عيسى إبراهيم *

 

* خرج الصادق المهدي من سجون نميري قبل يوم واحد من خروج الأستاذ محمود محمند طه، وكان ذلك يوم 18 ديسمبر 1984، وخرج محمود في معية تلاميذه يوم 19 ديسمبر 1984، وقال محمود – بوعيه التام – يوم خروجه: “نحن خرجنا لنواجه مؤامرة بتستهدف حياتنا، ونحن ما مبالين، لا يمكن لشخص يرى الشيخ الكبير يجلد، والمرأة الحامل تجلد، والطفل الصغير يقطع، ويجلس في بيتو مطمئن لي دينو “!، وأخرج منشور “هذا أو الطوفان” يوم 25 ديسمبر 1984، الذي كان موضوع محاكمته وتلاميذه، كان الصادق المهدي قد علق قائلاً بعد التنفيذ: “الجمهوريون بلعو الطعم ونحن ما بلعناهو”!..

 

التراث: مصادمة أم مصالحة

* سعى محمود محمد طه إلى مصالحة التراث، وسعى الترابي إلى مصادمة التراث، ولم يكن الصادق المهدي صاحب منهج منفرد في مواجهة التراث، وإنما – على أحسن الفروض – يمكن تتبيعه لمنهج الترابي المصادم للتراث، وما يمكن أن يستدرك من اختلاف بين الترابي والصادق، أن الصادق يرفض أحاديث بحجة أنها غير صحيحة، والترابي لا يأخذ بها رغم علمه بصحتها، كما سنرى في استعراضنا الذي يلي!، والحديث هنا عن المصادمة والمصالحة يحتاج إلى تجلية وتوضيح، وهو ما نحن بصدده الآن..

منهج المصادمة:

* رفض الترابي (يرحمه الله) الأحاديث النبوية الصحيحة “سنداً ومتناً”، بحجة أنها أحاديث “غير تشريعية”، وبحجة أننا أعلم بشؤون دنيانا، وبثالثة أنها قد يعتريها الخطأ، فتصحح من تلقاء الناس، أو لا تصحح، ” يقول الترابي: “وأما في عمل الرسول فكل رسول له من كسبه البشري، وقد تعتري المرسلين من حيث بشريتهم غواش في سياق تبليغهم للدعوة، ولكن الوحي يكتنفهم بالتصويب (يعني في الأمور التشريعية)، وقد تعتريهم غواش في شؤون الحياة الأخرى (يعني في الأمور غير التشريعية – حسب منهجه) فيرد عليهم التصويب من تلقاء الناس أو لا يرد””، (محمد وقيع الله – التجديد الرأي والرأي الآخر – الطبعة الأولى1989م – صفحة 42)، ومعنى حديث الترابي أنهم يمكن أن يقوموا بالتصويب اليوم، ونقرأ هنا لأمين حسن عمر في كتابه ” أصول فقه الحركة ” حيث يثبت أن الدكتور الترابي لم يرد حديث الذباب فحسب، وانما رده ورد غيره من الأحاديث الصحيحة مع صحتها – كما قلنا – سنداً ومتناً، يقول أمين حسن عمر: “وبسبب هذا الفهم – والفهم هو التفريق بين السنة التشريعية الملزمة، والسنة التوجيهية المحمولة على الندب لا على الإلزام .. (انظر اصول فقه الحركة – ص. 41)  فإن الدكتور الترابي قد ذاع عنه انه وفي المسائل المتعلقة بالتخصص في شؤون الدنيا مثل العلوم الزراعية، والطبية، وغيرها، فإنه يقدم رأي المتخصص على ما بلغه من حديث.. ولذلك فقد صرح بأنه يرى ألا يعمل بحديث الذبابة”، (أمين حسن عمر ـ أصول فقه الحركة ـ سلسلة رسائل الحركة الإسلامية الطالبية ـ 3 ابريل 95 – صفحة 42)..

* يقول الصادق المهدي: “…وفتنة في النساء، المرأة الآن في الغرب في تيار قوي جداً يخاطب المرأة المسلمة: “أنت دينك يهمشك دينك يؤذيك دينك يجعلك دونية .. دون” ونجد في أحاديث “أن النساء ناقصات عقل ودين”، “لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” هذه الأحاديث ليست صحيحة ومختلفة مع الواقع ومختلفة مع نص القرآن…”، “ولكن الحقيقة هذه الأحاديث تضرنا جداً…”، “…هذه تناقضات مع الواقع وتناقضات مع ما يقول القرآن…”، “…ولذلك علينا نحن أن نطهِّر هذا الخطاب الديني من هذه التلويثات التي أدت في ظروف كثيرة إلى ردة في الدين والى إلحاد….”، “…فواجب علينا أن نمسح عن ديباجة الدين هذه الأفكار المنفرة المكفرة التي أدت إلى الفتنة في الدين….”، “…نعم ما في تجربة في البشر بما فيها تجربة الأنبياء ليس بها أخطاء…”، “… الأخطاء في البشرية موجودة نحن نعترف بأي أخطاء وقعت بعد التحري عنها، لأن التجربة الإنسانية كلها بما في ذلك تجربة عهد النبوة فيها أخطاء في الأعمال التي تتعلق بالحكم …”، “…ونؤكد أن صحيح الدين لا يتناقض مع الواقع السليم ولا يتناقض مع العقل السليم…”، (خطبة الإمام الصادق المهدي – مسجد ودنوباوي – الجمعة 27 يناير 2017 – سودانايل 29 يناير 2017 – ملحوظة: ألقيت الخطبة شفاهة وقام المكتب الخاص للإمام الصادق المهدي بتفريغها من الفيديو)..

منهج المصالحة

* التشريع في الفكرة الجمهورية، لا يصادم نصوص الحديث، أو القرآن، وانما يتجاوز النصوص الفرعية، بالنصوص الأصلية، إذ أن النصوص في أصول القرآن، وفي أحاديث النبوة والولاية، دخول أكثر في التشريع، والأمثلة على ذلك فائضة، وكثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر،: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان تكليفه على الآية القرآنية: “وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله”، وقال في حق صحابته: “إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تقل أو تفعل”، قال “لأمتي” ولم يقل “لنا”، معنى ذلك أن الأمة تحاسب فقط على القول والفعل، لا على الخواطر المستقرة في السريرة، أما في الرسالة الثانية من الاسلام – وهو ما كان عليه النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) – فالمكلف محاسب على القول والفعل والمخفي المستكن في نفسه، وهذا دخول أكثر في التكليف وليس تنصلاً عنه!، وحين نزلت الآية: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكنٌ لهم”، ونزل للعمل بها صحابته، بقي هو على آية الزكاة الكبرى: “ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو”، وفسر العفو فعلاً بكل ما زاد عن حاجة لحظته الحاضرة، فحين صلى بصحابته، وقبل أن يهوي بتكبيرة الاحرام، هرول لغرفته ثم حضر، وحينما وجد الدهشة في عيون صحابته قال لهم: “تذكرت أن في بيت آل محمد درهماً فخشيت أن ألقى الله وأنا كانز”!، ومن هنا جاء تعليل بعض الأحاديث بزمان ورودها:

حديث النساء ناقصات عقل ودين، يعلل بحالة النساء زمان البعثة، فحين كانت الغلبة للقوة الجسمانية، في الكدح، والغلبة، ولم تتعلم المرأة بعدُ، وينهض عقلها بالتعليم، علل القرآن الاستشهاد بامرأتين “فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان مِنْ مَنْ ترضون من الشهداء” ذلك بقوله: “أن تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى”، فكان الضلال هو النسيان، فلما تعلمت المرأة الآن، تجاوزت العلة، وهي نقص العقل والنسيان نتيجة الجهل وعدم الدربة، أما نقص الدين فقد تركز في أن المرأة إذا حاضت لا تصلي، وجاءها التعويض عن الصلاة بالتفكر، “تفكر ساعة خيرٌ من عبادة سبعين سنة”!، فرتقت بتفكرها فتق صلاتها، ولا ينكر عاقل دور التعليم في زيادة كم وكيف التفكر!.      

الرسالة الثانية من الاسلام، هي انتقال من نص في القرآن (قرآن الفروع) خدم غرضه حتى استنفده، إلى نص في القرآن (قرآن الأصول) مدخر لحياة الناس اليوم، ففي السياسة ينتقل العمل من آية الشورى “فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله…”، إلى آية الديمقراطية: “فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر”، وفي الاقتصاد الانتقال من آية الزكاة الصغرى “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها…”، إلى آية الزكاة الكبرى “…ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو…” لتقام عليها الاشتراكية ليكون للناس حق في المال لا صدقة، ولتُكفى في الناس حاجتهم، بحيث لا يكون المال المنتج ملكاً لفرد ولا لأفراد قلائل يستغلون به عرق الآخرين (فائض القيمة)، وفي الاجتماع ينتقل العمل من الآيات التي تجعل للمرأة المسلمة ربع زوج أو النصف في الميراث أو النصف في الشهادة أو اعتبار المرأة ناقصة عقل ودين، أي الانتقال من آيات “مثنى وثلاث ورباع” إلى “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة”، ومن كل التمييزات الأخرى في الميراث والشهادة أو نقص العقل أو الدين إلى “ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف…” لهن من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات، لتكون المرأة المسلمة مساوية للرجل، ليست مساواة المسطرة، وإنما المساواة في القيمة، فهي في نفسها كإنسان، مساوية للرجل في نفسه كإنسان، وتؤخذ مساواتها بالرجل من مساواتها يوم الحساب أمام الله: “ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيئ ولو كان ذا قربى”، وينتقل الاعتبار من التفرقة بسبب الدين إلى المساواة في الدولة القومية فلن يعتبر المسيحي أو اليهودي أو المجوسي زمياً وإنما يعامل باعتباره مواطناً له من الحقوق مثل ما عليه من الواجبات. !

المهدي وراهن الانقاذ

* احتضنت الانقاذ (يا حسن أحمد الحسن) وصنعت ببقائها في دست الحكم لأكثر من ربع قرن، هوساً دينياً طاغياً، وغيرت البيئة الاجتماعية المتسامحة، إلى بيئة عدائية متزمتة، وقد تعاورت تصريحات المهدي الآنية كثير من صور التطرف، فأبوقرون – رئيس لجنة الحسبة وتزكية المجتمع – يرى في حديث الصادق “ردة”، و”مدعاة للاستتابة”، وصنف حزب الأمة بأنه علماني (الصيحة – السبت 28 يناير 2017)، حزب التحرير – قُطْر السودان – اصدر – في حق المهدي وكلامو – بيان ادانة شديد اللهجة، مجاميع الواتسابات تطفح بكثير من السباب والرفض لأحاديث المهدي، والمتوقع أن تتلقف بعض البؤر المتطرفة الأمر وتذهب به مذاهب لا تحمد عقباها، لا نعتقد أن الانقاذ تذهب في تصعيد الأمر، ولكن الاحتراس واجب، فهاهو أحد منسوبيها يخوض في الأمر بصورة سافرة، والله يكضب الشينة، ونتساءل أخيراً: هل بلع الصادق المهدي الطُعم (طُعم الزمكان) هذه المرة يا حسن؟!، يتبع..

 

   

*   eisay@hotmail.com