لؤي قور

 

ضمن فعاليات منتدى كتاب الشهر، قدم معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم عرضا لكتاب “الإبل البجاوية – دراسة ثقافية تاريخية إجتماعية”، الصادر عن “مركز دراسات ثقافة البجا”، لمؤلفه الدكتور “أوشيك آدم علي”، أستاذ علم الأمراض، ورئيس قسم الطب البيطري بجامعة كرن بأريتريا، ويقع الكتاب في “219” صفحة من القطع المتوسط، وضم ثلاثة عشر باباً، ومُلحقا للصور والأشكال، وتطرق الكتاب إلى نواحي متفرقة عن الإبل البجاوية، ومكانتها التي تزعزعت في الوقت الحاضر، بسبب التحولات المناخية والبيئية الحادة في المنطقة، وانخفاض مناسيب المياه، وفقر التربة، وقلة العشب. كما تطرق الكتاب للإبل كمكون ثقافي من مكونات البجا، نسجوا في تمجيدها القصص والأشعار والأمثال، والأساطير التي كانت الإبل هي الفلك الذي تدور حوله. وترأس جلسة مناقشة الكتاب البروفيسور “الأمين أبو منقة”، بينما شارك في المناقشة “د. محمد الفاتح أبو عاقلة”، والأستاذ “عباس الحاج الأمين” أستاذ الفلكلور بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية.

دراسة علمية:

الدكتور محمد الفاتح أبو عاقلة وصف الكتاب بأنه دراسة ثقافية اجتماعية، وهو دراسة علمية قيمة كذلك، مثمناً هيكلة الكتاب الموضوعية، وحرص الكاتب على كتابة  النص البجاوي باللغتين العربية والإنجليزية، وإضافة مُلحق أشكال وصور، أدت وظيفتها التعريفية بصورة جيدة، حيث بينت مكان “الوسوم” في أجساد البعير بوضوح، وقال أن هذه الوسوم ارتبطت بالنظام الإداري للبجا، على الرغم من وجود أوسام مشابهة لها عند الكبابيش وغيرهم. وأشار “أبوعاقلة” للطب الشعبي عند البجا وتطوره، مشيراً لطريقة معالجة الناقة التي يموت جنينها داخل بطنها، وإستخراجه منها عن طريق عملية جراحية معقدة، تهدف للحفاظ على حياة الناقة، وهو ما أورده الكاتب في كتابه، مؤكداً أن التراث الشعبي عند البجا غني بالكثير مما يمكن أن يقال بخصوص الطب الشعبي. وقال “أبو عاقلة” أن الكتاب دليل على أهمية هذا الحيوان عند البجا ويبين نظرتهم لها كنظير مباشر للمال، وقال أن “أوشيك” توسع في كتابه في توضيح كل ما يتعلق بالإبل، على الرغم من كتابات غيره بهذا الخصوص، وأثرى معرفة القارئ بفصاحة العامية السودانية، مثل مفردة “الضمي”، وهي الفترة ما بين الشربتين للبعير ومفردة “الصُرار”، و”الضب”، وغيرها. واختتم “أبو عاقلة” حديثه بالقول أن أطوار الإبل البجاوية، وتدرجها، تتوافق وتنوع السودان، والمكون الإثني فيه منذ قديم العصور.

مسوحات فلكلورية:

وقال “عباس الحاج الأمين”، أستاذ الفلكلور بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، أن كون جذور المؤلف من داخل المجموعة المدروسة، أعطى الكتاب قيمة علمية، مستصحباً البعد الأكاديمي للدراسة، وقال أن الكتاب جاء في صيغة “كبسولات”، وخلا من الحشو والإستطراد، وفيه ثراء ضخم جداً من حيث المعرفة، وركز على المعلومات. وأشار عباس لمقدمة الكاتب المنهجية في معالجة الموضوع وجمع المادة الخام من أفواه “كبار السن” حرصاً على عدم اندثار وضياع هذا التراث. والتركيز على هذه المنطقة باعتبارها بوتقة انصهار للتنوع في مجموعة قبائل البجا، وتمكن من جمع النصوص بلغة واحدة، على الرغم من التعدد اللغوي والقبلي. مشيراً إلى حساسية اللغة البجاوية القديمة ومفرداتها التي إذا لم يُحسن استخدامها، فإنها قد تثير ذكرى حروبات وصراعات قديمة بين المجموعات السكانية، لجهة أن لغة الشعر البدائي عند البجا هي لغة “كوشية”، وبها كلمات تصعب ترجمتها للعربية، على الرغم من أن المؤلف من حملة اللغة البجاوية الموغلة في الفصاحة والقدم، وهناك صعوبات تواجه مثل هذا النوع من البحوث منها كتابة الكلمات من اللغات المحلية.إضافة إلى أن بعض الصعوبات المتعلقة بإحجام الأطباء والمعالجين الشعبيين عن منح المعلومات وهو شئ طبيعي كونهم يعتبرونه “سر المهنة”.

سيكلوجيا الحيوان:

وقال عباس:”استوقفني في الباب الثاني للكتاب تكرر جملة “كانت الإبل” مما يجعل الذهن يمضي نحو أن الإبل قلت كثيراً وتضاءلت أعدادها بفعل الحرب في شرق البلاد والحروبات تؤثر بالطبع في حركة الرعاة شمالاً وجنوباً وغرباً بالإضافة لقيام المشاريع الزراعية في القاش وطوكر ونجد المنطقة كذلك أمام نشاطين زراعي ورعوي أزاح النشاط الزراعي فيها النشاط الرعوي وهي مسألة تحتاج للمزيد من البحث كدراسة للتغيرات على المجموعات السكانية. لافتاً النظر إلى أن معظم أجناس علم الفلكلور تتجلى في الكتاب، من قبيل الشعر الشعبي، والأمثال الشعبية التي وصلت للثلاثين مثلاً، بالإضافة لملحق عن الشعر البجاوي، والأدب الشفوي، والقصص والحكايات الشعبية عن الإبل، مشيراً إلى إلحاق “المعرفة الشعبية” مؤخراً من قبل “اليونسكو” بالتراث الإنساني.

ومضى “عباس” للقول أن الإنسان البجاوي له معرفة كبيرة بتربية الإبل، وزاد:”علق في ذهني حديث عن سيكلوجيا الحيوان، وهو باب في دراسة علم نفس الحيوان، إذ أنه من المعروف أن الجمل لا ينسى، ولا يترك ثأره، وأنه قد يغدر بصاحبه، إضافة إلى أن الناقة في موسم التلقيح تبدر منها بعض التصرفات تبين حوجتها وجاهزيتها للتلقيح، وقديماً كان لدي ربيبة “عنزة” كانت تضرب رأسها في الحائط دونما سبب واضح، وعندما سألت والدي قال أنها بحاجة إلى التلقيح. وهي معرفة شعبية عميقة، والكتاب غني بالمعرفة الشعبية، والنباتات الرعوية، وكيفية إرضاع الحوار الذي ماتت أمه، وحث الناقة التي مات جنينها على مواصلة إدرار الحليب، وتطويع الإبل، وغيرها. حيث استفاد الكاتب من المعارف الشفوية، واستعان بحوالي “144” مرجعاً ومصدر. فيما أكد البروفيسور “الأمين أبو منقة” الذي أدار جلسة المناقشة على أهمية الكتاب، وذكر أنه سبق وأن أشرف على نشر مقال للكاتب تناول أوسام الإبل في مجلة الفلكلور السودانية.

منتدى كتاب الشهر:

وقال الأستاذ عباس الحاج الأمين لـ”التغيير الإلكترونية” أن منتدى كتاب الشهر جاء كفكرة قبل أحد عشر عاماً من قبل مدير قاعة الشارقة آنذاك “وليم زكريا بشارة”، والمخرج السينمائي “وجدي كامل”، فتنبتها قاعة الشارقة، وناقش منتدى كتاب الشهر حوالي “120” كتاباً على الأقل منذ ذلك الحين، وتم إنشاء مكتبة عُرفت بمكتبة منتدى كتاب الشهر قوامها الكُتب المودعة من قبل مؤلفيها للجنة المنتدى التي تضم الأساتذة بروفيسور “سيد حامد حريز”،  بروفيسور “الأمين أبو منقة”، “عبد الملك محمد عبد الرحمن” مدير جامعة الخرطوم الأسبق، “صديق عمر الصديق”، “د.محمد المهدي بشرى”، “علي الضو”، “د. منى محمود” مديرة مركز الدراسات الأفريقية والآسيوية، شخصي، وبروفيسور”قاسم نور”، واللجنة مناط بها الإعداد لمنتدى الكتاب شهرياً.