خالد فضل

هل انتهت المأساة الوطنية فى دارفور إلى فواصل من التراجيد كوميديا، تتعدد فصولها ولا ينتهى رعبها، منذ دخول الثوار الى مطار الفاشر فى 2003 ثم دخولهم مرة أخرى الى قلب امدرمان فى 2008 الى محاولة البشير اقتحام معسكر كلمة في الأيام الفائية فى تزامن مع مرور 4 سنوات على مجزرة شوارع الخرطوم فى سبتمبر 2013، وما بين الفصول تكمن المأساة الإنسانية الدامية وكأننا فى مسرح اللامعقول، تتفاوت تقديرات القتلى مابين أكثر من 300 الف حسبما تشير تقارير المنظمات الدولية ذات المصداقية المعقولة وبينما اعترف به البشير نفسه من أنهم لم يتجاوزوا عشرة الف قتيل، وتلك مأساة أخرى كون رئيس الجمهورية يريد التقليل من حجم ما ارتكب من جرائم بتقليل عدد الضحايا والسؤال البدهى من ولماذا وكيف قتل عشرة آلاف شخص فى دارفور؟ أوليس سكان دارفور من ضمن مواطنى السودان المشمولين برئاسته القسرية؟ ومن بين فصول المأساة الملهاة وبين ثناياها تأتيك اتفاقات السلام المعطوبة منذ أبوجا 2006 والتى تمخضت عن تنصيب منى اركو مناوى مساعدا للبشير فى منصب لا يتجاوز وظيفة مساعد الحلة فى العربات السفرية عندما كانت اللوارى تجوب أرجاء السودان الواسعة تهبط اوديته وترتقي تلاله تشق غابه وتعبر خيرانه تحمل الناس والبضائع وتستغرق رحلاتها أياما وشهورا، وبالفعل فى 1967 كانت مدينة الجنينة تضمخ أسواقها العطور الباريسية الواردة من تشاد وغرب أفريقيا فتكتمل شيلة العرس وروائح العروس فى هيا وصراصر وحتى الخرطوم والسوكى بواردات دارفور، ولم يكن الشيطان يتزيٱ بلباس الجنجويد يحرق القرى بمن فيها ومافيها، لم يكن الشيطان طائرة انتنوف تلقي البراميل المتفجرة فوق القطاطى والوديان، لم يكن الشيطان واليا أو معتمدا أو وزيرا أو رئيسا يصدر الأوامر بلغة اكسح امسح قشو ماتجيبو حى،أو من على منابر الخطابة يتباهى بمادايرين أسير أو جريح.

ومعسكر كلمة يسطر مشهدا جديدا من مشاهد الثورة فى دارفور، والدماء الطاهرة التى روت أرض المعسكر (تتشايح سحاب تنزل مطر) مطر من الحزن والفجيعة تدمى القلوب ما الذى يراد منهم القتل وقد شبعوا فيه، لو تقدم منهم شيخ مسن صوب ساحة الاحتفال الموعود المعد للمشير لسال عن أولاده وأحفاده أين مقابرهم، أهي تحت المنصة التى سيعتليها من كل خطابه العنوا الشيطان، ثم ماذا بعد لعنه؟ اتعود الحياة لتلك الجماجم التى يراد أن يكتمل فاصل الرقص فوقها؟ لو تقدمت امرأة وسالت عن زوجها وعن شرفها وعفتها ايقال لها أحمدى الله ياغرباوية؟ وتتناسل المأساة كما تناسلت الحركات، عشرات الأسماء واللافتات وخلف كل لافتة مجموعة تنظر الى الأخرى شذرا، وتنشط آلة المكر والقمع بتمزيق الناس وتشتيتهم من مطلب واحد وشعار واحد الى اصرة رحم وعشيرة وخشم بيت بعد أن صارت القبيلة وعاء جامع وبعد أن صار الوطن أضغاث أحلام، ثم جاء سلام الدوحة بمجموعة حركات تنتسب الى أشخاص فتلك عدالة السيسي وهذا تحرير ابو قردة واخرى ثورة ابى القاسم الجديدة، هذا حرب وذاك فصيل افراح، ولم تكتمل الملهاة بقفلة الخبر الصحفى على أيام المزعوم ذاك عن مشاركة أكثر من عشرين حركة مسلحة فى وثبة البشير، والنازحون فى كلمة بقلوبهم الكلمى يسدون عليه الطريق حتى لايدهس مشاعرهم بالخطاب الفارغ الذى لايشير الى الوجع ولا يتطرق الى الإنصاف والعدالة ومحاسبة المجرمين الذين تسببوا فى النهب والقتل والسلب والتشريد والنزوح واللجوء لملايين البشر فى دارفور.

لقد تقيح الجرح، والاستهداف الأمنى يطال طلاب دارفور وشبابها فى الجامعات، وتحمل الأخبار كل حين فجيعة جديدة تحل بسوح الجامعات الطرف المعتدى فيها دائما كوادر السلطة وربائبها والضحايا من أبناء دارفور حتى الطالبات فى مجمع السكن فى جامعة الخرطوم لم يسلمن من التشريد فى صبيحة العيد السعيد، أما فى الدويم فقد آثر المئات منهم ترك الجمل بما حمل وتقديم استقالاتهم الجماعية وبداية المسيرة الطويلة صوب الخرطوم لتحتجزهم السلطات عند مدخل جبل أولياء حتى لا تصل افواجهم الى حيث مقرن النيلين وأبراج عقد الصفقات الرابحة،بالمناسبة أين ذهبت 2 مليار دولار أو كما سميت بالوديعة القطرية، وقد قيل فى الحملة الإعلامية لزيارة البشير ورفيقه الفريق حمدتي الى دارفور انه سيتم افتتاح منشاءات الدعم السريع فقد سمعت أحدهم فى احدى المحطات الإذاعية يعدد منها المساجد والخلاوى فسبحان مغير الأحوال من نهب وسلب ونهب الى مركز صحى وخلوة!.

إن ماساة دارفور لن تحل بخطابات مكررة أو ادعاءات فارغة، كما أن ميزان القوة العسكرية والأمنية لن يدوم، وأسباب الثورة تعمقت تشربتها أجيال ناشئة فى أتون الماساة، طريق الحل لاينتهي بالبندقية كما ابتدأ بل بالاعتراف بهول ماحدث والتقدم صوب المحاكمات العادلة لكل من تثبت عليه الجريمة ومن ثم طلب العفو والصلح وإقامة الحقيقة والمصارحة، وبالطبع لايرجى ممن أشعل النار عمدا أن يطفئها.