لؤي قور

في أواخر العام “2014” منعت “جامعة بحري”، بالعاصمة السودانية الخرطوم، طلابها من ارتداء الزي الأفريقي، ضمن جملة موجهات تتعلق بلباس الطلاب داخل الحرم الجامعي، ومن ثم حذت بعض الجامعات حذوها في المنع.

 وفي إحدى جلسات محاكمة الطالب “محمد بقاري” الشهيرة طلب من الحضور المرتدين للزي الأفريقي مغادرة قاعة المحكمة باعتبار أن الزي الأفريقي ينتقص من هيبة المحكمة الشيء الذي عد وقتها مؤشراً لعدم الإرتياح من قبل السلطات الرسمية من رمزية المقاومة الكامنة في إرتداءه، والتمرد الصامت على الأحادية الثقافية المستعربة المفروضة على البلاد، والتوجه المعادي لوجود المكون الأفريقي للهوية السودانية، من خلال الإحتفاء بالزي الأفريقي وارتدائه.

موضة متجددة:

وعلى الرغم من ارتباط الزي الأفريقي قديماً ببعض الشخصيات في الوسط الفني السوداني من شعراء ومغنين وتشكيليين، وكان السمة المميزة للباسهم، منهم الشاعر “صلاح احمد ابراهيم” والفنان الراحل “خليل اسماعيل”، فضلاً عن الشاعر ورئيس اتحاد الكتاب السودانيين السابق “عالم عباس”، والذي عرف بارتباطه “الباذخ” بالثقافة الأفريقية. على الرغم من كل ذلك لم تكن طريقة لباسهم تثير الإستهجان، أو تكون محل جدل، وأخذ ورد، لكن الأمر تغير في الآونة الأخيرة، خصوصاً بعد إنفصال جنوب السودان، وتصريح المسؤولين السودانيين بأنه وبعد إنفصال الجنوب لا مجال للحديث عن هوية سودانية سوى تلك “الإسلاموعروبية”، باعتبار أن ما يربط السودان بالهوية الأفريقية قد انقطع بعد إنفصال جنوب السودان عن شماله.

وفي الوقت الحالي انتشرت ظاهرة ارتداء الزي الأفريقي في أوساط الشباب والمثقفين والمبدعين السودانيين، وتحولت – بحسب مراقبين – لرمزية صامتة للمقاومة، والرفض لسياسات توحيد الهوية على أساس قسري، ورغماً عن أنف الواقع والحقيقة الساطعة، وبدا الشباب في قمصانهم الأفريقية الزاهية تلك أكثر انتماءاً لأنفسهم، ولسودانيتهم الكامنة في الأعماق، والتي ظلت عصية على كل القرارات الصادرة من جهات عليا، تنادي بأن يكونوا على غير ما هم عليه. شباب من مختلف الفئات العمرية، ومن شتى المشارب والمناطق، وعلى اختلاف مجالاتهم وانتماءاتهم الدينية والسياسية. ربما كانوا مبدعين في غالبيتهم، أو مجارين للموضة، أو لمجرد إعجابهم بالزي.

أيدلوجيا المعاداة:

عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني الأستاذ “كمال كرار” قال لـ”التغيير الإلكترونية”، أن العداء لكل ما هو غير عربي يمثل أيدلوجية النظام، وهو عداء يلاحظ بوضوح في مساعى فرض الهوية العربية على السودانيين، ومحاربة الهوية الأفريقية وهو انتقاص من حقوق الإنسان وهو مسلك مخالف للدستور الساري حالياً ومن المتعارف عليه أن الزي وما يرتديه الإنسان يقع في نطاق حريته الشخصية.

وأشار “كرار” إلى أن بعض القوانين المعمول بها من قبل الدولة، تقسم المواطنين إلى مواطنين من الدرجة الأولى، ومواطنين من درجات أدنى، وقال أن فصل الجنوب جاء في هذا الإطار، وأن ما يحدث الآن في جبال النوبة والنيل الأزرق يأتي في هذا الإطار أيضاً، مما يضفي على الأمر صبغة عنصرية،  كما أن هذا الزي يناسب المناخ والمزاج الأفريقي، وربما كان أرخص ثمناً من الأزياء المستوردة من آسيا وأوروبا، وهو زي “لائق” من حيث اللياقة، و”هم” يفترضون أن السودان يجب أن يكون عربياً إسلامياً، ولو ظاهرياً، وهو زي قديم الوجود في السودان، وكان الناس يظهرون به على شاشة تلفزيون السودان مثل الفنان “كمال كيلا”، وكامل فرقته الموسيقية، والتشكيلي “ابراهيم الصلحي”، وغيرهم، وحتى قانون النظام العام الحالي لم يحدد ألوان واشكال الزي الذي يخضع بالضرورة للموضة، وما يتجه نحوه الناس من اتجاهات في هذا الصدد.

ومضى “كرار” للقول أن القضية تتلخص في فشل النظام في إقناع الشعب السوداني بأيدلوجيته العروبية الأحادية طوعاً، خصوصاً فئات الشباب والطلاب، فلجأ لمثل هذه الممارسات، لكن هذه الممارسات نفسها، وردود أفعال الناس عليها هي ما يشكل وقود للثورة القادمة في السودان. وفي الماضي كانت الطالبات هن من يعانين جراء القوانين المتعسفة تجاه الزي، من قبيل منع ارتداء القمصان ذات الأكمام القصيرة، ومنع ارتداء البنطلون، لكن لم يكن هناك تضييقاً على الطلاب الذكور في ما يرتدونه من زي، وكلها محاولات “فاشلة” لتدجين الشعب السوداني واستلابه.

نزعة أفريقانية:

الشاعر والكاتب الجنوب سوداني أتيم سايمون مبيور قال لـ”التغيير الإلكترونية” أن هذه النزعة الافريقانية التي بدات تظهر في أوساط الشباب في ارتداء القمصان الافريقية “الكنغولية”  تعتبر محاولة واعية للتأكيد علي ان السودان لم يفقد هويته الافريقية بانفصال جنوب السودان كما يصوره كثيرون، كما انها تجئ في اطار موجة الرفض ومقاومة التوجه الرسمي والأيدلوجي للسلطة الحاكمة في فرض الهوية والثقافة العربية، ولاحظ سايمون  أن هذه الموجه الأفريقانية لم ترتبط بجماعات ثقافية أو إثنية محددة بل انتظمت جيلا بأكمله من الشباب النابه – على حد تعبيره- مؤكداً على أن التمسك بالزي الأفريقي من قبل هؤلاء هو بمثابة حركة ثقافية اجتماعية عريضة تعتد بالانتماء الأفريقي وترفض الايديولوجيا العروبية الرسمية المفروضة من قبل الدولة، يمكن اعتبارها شكلاً من أشكال الموضة “الاحتجاجية” إن صح التعبير

أما التشكيلي “منعم الخضر” رئيس اتحاد التشكيليين السودانيين سابقاً، فعد التدخل فيما يرتديه الناس من ثياب أمر فيه قدر من “الإجحاف”، ويصعب تنفيذه على أرض الواقع، وهو أمر يتعلق بالذوق الشخصي وبالموضة، وهو مما لا يجب إقحامه في أي شكل من أشكال الترميز السياسي أو العرقي، باعتباره يعتمد على الذائقة الجمالية، والتشكيل البصري، وما يتواضع عليه الناس بحسب ميولهم واتجاهاتهم.