عيسى إبراهيم *

مشروع خطوة

* افترع الجمهوريون، تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه، طريقة للزواج، أسموها خطوة نحو الزواج في الاسلام، أرادوها أساساً شرعياً ليبنوا عليه الزواج في أصول الاسلام، وانبنت خطوة بكاملها على صور من الفقه (الفقه الحنفي) متعالية على واقعها، ومستشرفة كرامة المرأة وعزتها، المهر فيها جنيه سوداني واحد، وحكمة المحل في الشريعة محفوظة، والولي موجود، والشاهدان، ضمن الاشهار، موجودان، وأبدلت المرأة عن تنازلها من كثير من المظاهر التي تجعل الزواج مكلفاً، حين رضيت أن تدخل بملابسها القديمة، على عفش أهلها القديم، بشروط كرامة لها، من ذلك أن تفوض في أمر طلاقها ليكون طلاقها بيدها، وألا يعدد عليها زوجها إلا لضرورة العقم التام وبرضاها، أنظر: (مشروع خطوة – موقع الفكرة على النت: www.alfikra.org)..

الزواج في الأصول

* جاء في كتاب تطوير شريعة الأحوال الشخصية (www.alfikra.org) ما يلي: “فيما نحن بصدده من شريعة الأحوال الشخصية، فإن هناك ركنين من أركان الزواج الأربعة لا تزال لهما الصلاحية، التي بها يدخلان عهد الرسالة الثانية، وبنفس القدر، إن لم يكن بأوكـد، من الأهمية.. هذان الركنان هما الشاهدان، والمحل.. ويراد بالمحـل خلو الرجـل، وخلو المـرأة، من الموانع الشرعية من اقترانهما.. وأما الركنان الباقيان، المتممان لأربعة الأركان وهما الولي، والمهر فإنهما لا يؤذن لهما بدخول العهد الجديد، إلا بتطوير.. وهما من الأمثلة الجيدة لانفتاح شريعة الرسالة الأولى، على شريعة الرسالة الثانية من الإسلام.. ففي حالة الولي، فإنه يسقط سقوطاً تاماً (الولي كشخص، وتحال الولاية إلى القانون)، في شريعة الرسالة الثانية من الإسلام”..    

شروط الكفاءة عند الأقدمين
*عند فقهاء الحنفية الرجل الكفؤ هو من تتوفر فيه ستة شروط وهي الأسلام، والدين، والحرية، والمال، والحرفة، و النسب.

ففي الشرط الأول من شروط الكفاء، وهو الإسلام: لايحق للبنت أن تتزوج غير المسلم. و أسبابهم في ذلك، أنه لما كانت المرأة ناقصة عقل ودين، فإنه لايصح أن يكون زوجها غير مسلم.. إذ أنه لايؤثر عليها هي فحسب، و إنما سيؤثر على الذرية أيضا.

وشرط الكفاءة الثاني هو الدين: ويقصد به الأخلاق. ففي الحديث: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ : لِمَالِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَلِجَمَالِهَا ، وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)، حث واضح وصريح على أن يختار الرجل المرأة الديِّنة الصيِّنة. و هذه المرأة ذات الدين، لا يكون كفاءة لها الرجل الفاجر.

والشرط الثالث هو الحرية: والحرية أمرها واضح؛ ففي الشريعة الأسلامية الإنسان الحر ليس مثل العبد. فهو ليس له أي حقوق، خل عنك أن يكون مساوٍ للحر.

الشرط الرابع هو المال: يرى فقهاء الحنفية أن المرأة التي تنحدر من أسرة ذات مال وجاه، ليس كفاءة لها الرجل الفقير، المعدم؛ بسبب عدم إستيفاء شرط المال.

الشرط الخامس الحرفة: والحرفة هي بسبيل من النسب والمال. حيث يرى فقهاء الحنفية، أن الرجل صاحب الحرفة الوضيعة، غير كفؤ للمرأة بنت صاحب المهنة الرفيعة.

الشرط السادس: النسب: والنسب عند الحنفية يعني نسب العرق.. فالرجل الحر أبن العبد ليس كفؤا للمرأة الحرة بنت الحر. وعندهم أيضا، أن العربي العادي ليس كفاءة للقرشية. والحقير النسب، ليس كفاءة للحسيبة النسيبة. (الفقه على المذاهب الأربعة صفحة 53 و 54)..

الدين (الأخلاق) هو شرط الكفاءة الباقي

أستبعد الأستاذ محمود محمد طه والجمهوريون أربعة من هذه الشروط، التي حددها فقهاء الحنفية، وذلك لعدم ملاءمتها للعصر الذي نعيش فيه. وهي الإسلام والمال والحرفة والرق. فقد جاء في ندوة التشريع والتمييز ضد الجنوبيين 27 سبتمر 1972 (موقع الفكرة على النت: www.alfikra.org)، ما يأتي: “والكفاءة حددوها في سته دعائم: الإسلام والدين والحرية والنسب والمال والحرفة.. في نقاشنا نحن في تطوير شريعة الاحوال الشخصية قيل أنه المال ماحقو يكون في عصر مثل عصرنا بيسعى الى محو الفوارق الطبقية، المال ماحقو يكون، يخلق طبقات.. الاشتراكية بتقول أنه الدخول تكون قريبة من قريب، حتى تمشي للشيوعية، تقول أنه الدخول تكون متساوية.. لكن في الاشتراكية التفاوت مايخلق طبقة فوق تستنكف ان تزوج بناتها وان تزوج اولادها من اولاد وبنات الطبقة صاحبة الدخل المحدود التحتانية.. برضو في الوقت الحاضر الحرفة الشريفة ما محتقرة.. يعني الإنسان البيخدم المجتمع في مستوى من المستويات اذا كان كنّاس شارع أو بيلم الأوساخ او بيعمل اشياء زى دي، وبيكسب رزقه بعرق جبينه، في خدمة شريفة، حقو يكون شريف، ما مضطهد.. وما حقو اذن يكون في تمييز ضد الحرف، ودا ما جاء بيهو برضو حكم الوقت الحاضر في تطور الناس لأمام، ولذلك قيل مسألة المال ومسألة الحرفة تسقط، بإعتبار الكفاءة.. جات مسألة الحرية، الحرية دى ساقطة بطبيعة تطور المجتمعات، مافيش رقيق في الوقت الحاضر، لايمكن يكون في أى مجتمع سوق للنخاسة، يقيفوا فيهو من النساء والرجال ليشتروهم الاغنياء بأموالهم، دا انتهى فاصبحت مسألة الحرية منتهية بمجرد سير التطور البشرى لأمام.. دا ركن من الاركان الستة، دا التالث”، ويواصل الأستاذ ليقول: “فضّل الإسلام والدين والنسب.. برضو قيل أنه مسألة الإسلام وحدها مابتكفي.. لأنو المسلم تعريفو قد يدخل فيهو المنافق، الإنسان الكذاب.. البحتفظ بالمظهر الخارجي، وحقيقتو ماها حقيقة مسلم.. ففي الوقت الحاضر ماحقنا اننا ننخدع بمجرد الاسم الكبير دا للإسلام.. عبدالله بن أبى بن سلول مسلم وهو رأس النفاق.. فإذن حقو الناس يتعمقوا المسائل. اها تُبعد مسألة الإسلام برضو (…..) وقيل أنه في الدين مايغني عن الكلام عن الإسلام.. في اعتبار الدين مايغني عن الإسلام، لأنو الدين إسلام وزياده، فيهو أعتبار للقيم، هل القيم الإسلامية قايمة في الإنسان البنعتبره مسلم؟ وللا مظهره مظهر مسلم ومخبره غير دا؟ سقط الركن الرابع، فضلوا ركنين، الركنين ديل قيل: الدين والنسب.. مشى النقاش في أنه مسألة الدين موش شرط الدين الإسلامي.. القيمة الإنسانية في الدين الإسلامي، هى قيمة إنسانية في الدين اليهودي، هى قيمة إنسانية في الدين المسيحي، وفى عدة أديان أخرى قد يكون التفاوت بيناتم تفاوت مقدار، لكن أصول الأخلاق موجوده في الأديان كلها.. فإذن يمكن الناس أن يبنوا على قاعدة أخلاقية.. القاعدة الأخلاقية اذا كانت مثلا لاتسرق لاتزني لاتقتل، الأشياء المعروفه في النهي دي، اذا كان الإنسان بيتورط فيها يمكن ان يعتبر غير اخلاقي”.. ويمضى الأستاذ أيضا ليقول: “إذا كان في مواطن، المواطن دا وثني، يهودي، مسيحي، ملحد، سميه ما شئت .. لكنه مستقيم في معاملة الناس؛ ما في ضرر منه ولّا إساءة منه بتجيء لجيرانه؛ بيقوم بعمله بشرف وبأمانة؛ صادق في كل ما يعمل؛ يكف أذاه عن الناس، ويحتمل أذى الناس؛ حافظ عرضه، وحافظ لسانه؛ دائمًا ما يصدر منه إلا ما يُشكر عليه، دا ما عليه طعن .. مواطن تاني مسلم .. لكنه في السوق يغش ويدلِّس ويكذِّب وينافق؛ معاملته للناس .. في الشارع، في الجوار .. كلها أذى وكلها شر .. دا ما هو ديِّن .. يمكنك انت أن ترفضه ويمكنك أن تقبل داك”..
نخلص من كل ما تقدم أن البنت المسلمة، من حقها أن تتزوج غير المسلم.. بشرط أن يكون حسن الخلق.. مستقيم السلوك. هذا الحق يعطيه لها القانون الذي يُشرع ليخدم هذا الهدف..

النسب المقصود نسب الدين لا الدم

حسم الأستاذ محمود موضوع النسب باعتبار المقصود هو نسب الدين لا نسب الدم، وقال في ذلك: “يبدو أنو الناس البعارضو النسب في ذهنهم – النسب للنبي. – حاجة زي دي.. لكن النسب للدين، مش للنبي….. “، وقد قال النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لأهله “يا بني هاشم، لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم”..
تنبيه مهم

* أشكر القيادة التونسية، ممثلة في شخص الباجي قائد السبسي، وكل التوانسة؛ العلماء الأحرار، الذين أثبتوا أنهم في مقدمة القافلة البشرية، حضوراً وفعلاً، لاهتمامهم بقضايا المرأة وقضايا الأحوال الشخصية، كما نشكر القيادة التي لم تفصل في الأمر ابتداراً، وإنما كونت لجنة تهتدي – في سعيها لاقرار المساواة بين الرجال والنساء في الميراث والزواج – بصيغ لا تتعارض مع الدين ومقاصده، ولا مع الدستور ومبادئه، وها نحن نقدم – في ما أوجزنا في أربع المقالات – تجربة راسخة (تجربة الجمهوريين في السودان) توفِّق في سلاسة واقتدار بين التراث (مقاصد الدين الكلية والتي هي تكريم الانسان)، والمعاصرة (دولة المواطنة التي تقدم خدماتها للكل بلا فرز آيديولوجي أو مذهبي أو ديني، فالكل سواسية في تلقي خدمات دولتهم، وحريتهم في اعتقادهم – مهما كانت، طالما أنهم يلتزمون بحاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة – مكفولة لهم وفق القانون)..

 

 

 * eisay@hotmail.com