رشا عوض

أطل اليوم عام هجري جديد(1439)..

في هذا اليوم وكل يوم أقول لنبينا محمد .. “صلى عليك الله يا علم الهدى”يا إمام المرسلين ورحمة الله للعالمين.. الهادي إلى الرشد والخير والسلام والحرية ومكارم الأخلاق ، نصير الفقراء والمستضعفين ومحب المساكين ..

قرأت سيرتك في كتب “الوهابية” ثم كتب”السيرة التقليدية” وكتب “الصوفية” و”كتب المجددين التنويريين” وكتب “المستشرقين”

في كل هذه الكتب وجدت الكثير جدا عنك من أخبار ووقائع، من أفكار واستنتاجات، من تصديق و تكذيب، ومن مدح وذم ..

والنتيجة أنني أقول لكثير من المؤمنين بك : لكم محمدكم ولي محمدي!

ولكل المكذبين لك أقول: أنتم ايضا لكم محمدكم ولي محمدي!

انا على يقين أنني أعرفك حق المعرفة، وأحبك وأشتاق لرؤيتك، وقلبي مطمئن لأن سعيي المتواضع في كل دروب حياتي منسجم تماما مع حبي لك وإيماني برسالتك العظيمة التي هي “الإسلام”!

أعاهدك في ذكرى هجرتك المجيدة  أنني لن أكذب على أحد وأحتال عليه قائلة : ان ما أبثه من أفكار سياسية أو اجتماعية، وما أتبناه من مناهج لإصلاح الحياة العامة هو جزء من الوحي الذي أوحاه الله إليك! حاشا لله ان أكون من الكاذبين!

كل ما أستطيع قوله ان أفكاري المتواضعة ومواقفي وانحيازاتي المعلنة في شأن قضايا وطني وعالمي الإنساني الكبير هي نتاج تفاعل عقلي ووجداني مع معطيات واقعي الزماني المكاني، وفي وجداني يكمن إيماني الذي أشعر به طاقة تدفعني دفعا للمساهمة بالقليل جدا الذي امتلكه في سبيل بناء وطن خير وعادل ومتطور يعيش مواطنوه أحرارا متساوين بكرامة وتسامح..

إيماني مجرد طاقة تدفعني للتفكير في كل ما هو خير وعادل ورحيم وجميل، ولكنه لا يقدم لي وصفات مفصلة لما يجب أن أفعله في إدارة الشأن العام المتغير باستمرار! ولذلك لا أملك سوى التفكير انطلاقا من معارف ومنجزات وتجارب زماني ومكاني ! وتحريا للصدق والأمانة  لن أضع اسمك الشريف يا محمد، ولا اسم الله الكبير المتعال كماركة تسويقية لأفكاري تجنبا للكذب والخداع والتضليل!

الحبل الذي يربط بين كدحي في هذه الأرض وبين الله الواحد الأحد يظل قويا بشرط أن أتعمد إخفاءه مع سبق الإصرار والترصد! وبمجرد إظهاره سوف ينقطع! لأنه ينحرف من ابتغاء وجه الله لابتغاء وجه المنفعة عبر ختم البضاعة السياسية باسم الله ورسوله وهي بضاعة بشرية لا ينفي بشريتها حسن إسلام منتِجها وإن كان فعلا حسن الإسلام وحسن النوايا والمقاصد!

لماذا إذن أشرك قرائي الأعزاء في معرفة طبيعة علاقتي بالإسلام ونبيه؟ ألا يمكن ان يتسبب ذلك في قطع حبل أظن – وليس كل الظن إثم – أو اتعشم في أنه يربطني بالله ورسوله؟

ما شأن القراء بأفكاري الدينية حتى أنشرها في صحيفة مهتمة بالشأن العام وهو فضاء مشترك بين المواطنين السودانيين على اختلاف أديانهم وكذلك على اختلاف “لا دينياتهم”؟

أولا ، أعتذر عن هذا البوح الذاتي جدا والشخصي جدا إن كان  أزعج أحدا

ثانيا، أرجو من الجميع تفهم السبب الذي جعلني أستعرض أمرا خاصا في مساحة عامة، فما دفعني لهذا البوح هو تكريس العقلانية والتعددية المغتربة  في مجتمعنا، أود أن أقول ان دين محمد متعدد بتعدد الأفراد المؤمنين به! وليس فقط بتعدد الطوائف والمذاهب الفقهية والفكرية التي نشأت انطلاقا من مرجعيته! فكما أن لكل فرد منا بصمته المادية التي لا تتطابق حتى مع بصمة أخيه أو أخته أو حتى “توأمه”، فإن طريقة كل فرد منا في التفاعل مع دينه واستلهام قيمه هي بصمته المعنوية التي لا تتطابق مع بصمة آخر! فكيف يأتي أحد بأفكار لإدارة شؤوننا المحسوسة الملموسة في الحياة ويسعى لفرضها ليس عبر اقناعنا بالبيانات الكمية والوصفية بأنها هي الأجدى والأنفع لأمننا وسلامنا ورفاهنا الاجتماعي والاقتصادي وتقدمنا العلمي والتكنولوجي  بل لأنها “إسلامية” حسب تصوراته هو للإسلام! ليس هذا فقط بل يتهم من يختلفون معها بأنهم أعداء الإسلام ويستبعد مطلقا أن هؤلاء المختلفين معه يمكن ان يكونوا مسلمين ولكن استلهامهم لدينهم أثمر نتيجة مختلفة جذريا عن نتيجة استلهامه هو!

أمة محمد أحوج ما تكون للعلمانية المقترنة بالديمقراطية ليس فقط لكي يعيش المسلمون والمسيحيون واليهود والملحدون في سلام!

بل من أجل ان يعيش المسلمون أنفسهم في سلام.. من أجل وقف المجازر بين السنة والشيعة وبين السنة فيما بينهم، والشيعة فيما بينهم والتنظيمات الجهادية فيما بينها!

بهذا البوح الخاص وودت أن أقول لكثيرين وكثيرات بالإمكان ان يكون المسلم علماني وديمقراطي من حيث هو مسلم محب لله ورسوله ! وليس بالرغم من إسلامه!

وأرجو ان لا يخطئ أحد في فهمي ويستنتج أني أطرح فكرة أن “الإسلام الصحيح” شرطه ان يسعى المسلم لإقامة دولة علمانية ديمقراطية!!

فهذا سيكون مطابقا لمنهج “الإسلام السياسي” الذي يدعي أن شرط”الإسلام الصحيح” السعي لإقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية.

رؤيتي هي أن “الإسلام” لم يشترط إقامة دولة أصلا، واننا نحتاج مؤسسة الدولة من حيث نحن بشر لا من حيث نحن مسلمين.

الإسلام هداية روحية وأخلاقية، والله يأمر بالعدل والإحسان، ويوصي بالحق، انحيازي للدولة العلمانية الديمقراطية في هذا الزمان سببه اعتقادي الشخصي بأنها  الإطار الأكفأ لتنظيم  الاجتماع البشري ، وهذا لا يتعارض مع “الإسلام” كما أفهمه . الذين يقولون ان الإطار الأكفأ هو الدولة الإسلامية هذا تصورهم هم ويجب ان يقبلوا النقاش حول صحته وفق المعايير السياسية والاقتصادية وعلى خلفية النماذج المرجعية في الواقع التاريخي والمعاصر والاستبعاد الكلي للتكفير وحشد العواطف الدينية لترجيج كفة خيار سياسي الأمانة تقتضي ترجيح كفته عبر شرح مزاياه الموضوعية.