى سقط ثلاثتهم ودفنوا في قبر واحد وضعت عليه كومة من الحجارة. ماذا يمكنني أن أقول عن أولئك الرجال الثلاثة وكل الذين لاقوا نفس المصير؟ لقد ماتوا ميتة مشرفة. وقفوا بشجاعة مدافعين عن نسائهم وأطفالهم ضد الإسترقاق فدفعوا ثمن معنى نبيل”.

الناجون من الرق:

وبعد أن تم إلحاق الناجين من الرق وبينهم ستانسلاوس بمدرسة الكنيسة الإرسالية في “واو” حيث كانوا يتعاملون مع بعضهم كأقارب حميمين  جمعت بينهم وشيجة تحريرهم من الرق، فأكمل “ستانسلاوس” تعليمه في “واو”، ومن ثم أُرسل لمزيد من التدريب في المدرسة الكاثوليكية بالخرطوم، وفيها اتضحت مواهبه كلاعب “كرة قدم”، وتعلم العزف على آلتي “الأورغن” و”الكلارنيت”. ودخل في الخدمة الحكومية في العام “1923” كمسئول عن حفظ الدفاتر، ليتزوج في العام “1929” من الآنسة “ليلي”، ويُنقِل إلى رئاسة مركز “راجا”. كما عمل في مدينة “كافيا كنجي” لعدة سنوات، ونُقل بعدها إلى مدينة “رمبيك”، وعمل بها لفترة، قبل أن يُعين مأموراً في العام “1945”، يقوم بأعباء إدارية كمساعد لمفتش المركز، مثل الإشراف على السجون والبوليس، ومراقبة عمل المشائخ والرؤساء، وبناء الاستراحات وصيانتها. وفي نطاق هذه المسئولية عمل في مراكز جوبا وواو ورمبيك.

 ويمضي “ستانس” في مذكراته ليحكي عن تجربته مع الرق فيقول:

(في أحد الأيام خرجت للصيد مع خالي “مورغان” كالمعتاد، رأيت قرب بحيرة نبتة تعرف باسم “أبولبن”، وهي صغيرة، تغوص جذورها في الأرض مثل الفجل. هذه الجذور حلوة، تخرج منها عصارة بيضاء كاللبن، ومن هنا أخذت اسمها. وهي ليست سامة. توقفت لأحفر جذور هذه النبتة، بينما مضى خالي نحو شجرة، تحتشد فوق أغصانها أعداد كبيرة من الدجاج الحبشي. لقد كان الوقت غسقاً، وحين فرغت من حفر”أبولبن” نظرت إلى حيث خالي لكنني لم أره فناديت وصرخت بصوت عال لكنه لم يرد).

وفي موقع آخر من مذكراته يقول:

(عاودت النداء والصراخ مرةً بعد أخرى، ولكن لا جواب، وأخذت أجري بلا هدف، حاولت اقتفاء آثار أقدامي إلى شجيرة “اللوردالي”، على أمل أن أعثر على الإتجاه الذي يقودني إلى أهلي، لكنني فشلت. لقد حل الليل، وهبط ظلام في ليل بلا قمر، وأخذت أجري هنا وهناك وأنا أصرخ وأنادي، لقد تهت وتعبت، وجدت شجيرة في أرض فضاء ذات أغصان كثيفة لا تحمل أوراقا فتسلقتها ونمت بين الأغصان. وفي الصباح عاودت التجوال بلا هدف على أمل العثور على الوجهة التي تعيدني إلى أهلي . لقد سبق لي أن صحبت الرعاة في مرات عديدة مع أخي هارون لكنني لا أذكر أبداً أننا ابتعدنا هكذا).

الطريق إلى الإستقلال:

وبعد قيام الجمعية التأسيسية في العام “1948”، أُنتُخِب “ستانس” عضواً فيها ممثلاً لمديرية بحر الغزال، إلى جانب “باولينو سير ريحان”، و “خميس مرسال”، و”عبد الله آدم مابيك”، وغيرهم. وفيها برهن “بايساما” على نضجه كسياسي على الرغم من أن العمل السياسي في جنوب السودان كان نشاطاً حديث العهد، وبرفقة سياسيين آخرين، رسم “ستانس” طريق السودان إلى الإستقلال، وذلك بإجازة قانون الحكم الذاتي لعام “1952”. وهوالوقت الذي أسس فيه – مع آخرين – أول حزب سياسي جنوبي، وفي العام “1953”، ومن ثم أُنتُخب عضواً بمجلس الشيوخ السوداني بالخرطوم، وتم انتًخبه بالإجماع زعيماً للمعارضة في المجلس ليؤسس مع “بوث ديو” و”بنجامين لوكي” حزب “الأحرار”، والذي ناضل من أجل الفدرالية بين الشمال والجنوب، وعُين في العام “1955”، وزيراً للنقل والمواصلات، وعلى الرغم من كل ذلك فقد أُدخل “ستانس” السجن فيما بعد، بسبب مواقفه المؤيدة للفيدرالية بين الشمال والجنوب، حتى تم إطلاق سراحه في يوم الإستقلال في العام 1956.

وفي العام “1957”، وكرئيس لحزب الأحرار ومع ساسة آخرين من جنوب السودان، عاد “ستانس” للدعوة للفدرالية من داخل البرلمان، حتى كان انقلاب  نوفمبر “1958”، حيث حل البرلمان، وحُظر نشاط الأحزاب السياسية في السودان.

وعاش “ستانسلاوس” دائماً، كمسيحي كاثوليكي، على الرغم من ميلاده كمسلم، وقدم خدمات جليلة للكنيسة، حيث كان رئيساً لمجلس الأبرشية في “واو” حتي وفاته. وفي عام “1950” كان عضواً في وفد جمهور المؤمنين الذي رافق نيافة المطران “إدوارد ماسون” إلى احتفالات السنة المقدسة في روما.

وعلى الرغم من أن “ستانسلاوس” دارفوري الأصل إلا أنه ظل ينتمي لجنوب السودان، وخلال فترة عمله كبرلماني قام برحلة إلى دارفور بحثاً عن جذوره، حيث نجح في التعرف على القرية التي وُلد فيها، وقضى بها أيام صباه، بل إنه تعرف على المكان الذي كانت تُنصب فيه خيمة والديه. وسأل عنهم كبار القرية فتعرفوا عليهما، لكنهم أوضحوا بما أن الأمن كان شبه منعدم في ذلك الزمان، فهم لا يعرفون على وجه اليقين ماذا حدث لهما. وسأل أيضاً عن زملاء اللعب في الصبا الذين كانوا معروفين وقتها، ولكن الحصول على معلومات محددة عنهم لم يكن ممكناً.

الأسلمة في جنوب السودان:

وفي حوار أُجرى معه حول تشكل الخريطة السياسية لجنوب السودان قال ستانس:

“يمكنني القول أن تمرد الجنوب عام “1955” كان لأسباب دينية بحتة، ففي ذلك الوقت كان حديث الناس، في كل مكان في الجنوب، عن الإسلام، ولم يجد المسيحيون أي اهتمام، وعادت نغمة الرق للظهور. والآن – بعد توقيع إتفاقية أديس أبابا في العام “1972” – انتهت حرب السبعة عشر عاماً، أنهيناها بكفاح مرير، وجاءت عشر سنوات من السلام”.

“كُنا نعمل في الجمعية التشريعية عقب تأسيسها ككتلة سياسية جنوب سودانية حتى عام “1952”، حين جاءت تلك الإتفاقية بين الحكومة والشماليين، بأن يمنح السودان استقلاله، وفي ذلك الوقت أدركنا أنه لابد لنا كجنوب سودانيين من حزب”.

وفي ثنايا ذلك الحوار يقول:

“عندما كنت وزيراً للنقل الميكانيكي في العام “1956”، قمت بجولة في منطقة “بحر الغزال”، زرت فيها كل السجون، فاكتشفت أن بعض السجناء وضعوا هناك دون محاكمة، ونظرت في “1141” حالة، ورفعتها إلى رئيس القضاء. وفيما بعد كنت سعيداً أنني لم أعد وزيراً في حكومة نوفمبر فقد كنت قد استقلت وقتها”.

وتقديراً لخدماته للكنيسة ولحياته المسيحية قام قداسة البابا “بيوس الثاني عشر”، في العام “1954”، بمنحه لقب “فارس قائد” من درجة “سانت غريغوري” و”سنت سلفستر”، وفي العام “1981” فقد “ستانس” زوجته “ليلي” التي توفيت وحُصنت بطقوس الكنيسة الكاثوليكية.

وظل “بايساما” يعاني من جروح كان قد أصيب بها إثر سقوطه من دراجة في العام “1985”، فصار عاجزاً عن المشي، لكن القساوسة ظلوا يذهبون إليه لتقديم الخدمة الدينية له في داره الملاصقة لكاتدرائية “واو”.

وتم نعي “ستانس” كمدرس، وكمسئول حكومي، وإداري، وسياسي، ومستشار، ومسيحي نموذجي، أفلت من أغلال العبودية ليكتب اسمه بوضوح في تاريخ السودان وجنوب السودان على حد سواء.