عيسى إبراهيم  *

 

* عمدة القول في الميراث والموقف منه يرتكز أساساً على موقف النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) من الميراث حين قال: “نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة”، وقال معبراً عنه القرآن: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”، فالميراث لازمة من لوازم المجتمع الرأسمالي، وافراز من افرازاته، وحين يأتي المجتمع الاشتراكي الحق، الذي يكفل حاجة منسوبيه للمأوى والعمل والكسب والأمن، ويحرِّم الرأسمال الذي يستغل عرق الآخرين في تراكم فائض القيمة على الفرد والأفراد القلائل، ويجعل ملكية العين لكافة المجتمع، وملكية الفرد ملكية ارتفاق، لا عين، للمنزل والحديقة من حوله، والعربة أمامه، ويكف المجتمع كافة حاجة منسوبيه، فلن تكون هناك حاجة للتوارث أو الميراث، وسيكون ذلك تحت ظل حكومة ديمقراطية (الحرية الفكرية والسياسية) اشتراكية (الحرية الاقتصادية)، بحيث يدير المجتمع شؤونه بكفاءة واقتدار بآليته (دولة المواطنة التي لا يحول الآيدلوج أو المذهب أو الاتجاه بين المواطن وأخذ حقه من خدماتها) الدولة الديمقراطية الاشتراكية..

الميراث عند عرب الجاهلية

* كان العرب في الجاهلية لا يورثون البنات، ولا الزوجات، ولا الأمهات، ولاغيرهن من النساء، وإنما يرث الميت الأخ الأكبر، أو ابن العم، أو ابنه إذا كان بالغاً؛ لأن سبب الارث عندهم القدرة على حمل السيف، وحماية العشيرة، والذود عن القبيلة، ومقاتلة العدو، لهذا كانوا يقصرون الميراث على الذكور الكبار، كما كانوا يورثون بسبب الحلف والتبني…، (الميراث في الاسلام والقانون – أحمد الغندور دكتور – الطبعة الثانية 1967 دار المعارف بمصر – صفحة 3)..

الميراث في الشريعة   

* يلتمس تبرير التمييز في الميراث بين الرجال والنساء عند المجتمع الذي نزل عليه القرآن في القرن السابع الميلادي وقد كانت أعرافه تعلي الذكورة على الأنوثة، ونسجاً على منوال ذلك كانت تعلي العمومة على الخؤولة حتى في شعرهم “بجيد معمٍ في العشيرة مخول” (في الميراث حين لا يكون هناك وارث من الذكور ترث العصبة؛ العمومة، فإن لا، تأتي الخوؤلة!)، فأقر الاسلام عرفهم الساري في المرحلة (لأنه ورَّث المرأة التي كانت لا تورَّث وانما كانت تُورَثْ من ضمن المتاع ولا تَرِث، ولا يريد القرآن أن يعنتهم بنقلتين في ضربة واحدة) والشريعة كما قلنا ونقول دائماً هي المدخل على الدين (هي الباب على الدين – إنما أنا قاسم …) وليست هي الدين، فالدين أكبر بما لا يقاس من الشريعة “الباب”، ومن هنا كان الميراث مرحلياً وفق رأسمالية المجتمع الملطفة آنذاك، حتى يجيئ المجتمع الاشتراكي الذي يؤمِّن للناس حاجياتهم حقاً وليس صدقة، ننصح القارئ الكريم  أن يطلع على كتاب “الرسالة الثانية من الاسلام” وغيره من الكتب التي تعالج هذا الأمر على موقع الفكرة الجمهورية على النت: (www.alfikra.org)!!..

الميراث قبل تحديد القرآن له

* بعد البعثة النبوية استمر نظام التوريث برهة على ما هو عليه، ثم شُرع بعد ذلك نظامٌ مؤقتٌ، وجعل السبب فيه الهجرة والمؤاخاة، ثم نزل القرآن مبطلاً إرث التبني، وأبطل كذلك التوريث بالهجرة والمؤاخاة وقصره على أولي الأرحام، ثم جعل الاسلام للمرأة حقاً في الميراث، (المصدر السابق – غندور – الميراث – ص 4)..

الخزانة العامة ترث من لا وريث له

* إذا لم يوجد وريث للمورِّث، قضي من التركة بالآتي: المقر له بالنسب، ثم الوصية للموصى له، فإذا لم يوجد آلت التركة، أو ما بقي منها إلى بيت المال، حالياً الخزينة العامة، وفي ميراث أولي الأرحام (وهم كل قريب – عدا أصحاب الفروض – ليس بصاحب فرض، وليس بعاصب) وهم يأتون بعد أصحاب الفروض، اختلف في توريثهم فذهب بعض الصحابة إلى عدم توريثهم، ووضع التركة أو الباقي منها في بيت المال – الخزانة العامة بلغة العصر، وبهذا أخذ مالك والشافعي، وذهب كثير من الصحابة إلى توريثهم، وبه أخذ أبو حنيفة وابن حنبل وجمهور الفقهاء!..

العصبة

* وتشمل كل من يأخذ ما بقي من التركة، بعد إلحاق الفروض بأهلها، وكذلك يستحقون التركة كلها إذا لم يوجد أحدٌ من أصحاب الفروض، وتشمل – في العصبة بالنفس، جهة البنوة (الابن وابن الابن وإن نزل)، جهة الأبوة (الأب والجد الصحيح وإن علا)، جهة الأخوة (الأخ الشقيق أو لأب وابن الأخ الشقيق أو لأب مهما نزلوا)، جهة العمومة (كالعم الشقيق ثم لأب وبعدهما ابن العم الشقيق ثم لأب مهما نزلوا وهناك تفصيل يجري على عصبة العمومة)..

تحويل الميراث إلى المجتمع له أصل

* اتضح من ما ذكرنا سابقاً من أدلة وبراهين في أمر الميراث، ومن يستحقه، أن هناك أصلاً لتحويل الميراث إلى عامة المجتمع الذي يكفل منسوبيه، حين يأتي هذا المجتمع الديمقراطي الاشتراكي القادر على كفالة ما هو موكول إليه من كفاءة في الانتاج وعدالة في التوزيع، حين لا يوجد وريث للمورث يقضى فيها – في التركة – بالنسب ثم بالوصية فإن لم يوجد آلت التركة أو ما بقي منها إلى الخزينة العامة – الآن وزارة المالية..

الميراث يقوم على الذكورة يا شومان

*  يقول (وكيل الأزهر) شومان في الرد على مقترحات السبسي التونسي التي التمس فيها مخرجاً للمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة يكون موائماَ للدين والدستور: هناك العديد من المسائل – يعني في الميراث – التي تساوي فيها المرأة الرجل أو تزيد عليه (ذكر شومان مدللاً على حجته تلك: كمن ماتت وتركت زوجاً وأماً وأخاً لأم، أو تلك التي ماتت وتركت زوجاً وأما، أو تلك التي ماتت وتركت بنتين وأخاً شقيقاً أو لأب – ولم يقل لنا شومان ولم يحدد أي رجلٍ هذا الذي تساويه المرأة أو تتفوق عليه؟!، إذ الميراث يقول لنا بوضوح لا لبس فيه أن هذا الرجل ليس هو الرجل الذي “يحجب” (الحجب شريعة نوعان: حجب حرمان وحجب نقصان) فاذا جاء الرجل “الحاجب” لما ورثت المرأة هذا النصيب، ولحجب الرجل الموجود عن الميراث، ولغير وجود الحاجب الكثير من أوضاع الذين يرثون في غيابه!، وهنا نؤكد لشومان أن الميراث يقوم على الذكورة حين أنكر ذلك في قوله!)، ويواصل شومان ليقول: “كلها (عديد المسائل تلك التي ذكرها) راعى فيها الشرع بحكمة بالغة واقع الحال، والحاجة للوارث، أو الوارثة، للمال، لما يتحمله من أعباء، ولقربه وبعده من الميت” (غادة قدري – 15 أغسطس 2017 – مصدر سابق)، وهنا يتجلى الفهم الذي لا يستصحب معطيات العصر الحديث، ونحن في القرن الحادي والعشرين، فما زال شومان وأضرابه يعتقدون أن الكدح وطلب الرزق والانفاق مقصور على الرجل، في وقت تعلمت فيه المرأة، وتبوأت أعلى المراكز في الدولة الحديثة، ، طبيبة ومهندسة، وأستاذة لأدنى المراحل وصولاً لأعلاها، وقاضية، ومحامية، وزاحمت باقتدار الرجل في الانفاق على الأسرة، منفردة كانت أو بالاشترك، كل ذلك لم يلفت نظر شومان أن الأمور انقلبت رأساً على عقب، ولم يجعله ذلك يفطن إلى الواقع الجديد الذي يغير شروط الحاجة، أو يتريث ليستوعبه!، نتابع..

  

* eisay@hotmail.com