صديق محيسي     

في مطلع ستينات القرن الماضي حمل التاريخ صورا من المعارك الأيديولوجية؛ الماركسية بقيادة الاتحاد السوفيتي “قلعة الاشتراكية”، والرأسمالية تمثلها الولايات المتحدة الامريكية “قلعة الامبريالية”. هذه هي كانت التسميات السائدة في ذلك الزمان؛ ثقافة كان من المستحيل الفرار منها، فضاء ملتهب احاط بكل شيء: السياسة والاقتصاد والآداب والفنون. وفي غمرة خيبة الامل   التي اصابت شعوب العالم الثالث من رفض الاستعمار المتعدد الجنسيات الوفاء بوعده في منحها استقلالها بعد ان قاتلت بجانبه النازية في الحرب العالمية الثانية، نشأت حركات التحرير الوطني في غير صورها التقليدية، وكان محتما ان يتبع هذا الزخم من الشوق الي الحرية ارادة قوية في نيل الحقوق الوطنية. تجلي ذلك في وجوه شتي كان أبرزها الآداب، والفنون، اي الشعر، الرواية، المسرح، القصة القصيرة، حركة النقد، ثمة لغة جديدة في الادب بدأت تحل محل رومانسية اولت اهتماماتها للطبيعة، كان على رأسها مصطفي لطفي المنفلوطي، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة وغيرهم كثيرون من التهويميون.

 لم يكن السودان بعيدا عن هذه المؤثرات، فقد هبت علينا رياح التغيير من جهة الشمال، من مصر اول دولة عربية ظهرت فيها الحركة الشيوعية على يدي اليهودي هنري كوريل، اختارت الشيوعية السنتها في الآداب والفنون مثلما ما اختارت ذلك في السياسة، والاقتصاد، والعلوم الاجتماعية من القاهرة. عرفنا الادب الاشتراكي، والنقد الاشتراكي من محمد مندور وسلامة موسي ومحمود امين العالم وعبد العظيم انيس اللذان أصدرا كتابا مشتركا باسم” في الثقافة المصرية ” وأحدث ذلك الكتاب تحولا كبيرا في مفاهيم الفنون الابداعية واثار نقاشا واسعا حول دور الادب في التحرر من الاستعمار وما إذا كان الفن للفن او الفن من اجل الحياة.

رياح الواقعية الاشتراكية حملت الينا في السودان اولى بذور التحول من رومانسية غارقة في الطبيعة وتهويمات الاحلام، وادب المناسبات، والاخوانيات الشعرية، الي مفاهيم جديدة في جعل الابداع أحد اهم وسائل النضال ضدالإستعمارالذي كان  جاسما علي  شعوب افريقيا واسيا  وكنا نحن في السودان من ضحاياه.

  والي ذلك سمعنا دوي اشعار جيلي عبد الرحمن وتاج السر الحسن في ديوانهما المشترك قصائد من السودان، والفيتوري في اغاني افريقيا، ومحي الدين فارس في الطين والاظافر، كنا نشعر بالفخر والاعتزاز ونحن نسمع عن شعراء سودانيون يسهمون في نهضة الشعر العربي الحديث.

 

 جيلي عبد الرحمن كان رئيسا للقسم الثقافي بصحيفة المساء، محي الدين فارس كان محررا في  الملحق الثقافي لصحيفة الجمهورية , خاض  فارس معارك في مجلة الآداب مع نزار قباني وهو الذي أطلق عليه اسم شاعر الفراش، الفيتوري ظل يدافع عن افريقيته وسط اتهامات له بالعنصرية ينفيها بشدة امام مثقفين عرب كانوا لا يعرفون شيئا عن افريقيا سوي سوادها وعرفنا مفكرا وناقدا سودانيا  كبيرا هو محي الدين محمد الذي كتب  ثورة علي الفكر العربي المعاصر  ذلك الكتاب الذي خلق ضجة في الأوساط الثقافية.     

    في غمرة هذا النهم الجامح، التهمنا من مصر ديوان كمال عبد الحليم “إصرار

أخي هل نحن تحت الأرض أعشابٌ وديدانُ

أخي يا أيها الإنسان هل في مصرَ إنسان 

أراها مسرح الأشباح قد وارته ألوان

هي الفلاح والفلاح أسمالُ وأكفان

هي العمال والعمال إجهادٌ وحرمان

هي المظلوم والمظلوم لا يجديه غفران

أرانا نجمع الأشواك ما للشوك ريحان

دمانا فوق هذي الكف برهانٌ ونيران

وهذا الظلم لا يرضاه إنجيل وقرآن

  وقرأنا له في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956

دع سمائي فسمائي محرقه

دع قنالي فمياهي مغرقه

واحذر الارض فارضي صاعقه

هذه ارضي انا وابي ضحي هنا

وابي قال لنا مزقوا اعدائنا

    كان لديوان “عاصفة” النيران لعبد الرحمن الخميسي  ورواية الارض لعبد الرحمن الشرقاوي سحرا اخاذا على اخيلتنا الطرية، كانت مصر اشعاعا من التنوير يغمر نفوسنا من كل مكان. من هناك عرفنا صلاح عبد الصبور، واحمد عبد المعطي حجازي، وفوزي العنتيل، ومحمد عفيفي مطر، ومحمود امين العالم، وعبد العظيم انيس, ومحمد مندور, وسلامة موسى وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وغيرهم.

     من الشعراء السودانيين الذين هاجروا او أولئك الذين تفتحت عيونهم في ارض الكنانة كان الفيتوري, وجيلي عبد الرحمن، وتاج السر الحسن، ومحي الدين فارس، ومحمد فضل بكاب، وعبد الله شابو, ومصطفي سالم، وفى النقد والترجمة كان محى الدين محمد ذلك المفكر السوداني الذي رحل في صمت  ، وهو اول من أطلق صرخة التغيير في واقع التخلف العربي عندما أصدر كتابه الشهير “ثورة على الفكر العربي المعاصر

من العراق قرأنا محمد المهدي الجواهري

ما تشاءون فاصنعوا فرصة لا تُضيَّعُ

فرصةٌ أن تُحكَّموا وتحطّوا وترفعوا

ما تشاءون فاصنعوا جوّعوهم لتشبعوا

ما نهبتم فوزّعوا للحواشي واقطِعوا

 واستيقظنا معه من النوم لنسمع

 نامي، جياعَ الشعب نامي حرستْكِ آلهةُ الطعامِ

نامي، فإن لم تشبعي من يقظة، فمن المنام

نامي على زَبَدِ الوعود يداف في عسل الكلام

 

او:

أَطْبِقْ دجى، أطبق ضبابْ أطبق جهاماً يا سحابْ

أطبقْ، دمارُ، على حماةِ دمارِهمْ، أطبق تبابْ

أطبقْ على متبلّدين شكا خمولَهم الذبابْ

أطبق على المعزى يراد بها، على الجوع احتلابْ

أطبق على هذي المسوخ تعاف عيشتها الكلابْ

    كان عبد الوهاب البياتي في اباريقه المهشمة وسفر الفقر والثورة يرفع عقيرته من العراق:

يا ايها الليل الطويل

هذا صياح الديك، من أعماق قارّتنا، يبشر النهار

 

يا أيها الليل الطويل

 

أبداً جبال الموت يحجبها الضباب

 

والثلج، والموتى، وقطعان الذئاب

 

وحائط الصين العظيم

 

وعيون شاعرنا الجريح

 

تغفو على بيت من الشعر القديم

 ونقرأ بدر شاكر السياب في “حفار القبور” و”المومس العمياء

 وفى الحب

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأ عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

يرجه المجداف وهنا ساعة السحر

كأنما تنبض في غوريهما النجوم 

اصيح بالخليج: “يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى” 

فيرجع الصدى كأنه النشيج

 

     شعراء العراق الذين رادتهم نازك الملائكة بدواوينها المتتابعة “عاشقة الليل” 1947و”شظايا ورماد” 1949و”غرارة الموجة” 1957وكان الي جانبها بدر شاكر السياب الذي اصدر اكثر من ديوان في العراق الي ان نشرت له مجلة شعر ديوانه التأسيسي “انشودة لمطر” 1960  وعبد الوهاب البياتي الذي انتقل من ملائكة وشياطين  واباريق مهشمة 1954  الي اشعار في المنفي 1957  و”كلمات لا تموت”   وبلند الحيدري  “اغاني المدينة الميتة”، وكان ذلك في السياق الذي ظهرت فيه قصائد ادونيس في سوريا ثم بيروت ابتداء من “قالت لي الارض

   وفي سوريا شوقي بغدادي، وزكريا تامر، ومحمد الماغوط، وسليمان العيسي, وعلي الجندي، ومن لبنان طالعنا مجلة الآداب لسهيل ادريس، والثقافة الوطنية لمحمد دكروب، ومجلة الطريق لمهدى العامل، وتعرفنا على جورج حاوي، وادونيس، ويوسف الخال، والاخوين حسين وكريم مروة، وانسي الحاج ,ومطاع صفدي، وسنية صالح. وجورج طرابيشي، ومن فلسطين رافقنا معين بسيسو، وفدوى طوقان وسميح القاسم وتوفيق زياد، ومحمود درويش .

                                                              يتبع