تقرير/ “التغيير الإلكترونية”

كل  شيء هناك! كل امرأة تجد ضالتها في تلك القروبات (المجموعات المغلقة على الفيس بوك)…من المجموعات  التجارية لعرض الثياب  النسوية إلى أخرى متخصصة في مواضيع الكريمات والمكياج  ،وقد تعرج لتجمعات  الفكر والعقل، إلى  عرض المشاكل والبحث عن الحلول، إلى قروبات فضح التحرش ضد النساء بالأسكرين شوت(نسخ الرسالة أو البوست)، إلى قروبات البحث عن الرجال الوسيمين عبر النساء (المنبرشات) فهناك مجموعة مغلقة على الفيسبوك بهذا الاسم حيث تنشر المنبرشات صورا للشباب الذين أثاروا إعجابهن ويبدأ تبادل المعلومات حول صاحب الصورة!

انه سوق لترويج كافة البضائع   ..بنكهة نسوية خالصة حيث الشرط الاساسي والمشترك بينها   هو(للنساء فقط)مع  الحفاظ على سرية هذه القروبات ومحتوياتها …ممنوع دخول الرجال ونقل التعليقات إلى خارجها ..من( موفس ) ،إلى( فسخ جلخ) ومن مهيرة إلى( زيت الشلابات) والشلابة مصطلح شعبي معناه من انتزعت رجلا من أخرى كان مرتبطا بها ،( و مامنكن مدسة) عبر ( الدعم السريع) وهو قروب لطلب المساعدة لمن تحتاجها، ومن( دلالة النايرات ومجيهات) إلى( المرأة والتغيير)  …الخ . هذه هي  المجموعات الخاصة بالنساء في فيس بوك موقع التواصل الاجتماعي الاكثر انتشارا ورواجا .

 

هل وجود مساحات نسائية خاصة في هذا العالم الافتراضي تجد فيها المرأة مطلق الحرية للبوح بكل شيء يخصها والجهر بما يعتبره المجتمع عيبا مثل مطاردة المرأة للرجل الوسيم والتعبير علنا عن افتتتانها به(قروب منبرشات) واستعراض معارك ونتائج التنافس النسائي على حيازة الرجل (قروب زيت الشلابات)، هل يصب كل ذلك في خاتمة المطاف إلى التغيير الإيجابي في أوضاع المرأة أم أنه مجرد تجديد لوسائل تواصل النساء تبعا للتكنولوجيا ولكن لا جديد في الأفكار ولا جدوى من كل ذلك في تطور الوعي نحو حصول المرأة على حقوقها الإنسانية إذ انه مجرد تكريس لأفكار سطحية وانصرافية مرتبطة أساسا بدونية المرأة؟

ولكن السؤال الذي يجب التوقف عنده لماذا يفترض البعض ان اي مجموعة على الفيسبوك يجب ان تكون مهمومة بالتغيير السياسي وباحثة عن حقوق الإنسان ومساواة المرأة بالرجل ومنفعلة بقضايا التنمية والبيئة..إلخ؟! أليست وسائل التواصل الاجتماعي متاحة للجميع وكل حر في استغلالها لخدمة أولوياته؟! نعم هو كذلك ولا مجال هنا للتجريم ومطالبات فرض وصاية الدولة عبر حجب المواقع أو سن قوانين الملاحقة البوليسية لنشطاء الفيسبوك، ولكن في إطار فهم طبيعة الوعي السائد في المجتمع وأولويات واهتمامات قطاعات كبيرة من الشابات تأتي أهمية الحوار الذي لن يكتمل إلا بسماع جميع الأصوات.. ولذلك ليت المنبرشات والشلابات والمفسوخات والمجلوخات يتحدثن خارج مجموعاتهن المغلقة ويدافعن عن مجموعاتهن أمام من يراها أزمة فكرية بل وأخلاقية.

 وبما أن عضوية هذه المجموعات كبيرة وفي ازدياد مستمر ومن ثم تأثير على الحياة العامة لا بد من تقييم محتوى ما تقدمه إذ أنها كثيرا ما تخرج عن موضوعها الأساسي ويدور فيها نقاشات حول قضايا عامة

النساء يعترفن سرا !

“التغيير الإلكترونية” تجولت في بعضها و سألت (أم مريم ) التي تحمل درجة الماجستير في الهندسة  وهي عضوة نشطة في معظم هذه القروبات فقالت :فيها كثير من الفوائد وفيها (فراغ  ) ..هناك مجموعات  (نوعية) هذه ممتازة جدا لان فيها وعي كبير بقضايا المرأة وتناقش عضواتها  كثيرا من القضايا بفهم واسع  وفق  قواعد صارمة تتعلق بعدم الاساءة العنصرية ومنع  (الاسكرين شوت) ونشره في أماكن اخرى  …واهم ميزة انها فتحت الباب على مشاكل نسائية كبيرة لم تكن المرأة تجرؤ على الحديث عنها ..وقوت من شخصية النساء خلال مشاركتهن مشاكلهن وتجاربهن في الحياة …

هناك قروبات تهتم بالتجميل والجمال وحتى هذه مفيدة جدا للنساء من ناحية البحث عن المنتج وجودته وتجريبه ،والاستفادة من الافكار ..هناك سلبيات تتمثل في الاستلاب تجاه اللون الابيض واعتباره اللون الافضل للجمال والسعي بأي طريقة لتبييض البشرة درجة (السلخ) ..ولو لاحظنا أن القروبات تجمل هذه الاسماء دون اي حساسية ف(فسخ وجلخ ) وهو قروب شهير بالفيس بوك يهتم بقضايا التجميل والتبييض لا يدل اسمه على حساسية تجاه (تعنيف ) الذات فكيف (تفسخ ) المرأة جلدها وتزيله  لتكون جميلة ؟

صعب ان تسهم في التغيير:  

دكتورة سامية النقر الخبيرة في شؤون الجندر مضت في ذات الاتجاه في حديثها عن  مجموعات التبييض إذ ترى  أن الاهتمام بالمظهر والطلة شيء جيد وإن كان  حرية شخصية  الا أنه تحول لثقافة تمجد اللون الابيض وترفض اللون الاسمر ، وعزت ذلك لعدم وعي النساء بقيمتهن (كانسانات ) وقبولهن بالادوار النمطية لهن.  .ولن تكون مؤثرة في التغيير من أجل حقوق  ما لم تجب على الاسئلة التالية من نحن ؟ ماذا نريد؟ هل السوشيل ميديا(وسائل التواصل الاجتماعي) هي الوسيلة الاساسية ام هناك وسائل اخرى لتحقيق الاهداف ؟ وتستبعد النقر قيامها بادوار في التغيير قائلة :من تجربتي المحدودة في  المجموعات يصعب ان نقول ان هناك حاليا قروب يمكن ان يسهم في دفع التغيير تجاه  حرية وحقوق المرأة ….

 ذوات التعليم العالي :.

الناشطة النسوية  ايناس مزمل صاحبة مبادرة الدراجات السودانيات وافقتهن الرأي بقولها الايجابيات والسلبيات يحددها هدف المجموعة فالترويج لتغيير اللون واستخدام المواد الكيمائية والترويج للتنميط هذه اشياء سلبية وتحتاج وقفة جادة لمعرفة الخلل ..الا أن  الناشطة المقيمة ببرلين شادية عبد المنعم والنشطة في كثير من هذه  المجموعات  كان لها رأي مختلف اذ تعتقد أن هناك بوادر تغيير من خلال تواجد الناشطات النسويات فيها وانه لا يجب علينا التعامل مع النساء العاديات واهتماماتهن من خلال برج عاجي بل مشاركتهن امالهم وطريقة تفكيرهن و العمل على رفع الوعي بالتواجد والنقاش والصبر على البساطة  مثل( ارفعوا البوست بالاستغفار ) و(ال ما بتعلق انشالله ما يعرسوها )

منصات الوعي

الحديث مازال لشادية التي ترى أن هناك قروبات يمكن ان تكون منصات للوعي النسوي بطرحها المتقدم للقضايا مثل( مهيرة) (وخالات بالجابس) وغيرهن وأننا يجب أن نصبر على عملية الوعي والتغيير لكن ايناس ترى أن هذه المجموعات تختلف في ادوارها وفائدتها حسب اهدافها واهتماماتها بخلفيات النساء الثقافية والاجتماعية .

وعي بالعمل الجمعي :        

 همومهن هي ذات همومنا  في النهاية  .بالتأكيد ستؤثر هذه القروبات لكن ليس سريعا لان الوعي عملية مستمرة وشاقة وبطيئة. أماسامية النقر فتقول :   يجب دراسة  سبب تركيز الاف الشابات في تلك المجموعات  لممارسات تقلل من شأنهن   وتشغلهن  من قضايا اساسية تمس حياتهن اليومية تحتاج لحلول ؟ وربطها بعوامل  غياب الديمقراطية والحريات  وسياسات النظام الاسلامي في التركيز على جسد المرأة وتهميش دورها وتركيز هيمنة الرجل انتج وعيا ضعيفا  للنساء  بحقوقهن .ودورهن المجتمعي  مركز في فئة قليلة من النساء …لكن ذلك لا يقلل من أن  تكوين المجموعات النسوية بادرة جميلة فيها وعي بالعمل الجمعي التنظيمي الامر الذي يجب ان تستثمره القيادات النشطة في الحراك النسوي بمداخل استراتيجية

المرأة والتغيير:

الحديث مع ادمن تلك القروبات ليس بالشيء السهل فمعظمهن يتحفظن على الحديث لوسائل الاعلام ربما خشية على سرية عضواتهن وخصوصيتهن. التغيير التقت احداهن وهي  مشرفة مجموعة “المرأة والتغيير” والذي يبدو من اسمه انه قروب يهتم بالوعي بالحقوق .تقول د.نجاة محمود ان فكرته جاءت جماعية بعد عصف ذهني كبير بين مجموعة من المهتمات ويركز  على قانون الاحوال الشخصية والثغرات التي يتسلل منها الرجل ليأخذ حقوق على حساب الأم المطلقة .ويميزه أن عددا من ضحايا القانون اسهمن في تأسيسه .وهن يقدمن تجربتهن العملية لايجاد حلول .وهناك عدد من النساء العاديات قد تحولن إلى منصة تثقيف قانوني وتعريف للنساء بحقوقهن. ويركز اهتمامه  بقضايا الحضانة والاوراق الثبوتية وبه عضوات من مختلف المستويات التعليمية والاجتماعية .

الواقع الجديد في التواصل الاسفيري للمرأة يتجه    للانخراط في مجموعات نسوية تجد فيها ملاذات آمنة لافكارها ومخاوفها ومطالبها ومشاكلها الخاصة التي لم تكن للبوح في الماضي واصبحت تتشاركها مع اخريات عبر تلك المجموعات ….هذا الواقع سينتج انقلابا في كل المعطيات والمسلمات في قضية المرأة على مدى ليس ببعيد ولكن السؤال إلى في أي اتجاه؟ .