لؤي قور

ضمن فعاليات التحضير لمؤتمر النقد السوداني، واصل نادي الفلسفة سلسلة محاضراته المعنونة بـ”الفلسفة وسؤال النقد”، السبت الماضي بمقر اتحاد الكتاب السودانيين بالخرطوم، حيث قدم الدكتور “محمد عبد الرحمن بوب” محاضرة بعنوان “ديكارت في سياق صعود الذات الغربية”، وقال الدكتور “بوب” أن الفنون أصبحت في الوقت الحالي موضوعا للفلاسفة والمشتغلين بالفلسفة، وعليه فقد قرر النادي أن يراعي الترتيب في محاضراته ابتداءاً من التاريخ القديم والعصر الوسيط، ثم العصر الحديث كجزء من التحليل المنتظم، والسرد التاريخي المتسلسل وبين أن الغرض من ذلك هو محاولة بحثية لفهم تاريخ الفكر الغربي، وكيف يمكن أن يُفسر لشخص بعيد عن الغرب، أو كيف نقرأ الفكر الغربي باعتباره جزءاً من تاريخ التفكير.

نظرة مغايرة:

واعتبر بوب أن “ديكارت” يمثل لحظة مفصلية في تاريخ الفكر الغربي الموجود والمكتوب من وجهة النظر الغربية، وهو بالضرورة – أي ديكارت – يجلس في مكانة من بدأ الفلسفة الحديثة. وقال “بوب” أنه وعندما نتحدث عن الفلسفة، فنحن بالضرورة نتحدث عن التاريخ، حيث أن كل ما نعرفه عن الغرب والمعرفة المتداولة عنه، وما شكل صورة الغرب عند العالم كنا قد تلقيناها بالطبع من قصة غربية كتبت من قبل غربيين، لكني أتحدث هنا – والحديث لـ”بوب” – عن قراءة التاريخ الغربي برواية أخرى غير غربية، تتناول المنظومة الإجتماعية الغربية، ونظام المعرفة الغربية، و”ديكارت” بلا ريب جزء من هذه القصة، بل شكل جانباً من جوانب التجديد فيها يجب تناوله من وجهة نظري بلغة “تصحيحية” في محاولة لتفادي شبهة الإنحياز في اللغة الغربية التي كُتب بها، بإيجاد لغة موازية لها ومخالفة للرواية الغربية.

الكلية اليسوعية:

وقال “بوب” أن “ديكارت” المولود في العام “1596”، عاش في فرنسا، ودرس في “هولندا” لثمانية سنوات في الكلية اليسوعية بأمستردام، ومن ثم تدرب على الجندية لست سنوات، وظل بهولندا حتى توفي في العام “1650”، عاصر ما يسمى بحقبة “القرن السادس عشر الطويل”، كما سمتها مدرسة “الحوليات” ومدرسة “النظام العالمي”، الذين فضلوا دراسة القرن الطويل “200 عام” كوحدة زمنية تتيح للباحث دراسة فترة طوية من الزمن، وتجنب الأحداث والمنعطفات الصغيرة التي لم يكن لها تأثير يذكر في حركة التاريخ التالية لها، وهي فترة شهدت صعود الغرب نتيجة لعوامل ميزت العصر الحديث أهمها ظهور الاستعمار وانفتاح أوروبا على العالم الخارجي وغزوه، بدءاً بجزر الكناري، والماديرا، وغيرها. ويؤرخ لهذه الحقبة بالعام “1438”، إلى أن توغل الأسبان في أمريكا الجنوبية في العام “1492”، وعقب هذه الفترة ظهرت الدول القومية في أوروبا، التي كانت البرتغال وأسبانيا في طليعتها كدول “أندلسية”، وكان ذلك بعد سقوط غرناطة، ووصول كولومبوس إلى أميركا “1526 – 1648”.

 

تصدير العنف والتمييز:

ومضى “بوب” للتأكيد على أن ظهور الدولة القومية في أوروبا يؤرخ له بالعام “1648”، وهو زمن قريب من وفاة “ديكارت”، يأتي بعد اتفاقية “ويستفاليا”، التي أعقبت حرباً دينية دامت لحوالي المئة وعشرين عاماً في أوروبا، وبعد حروبات داخلية نتج عنها فكرة “غزو العالم”، بعد أن تراكم العنف والخبرة فيه حتى فاض، فتم تصديره للخارج، وظهرت التحالفات الإستعمارية مع ظهور الدولة القومية، وبعد أن عاشت أوروبا صراعاً حاداً  كان سببه المباشر هو “التمييز”، فتم نقل التمييز كذلك لخارج أوروبا، وظهرت “الرأسمالية” بسبب انفتاح العالم أمام التجارة، ومحاولة أوروبا للحصول على ثروات المستعمرات، فانفتحت الأسواق على بعضها، وظهرت السفن والتجارة العابرة للقارات.

وزاد:”بالطبع فقد كان “اليسوعيون” جزءاً من ذلك الصراع الأوروبي، واستولوا على التعليم الجامعي في فرنسا، بل سيطروا على التعليم في معظم أوروبا، بعد أن سيطروا على المزارع في دولة “بيرو” الجنوب أمريكية، وبدأ ما يسمى بالعهد الذهبي لهولندا فظهرت “أمستردام” كأكبر ميناء لاستيراد الرقيق، كونها كانت مستقرة ومفتوحة على المعرفة، وشهدت فترة ثراء وصعود في ذلك الحين كجزء من صعود الذاتية الغربية وتمركز الأوربيين حول ذواتهم”.

 

 العالم كموضوع للمعرفة:

وعن نقد مجهودات ديكارت الفلسفية قال بوب أنه يمكن القول أن “ديكارت” لم يكن باحثاً ومنشغلاً بالمعرفة العلمية وعلاقة الإنسان بالله، أكثر من انشغاله بالمجتمع واتجاهه نحو أن يصبح العالم موضوع للسيطرة، وموضوع للمعرفة، وهي وجهة نظر تمركزت حول الذات الغربية، كما كان لـ”ديكارت” رأيه الجديد في مسائل الفيزياء والرياضيات والبصريات ونظرية الوجود، حيث اعتبر أن الذات هي القادرة على معرفة العالم مخالفاً في ذلك لأرسطو وكان يرى أن من الممكن وضع نظام يزيل نظام “أرسطو” في الفلسفة، وعُرف “ديكارت” المنشغل بالرياضيات بالوضوح والتميز، وانحيازه للمعرفة اليقينية، واللجوء للطبيعة الاستنباطية في إيجاد العلاقات بين الأشياء مركزاً على “الخاصية الكمية” للطبيعة، ودراسة مفاهيم مثل الحجم والوزن، واعتبر أن تنوعات عناصر الطبيعة ناتج عن الحركة، وأن الإتصال بين الأشياء قائم على فكرة الحركة غير المتعلقة بالإنتقال المكاني، موجداً بذلك مفهوماً آخر للمكان.

لكن على الرغم من كل ذلك لم يكن ديكارت واضحا في بعض الإمور، مثل مفهوم حركة الكون والأرض وقوانين الحركة المختلفه، وتقسيمه للحركة لداخلية وخارجية، وكون الحركة تنتج تنوعات الأجسام، وافتراضه أن الأثير طبقة فوق الهواء تمنع الكواكب من السقوط، وكونه لم يوافق “كوبرنيكس” على أن الأرض تدور، بل ساوى بين هذا المفهوم ومفهوم أن الأرض هي مركز الكون. والطريقة التي تم بها تأويل “ديكارت” فيما بعد، تبين مخالفتها لما حدث على أرض الواقع. ويمكن القول بأن “ديكارت” فيما يتعلق بهذه الإمور لم تكن له صلة بالعصر الحديث، أو أن ما قدمه لم يكن مفارقاً لما تم تقديمه في العصور الوسطى. ففي اعتقاد “ديكارت” أن “كوبرنيكس” لم يحدث ثورة علمية باكتشافه لدوران الأرض، بحيث تغير الوضع في الغرب، والإلتباس الثاني عند “ديكارت” هو فكرته عن مفهوم المكان حينما اعتبر أن هنالك نوعين من الأمكنة، ثنائي الأبعاد، وثلاثي الأبعاد، وكتب “ديكارت” كتاب “العالم” حول الفيزياء وكتاب “المنهج” الذي طُبع بطريقة متداخلة فيما بعد، وتناول النظام الفيزيائي للعالم. وفي ختام المحاضرة قدم الدكتور محمد عبد الرحمن بوب شرحاً تفصيلياً لرؤية ديكارت في مجالات الرياضيات والفيزياء وغيرها.