خالد فضل

شئ عجيب،كما يكتب استاذنا. د.مرتضى الغالى (حياه الغمام)، أن يخرج المواطنون فى مظاهرة تندد بحكم قضائى فى مسألة جنائية كما حدث الاسبوع الماضي بحى الجريف غرب شرقى الخرطوم العاصمة، على خلفية صدور حكم من المحكمة بإعدام بعض المتهمين فى حادثة اغتيال أحد المسؤولين السابقين فى شركة الاقطان السودانية.

وقد تزامنت الحادثة مع اجراءات قضية شركة الاقطان التى شغلت الرأي العام قبل أكثر من عامين، وبحسب ماتداولته الأخبار فإن ذوي بعض المحكوم عليهم بالإعدام يرون أن أبناءهم قد قدموا ككباش فداء لنافذين فى السلطة تورطوا فى قضية فساد الشركة المذكورة وان المرحوم كان يشكل خطرا عليهم اذا قدم إفاداته للمحكمة فتم تدبير واقعة اغتياله والصاق التهمة بهؤلاء الشبان.

ماوراء سطور ظاهرة خروج الناس للمظاهرة يشير إلى واقع جديد بدأ يتشكل فى الحياة السودانية خلاصته أن معظم المواطنين باتوا يفتقدون الثقة فى كل جهاز الدولة ولم يأت ذلك اعتباطا بالطبع ولنكن صرحاء، كيف يرجو الناس أن يستقيم أمر جهاز وان كان السلطة القضائية وحال البلد كلها مائلة. هل يستطيع ماجد أن يؤشر بثقة إلى جهاز من أجهزة الدولة العسكرية أو المدنية ويقول بملء فيه هاهنا الاستقامة والنزاهة والعدالة والدقة، من رئاسة الجمهورية إلى أصغر محلية ومن قيادة الجيش إلى آخر رتبة ومن النيابة إلى الاستثمار، من التعليم العالي الى الغابات ومن شركة سيرين لتعدين الذهب إلى دكاكين اليسع فى موقف الاستاد.

الناس فى الواقع يكابدون ظروف الحياة القاسية بمفردهم هنالك حالة شلل سياسى تام فى البلاد وقد انتهت الأحزاب إلى شلل وأفراد يحققون مصالحهم الذاتية تحت لافته حزبية وعصابة الحكم وحراسها بذلك فرحون يرمون بمزعة سلطة فيتكالب عليها المتكالبون وينشق عن أحزابهم المنشقون ثم تهدا حركتهم عندما يتم تسكين الواحد منهم في وظيفة ويتقاضي اجرا آخر الشهر وفى منتصفه ينال الحوافز وينتظر نهاية الخدمة لينال الكبيرة من فوائد مابعد الخدمة، ولا يسالن أحدا عن الخدمة التى أداها للوطن،فالقطاع الصحى منهار وطلب العلاج بالخارج بات سكة يطرقها كل مريض والنفايات تملأ شوارع الأحياء السكنية وتفيض أكياس النايلون متشبسة بكل سلك شائك في الأسوار بمحيط العاصمة ومياه المطره الأولى فى الخريف التى هطلت فى أول يوليو الماضى صارت الآن فى احياء الخرطوم (ربوبا) لزجا تزكم رائحته الانوف، وعناوين الصحف فى الخرطوم لاتخرج عن أزمة فى كذا زياده فى أسعار كذا، مقتل، مصرع اناس بالرصاص والسواطير والسكاكين وحوادث السيارات التى تسير على طرق فاقدة الصلاحية، أما النظام التعليمي فحدث ولا حرج، فما الذى يجعل القضاة بمنجاة عن هذا الوحل فى أذهان الناس، فتداول قصص الفساد المروعة وماتنتهي إليه من احكام التحلل وصكوك البراءة لبعض النافذين بات يسير الشكوك بالحق أو الباطل فما هو شائع ومعروف لدى كل الناس عن أحوال وأوضاع إدارة الشأن العام فى بلادنا تجعل كل قرار تحيط به الظنون والشكوك ولو كان حكم قاض، ولا أعتقد أن حالة الشك ناجمة من فراغ.

لقد بارت المشاريع السياسية، وافرزت سنوات الإنقاذ الطويلة الثقيلة حالة من اللامبالاة، وأصبح الناس يبحثون عن الحلول الفردية فطالب الوظيفة أو الخدمة فى أى مرفق حكومى يبدأ مهمته بالبحث عن وسيط أو يجهز ثمن التسهيلات وهذه مرحلة انهيار تام، قلنا أن المشاريع السياسية قد بارت فما هو مشروع مبارك الفاضل مثلا أو تراجى مصطفى او كمال عمر أو حسن إسماعيل وتابيتا بطرس، مع الأسف حتى مشروع بناء السودان الجديد تنازع حوله قادته، هذا يقيل ذينك الاثنين، والاثنان يتهمان ثالثهما بالانقلاب والانكفاء، وبالحق كيف ينظر الناس إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان فى نسخة القائد الحلو غير أنها حركة احتجاج مناطقى أو جهوى في بعض مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق،لقد خبٱ بريق الأمل والتغيير وبناء الوطن على أسس جديدة وانتشال انسانه من واقع الفقر والمرض والجهل وحالة العداء والاستقطاب وفشوء مظاهر التشدد والانغلاق العرقى والدينى والجهوى والمذهبى الى رحاب وطن فيهو نتساوى نحلم نقرأ نتداوى.

أيها الناس ستترى العجائب وسنظل فى مسرح اللامعقول هذا إذا ظللنا على حالنا هذه تحت ظل حكومات الكسبة الكذبة ولن تعود بلادنا بلادنا إلا بثورة عارمة تدك هذا الواقع الأليم لتبنى بعد كنس انقاضه وطنا يليق.