فايز السليك

    في الحلقة الأولى من سلسلة هذه المقالات التي تجئ كمداخلة نقدية لأطروحة الدكتور حمد، كنتُ قد أشرتُ الى افتقار الأطروحة للمنهج النظري والمقدمات المنطقية، وتحدثتُ عن التباس في المصطلح وعدم انضباطه، واختتمتُ المقالة بطرح تساؤل فحواه؛ إن كان العنف سمةً من سمات الرعاة دون سواهم من بقية البشر؟.

   لقد سعى دكتور النور حمد إلى ربط ظاهرة العنف والتعصب بالرعاة،  وربط في ذات الوقت ما بين القبيلة بمكونها الاثني، وبين الرعي كمهنة وكنشاط اقتصادي، فمرة يحدثنا عن عقل رعوي، وتارةً عن قبيلة؛ مع اشارته إلى أن ذلك “ لا يشير إلى قبيلةٍ بعينها، ولا إلى مجموعةٍ بشريةٍ بعينها، وإنما يشير إلى منظومةٍ قيميةٍ شكلتها ظروف تاريخية” ولكي يثبت صحة وجهة نظره، اجتزأ بعض أحداث التاريخ في الجزيرة العربية اجتزاءً بالإشارة إلى   ” أن الأعراب، بعد كل المعارك والهزائم، وبعد كل ما رأوه من مزايا القيم الإسلامية، وبعد مرور ما يقارب ربع القرن على بداية الدعوة، ظلوا على الكفر والنفاق”  لقد  كرر الدكتور أكثر من مرة أن الاعراب رفضوا الدعوة الإسلامية؛ مع أن اهل مكة أو المدينة جلهم من العرب العاربة أو المستعربة في مناطق أخرى، وهم من شكلوا غالبية المسلمين الى وقت قريب! لقد بدأت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، ثم هاجر الى المدينة، ونصره الأنصار هناك مثلما أسلم قادة وسادة قريش ومن أبناء عمومته من بيت هاشم بن عبد المطلب.  وقد قصد هنا جماعات ” البدو” أو العقل البدوي مثلما أشار إلى ذلك المستشرق رفاي باتاي؛ في كتابه ” العقل العربي ” Arab mind الذي صدر في عام ١٩٧٣ وذكر فيه صفات العرب وربطهم بالبداوة والجلافة وقضايا الشرف المرتبطة بالنساء. وذكر حمد ” إن منشأ هذا المسلك هو حالة البداوة وبنية المجتمعات التي تشكلت حول نشاط الرعي. وهذا المسلك  يقل هنا، ويزيد هناك. ولكن، قد يزيد هذا المسلك المعادي للتغيير وللانسجام مع مؤسسة الدولة،حتى يصل درجةً تبلغ إفساد بنية الدولة نفسها”  

ربما أراد دكتور النور حمد أن يقول لنا أن العقل البدوي العربي  هو العقل السوداني. نعم، لقد سعت نخب المركز الى فرض تصوراتها قسراً على كل الثقافات الأخرى وفق ثقافتها الاسلاموعربية ،  لقد  تم ذلك  بالتواطؤ مع السلطة عبر تاريخ السودان الحديث، وتبنت النخب، أو السلطة المتحالفة والمتواطئة سياسات ومناهج اقصاء وعزل ونفي وإعادة الإنتاج على بقية مكونات الثقافات السودانية، واستخدمت في ذلك العنف اللفظي والجسدي والاعلام والتعليم،  وقد كان نتاج ذلك تشكيل عقل سوداني متشظ، مشوش ومضطرب التفكير، لا لأنه عقل رعوي، بل لأنه عقل انطلق من فوق منصات الثنائية المتصارعة/ عروبة / إسلام وأفريقانية/ مسيحية،  ما جعله يعاني من اضطِّراب النشاط الذهني، وهو ما يعني عجزنا عن  إنتاج تصورات ذهنية، ومنظومات معرفية قادرة على مساعدتنا في حل مشاكلنا، والتفاعل مع واقعنا، مثلما جعله الدين المكتسب عبر التصوف، أو الكجور والمعتقدات الأخرى عقلاً غنوصياً مسلماً ومستسلماً، وغير شك فأن لذلك انعكاساته على طرائق تفكيرنا الذي تلازمه صفة الاضطراب، وهو خلل  بنيوي ومفاهيمي؛ وبذات المفهوم نقول إن وجود علة في التفكير الجمعي تعني وجود خلل في النظام المعرفي، و في النسق الثقافي الذي يُشكِّل منصة انطلاق هذا العقل. ويشير الدكتور بركات موسى الحواتي إلى تركيبة العقل السوداني وتعقيداته ” إذ لجأنا في فلسفة عربية إلى الجزئيات دون الكليات التي انبثقت عنها، وهو ما يؤدي بالضرورة، وقد أدى فعلاً إلى التضارب في الفهم، بمعنى تجاوز الكليات، واضطراب الإدراك بما لا يحقق وحدته المفترضة ، أو على أسوأ التقديرات ينسف الفهم المشترك افتراضاً”، ويضيف ” لعل غياب المنهج، وبالتالي قصور الحركة وجمودها والركون إلى دائرة من لذاذات الحوار، لا يسبقها كل، ولا يلحقها وعي، وهو سجن جهنمي سبقتنا إليه الكثير من دول العالم الثالث، وهي تبحث عن ذواتها،اذ ظل المطروح هلاماً تتناوله النخبة، رفاهاً تسترقه أذن بعد أخرى  بالطبع؛ فإن التضارب أو التناقض والتضاد والتصارع هي مسألةٌ مرتبطة بهويتنا، و يرى الدكتور منصور خالد في محاضرة بمركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، في سبتمبر 2007 ” إنَّ عجز أهل السودان عن ابتداع هُوِّية وطنية جامعة وتحقيق وعى ذاتي متوازن هو الذى رمى بهم إلى ما هم فيه من فرقة وشتات .. ولأن يقع هذا في وطن تقتضى عبقرية الزمان والمكان أن يكون برازيل إفريقيا فإن فى ذلك عبثا كبيراً”   ويضيف ” والهُويِّة في جوهرها هى مجموعة من الخصائص الروحية والوجدانية والمادية التي تميز قوم عن قوم , وفى السُّودان أقوام تتعدد أديانهم وتتنوع ثقافتهم وتختلف أنماط حياتهم , وقد أفرزت هذه الخصوصيات تمركزا في الذات شوه الوعي الجمعي وخلق يقينا زائفا ومدمرا , وأي دمار أكثر من حرب الإخوة الأعداء , أنا الصواب والآخر مخطئ .. هذه النظرة الطَّاؤوسية للذات تعبر عنها أحداثنا وأحاديثنا وبعض قيمنا المعيارية وهذا ميدان آخر يتطلب حضورا معرفيا”

والهُوِّية كما عرفها قاموس ويستر الأنجليزي  هي” تماثل الخصائص الجينية الأساسية في عدة أمثلة أو حالات أو تماثل كل ما يحدد الواقع الموضوعي للشيء المعين: تماثل الذات  الواحدية ، تماثل تلك الأشياء التي لا يمكن التمييز بين آحادها إلا بخصائص عرضية أو ثانوية”.  

 ووسط هذه الدوامة نجد أنفسنا؛ أكثر الحاحاً للبحث عن تعريف شامل لعقلنا الجمعي وذاكرته؛ مستصحبين معنا تلك العوامل التي هي اشبه بثوابت، مع وجود عوامل متغيرة مثل علاقات ونمط الإنتاج، السياسات العامة، التعليم، النظم السياسية المنفتحة والمنغلقة والمستبدة، ومن ثم علينا بالحفر المعرفي الممنهج للوصول الى صفة يمكن أن نطلقها على ” عقلنا السوداني الجمعي” بدلاً عن وصفه بأنه ” رعوي” وحتى هذه الصفة المرتبطة بنوع النشاط الاقتصادي، تدعونا الى التساؤل؛ إن كانت صفةً دائمةً وتظل متخفيةً في لا شعورنا الجمعي؟ ومن ثم يظل العقل ساكناً جامداً مقاوماً للحداثة والتحديث؟ أم أنه عقلٌ متغير؟ وما أثر الاقتصاد وتحولاته ونمط الإنتاج وعلاقاته على التفكير الجمعي، وعلى تشكيل الوعي؟ الوعي الذي تراه الماركسية بناءً فوقياً لا تحتياً، بمعني أن الاقتصاد هو العامل الرئيسي في تشكيل وعي أي فرد أو مجتمع.  بالطبع لا يمكن تناسي أثر العلاقة الجدلية ما بين التفكير و نمط الإنتاج لأنها علاقة تأثير وتأثر مع العلم أن؛  السودان دولة ما قبل رأسمالية، لا هي اقطاعية زراعية، ولا هي دولة صناعية شهدت تكوين الطبقات وصراعات الطبقة العاملة والرأسمالية مما يجعل الاعتماد على تحليل المنهج الماركسي أمراً محفوفاً بكثير من المطبات المعرفية والمنزلقات الواقعية،  كما ان السودان ليست دولة رعوية؛ بل هي دولة يغلب فيها النشاط الزراعي في مناطق كثيرة ،  ومن وجهة نظري فأن التفكير على الطريقة الرعوية”  يمكن اعتباره سمةً واحدةً من عدة سمات توسم عقلنا الجمعي وطرائق تفكيره، وهي طرائق تفكير ملتبسة ومشوشة ومرتبكة، وسبب ذلك كما أشرت أعلاه هو  منصات انطلاق العقل.  

وفي سياق أخر؛ سعى الدكتور النور سعياً حثيثاً الى الربط ما بين انتماءات القبيلة والانتماء الى تكوينات الدولة الحديثة ومنظمات المجتمع المدني؛  بقوله  ” كما يمكن أن تتمثل القبيلة، في السياقات الحديثة، في الحزب. كما يمكن أن تكون متمثلةً في فريق كرة القدم الذي نشجعه، أو في الالتقاء في الفتون بمغني بعينه، وتشكيل رابطة معجبين تحت اسمه، أو في طريقة صوفية، بعينها، وغير ذلك من التجمعات التي تقف وراءها العصبية، أو العاطفة. ويبدو أن الانسان يحتاج القبيلة، في كل الأحوال، إذ تصبح للأكثرية، مكملةً لوجودهم ” كيف يمكننا وصف الانتماء الى حزب السياسي أو منظمة مجتمع مدني أو نادي رياضي  بأنه قبلية؟ إن الأمر على النقيض تماماً لأن  القبيلة تتشكل من مجموعة من الناس ينحدرون اثنيا من جد واحد، ويشتركون في العادات والتقاليد ويتحدثون لغةً واحدة، وقد تتشابه سحناتهم وسماتهم الجسمانية وملامحهم العامة، وقد يسكنون رقعةً جغرافية واحدة، أو ربما تتقاطع مضارب القبيلة، وتعبر حدوداً إقليمية ودولية، وربما تعصف بهم الظروف فيتناثر بعص أفراد القبيلة وسط مجموعات اثنية أخرى؛ وفقاً لظروف اقتصادية، سياسية، اجتماعية أو ثقافية. ليس هناك أي علاقة بين مفهوم القبيلة والانتماء الى نادي رياضي؛ ومن الاستحالة ربط تفاعل جماهير المريخ والهلال، أو وبرشلونة وريال مدريد   بجينات القبيلة وقيم عقلها الرعوي، مثلما من المستحيل كذلك ربط   الانتماء الى حزب سياسي مثل  “المؤتمر السوداني”، او حزب الوفد في مصر، أو الليكود الإسرائيلي، أو الديموقراطي الأمريكي،  أو الحزب الشيوعي أو الحركة الإسلامية بمفهوم الانتماء للقبيلة؟ ربما أراد الدكتور رد ظاهرة التعصب وجنون الكرة الى تعصب القبيلة،   في وقت نعتبر فيه أن الانتماء لنادي رياضي أو الانضمام الى حزب سياسي سلوكاً مدينياً  متقدماً على سلوك القبيلة، بل؛ و يعد درجةً عليا من درجات الوصول الى تحقيق الذات وفق هرم عالم الفس الشهير، ابراهام ماسلو، وتقوم فكرة هرم ماسلو على تدرج عملية اشباع رغبات وغرائز الفرد؛  والتي تبدأ بإشباع غريزة الجوع والعطش والجنس،   ثم البحث عن المسكن والملبس،  والأمن، حاجة الانتماء، ثم  الابداع، وبعد ذلك  تحقيق الذات. إن مسألة الانتماء إلى أي كيان أو منظومة هي حاجة غريزة وطبيعية لدى أي فرد، وكلما تقدم المجتمع كلما سمت غريزة الانتماء، وتطورت من انتماء أسري/ عشائري/ قبلي/ جهوي إلى انتماء مديني/ حضري/ قومي الى جماعة سياسية أو مدنية أو رياضية.

   ان الأمر الذي لا جدال حوله؛ هو أن العنف يظل وسيلةً معروفةً من وسائل عدة؛ تستخدمها الأفراد والجماعات في عملية حسم إدارة الاختلافات والصراعات والتنافس في كل المجتمعات؛ ابتداءً من قصة أول عنف حدثت في التاريخ، ثم ما تلاها من عنف بادية وقبيلة وسباقات مراعي، وجرائم ” شرف” عند العرب، وحروب حول السيادة والسطوة والنفوذ والأراضي والمال وصولاً الى عنف الأنظمة الحاكمة ضد شعوبها من أجل نيل السلطة أو الحفاظ عليها، أو عنف أفراد أو جماعات أو عصابات داخل المدن الكبرى بسبب الفقر والجهل والعنصرية، أو حتى بسبب الفوارق الطبقية. لذلك ليس من الممكن اعتبار العنف خاصية الرعاة وحدهم؛ والا كيف نفسر عنف أحياء مثل هارلم في نيويورك في ستينيات وسبعينات القرن الماضي؟ وكيف تزداد نسبة الجريمة في المدن الصناعية الكبرى مقارنةً مع مدن صغيرة أخرى؟  وهل يمكن تجاهل العنف السلطوي؟ عنف الحكام ضد شعوبهم؛ وليس هناك أمثلة أقرب إلينا من  أمثلة حروب الإبادة والتطهير العرقي، وجرائم الاغتيالات السياسية وبيوت الأشباح في بلد مثل السودان بعد أن سطا الإسلاميون على السلطة عبر صناديق الذخيرة لا صناديق الانتخابات، ولو أخذنا هنا؛ الحركة الإسلامية في السودان  مثالاً لعقل جماعي يرتكز على منصة فكرية واحدة، لوجدنا ان ” الدعوة الأممية” هي المحرك للعقل لا عصبية القبيلة، ولا أحلام رعاة الإبل أو الأغنام، بل هي عقلية لجماعة من ” المتعلمين” أو أفراد ينحدرون من الطبقة الوسطى بتعريف ماركسي.  وسيتواصل الحوار.