د.الشفيع خضر سعيد

تأثير القبيلة في المشهد السياسي والاجتماعي في السودان، كان دائما موجودا، ولكنه اليوم، صار أكثر حدة وخطورة، بسبب السياسات والممارسات الكارثية للمجموعة الحاكمة منذ 1989، وما أفرزته من إنهاك للأحزاب والمجتمع المدني، حتى فقد المواطن الثقة فيها، فتراجع إلى رحاب القبيلة والعشيرة بحثا عن الأمن والأمان. بل هنالك ما هو أخطر من ذلك، حيث أفرزت هذه السياسات والممارسات استلابا، ليس تجاه مؤسسات الدولة فحسب، وانما تجاه الكيان السوداني ذاته، مما يجعل تصدعه وانهياره وتفتته، ممكنا. لذلك، نحن لن نمل تكرار دعوتنا بضرورة التعامل الواقعي مع المعطى القبلي في السودان، وهي دعوة لا علاقة لها بأي فهم ساذج يرى فيها إعلاء لشأن النعرة القبلية، ولكنها تستند على جملة من الحقائق، التي ربما أصبحت في عداد المسلمات والبديهيات، ومنها: 
القبيلة سبقت نشوء الدولة الحديثة، وساعدت في تأسيسها وبقائها. وهي تتشارك مع الدولة في رباعية الأرض والأمن والشعب والقيم، وتمثل ملاذا آمنا عندما تعصف الأزمات بالمجتمعات المعاصرة وتجعل الناس يفقدون الثقة في مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، كما هو حالنا اليوم في السودان. 
الدراسات الانثروبولوجية ترجع انتماء القبيلة إلى جد مشترك يميزها عن المجموعات الأخرى، ويشكل التعارض والتنافس جوهر العلاقة بين هذه المجموعات. لكن، ذات الدراسات تقول ان معظم القبائل تصنع لنفسها جدا وهميا ترسّخ به بناية الذاكرة الجماعية والرواية الشفهية. وهذا يندرج، سيكولوجيا وثقافيا، في إطار الرغبة لإثبات الذات وتحقيق المكانة الاجتماعية، حتى أن بعض دعاوى الانتساب إلى جد محدد تناقض حقائق التاريخ!
وكأي ظاهرة اجتماعية أخرى، ظلت بنية القبيلة، وعلى مر التاريخ، تخضع لمبضع القانون الطبيعي للتطور، والذي دفع بعدد من المتغيرات والتصدعات في اتجاه ميلاد المعاصرة والحداثة. وبذات المبضع، ظل الوعي، أو الشعور، القبلي يتلقى الصدمات المتتالية والمتواترة. ولأسباب وعوامل معروفة، ليس من مهام هذا المقال التطرق إليها، أفرزت تلك المتغيرات والتصدعات، تراجع البنية القبلية في الدول المتطورة، كما في أوروبا ودول الغرب الصناعي، في حين ستظل القبيلة هي العنصر الرئيسي في مجتمعات ما قبل الدولة الحديثة، كمعظم المجتمعات العربية والافريقية. وستظل إشكالية مفهوم الدولة المعاصرة ومدى تناقضها مع الثقافة الاجتماعية التقليدية في المجتمعات الريفية والبدوية، قائمة حتى تتطور هذه المجتمعات وتتواءم مع نتائج التحولات التي ستفرضها متطلبات عملية الانتقال، الحتمية، إلى الدولة الحديثة المعاصرة، وتأسيس الهوية الوطنية والانتماء الوطني بدلا عن الانتماء القبلي الأسري. صحيح أن مفهوم القبلية يتناقض ويصطدم مع مفهوم دولة الحداثة والمعاصرة، ومع مفهوم الهوية الوطنية. لكن، ليس حتميا أن تؤدي هذه التناقضات والاصطدامات إلى حروب ونزاعات دموية، وإن كان تجاهلها سيفضي حتما، وبالضرورة إلى ذلك، بل يمكن حلها في إطار المشروع القومي لإعادة بناء دولة الوطن الحداثية، التي تقف على مسافة واحدة من كل القبائل والأعراق والمجموعات القومية والأديان والتيارات الفكرية.
العمل السياسي، كما أشار ابن خلدون، ينبثق من داخل القبيلة، من الصراع على الهيمنة والتنافس على الموارد ومصادر العيش. وتداخل السياسة مع القبيلة، يدفع بتأسيس تحالفات سياسية أساسها القرابة والصلة العشائرية، وبموجبها يتم اقتسام السلطة والثروة والنفوذ.
التراث القبلي العريق للمجتمعات العربية والافريقية، ميّزها بإضفاء معان ودلالات على مفهوم القبيلة، الذي لم يغب يوما عن أرض وتاريخ هذه المجتمعات. فظلت القبيلة، غض النظر عن صغر حجمها أو كبره، مصاحبة لكل تحولات المنطقة العربية والإفريقية في السياسة و الاقتصاد والثقافة.
ارتباط القبيلة بالسياسة في السودان هو نتاج الواقع الموضوعي والقسمات الخاصة بالتطور الاقتصادي والاجتماعي في بلادنا. فالنظرة السريعة إلى الأحزاب السودانية تكشف عن ارتباط معظمها بالمكون القبلي، أو الطائفي، أو بالاثنين معا. والقبيلة حاضرة، وبقوة، وسط حركات الهامش الثائرة، وفي الحروب والنزاعات المستوطنة في البلاد تحت شعارات المشاركة العادلة في السلطة والاقتسام العادل للموارد والثروة. كما أنها حاضرة في نزاعات حيازات الأراضي وتغولات السلطة على المشاريع الزراعية وعلى أراضي السكان والقبائل في مناطق بناء السدود وحفر آبار النفط، وكذلك النزاعات المتعلقة بالاحتجاجات المطلبية، وبفشل السلطة في تقديم الخدمات، أو استخدامها لهذه الخدمات كسلاح. والقبلية حاضرة، في سياسات وتكتيكات السلطة من أجل التمكين والبقاء، ومن أجل ضرب قوى المجتمع المدني. وتعتمد أحزاب عديدة، وبعضها بشكل كامل، على القبيلة من أجل الحشد وبسط النفوذ السياسي. وحتى جهاز الدولة نفسه، لا يزال يضع سؤال القبيلة في أوراق البيانات الرسمية. وتأسيس الجيش السوداني، ثم تغذيته بالجنود، اعتمد على تجنيد أبناء القبائل المختلفة عبر ترشيحات زعماء هذه القبائل، متوخيا مراعاة التناسب والتوازن ووضعية الجيش كمؤسسة قومية، رغم أن ذلك لم يمنع إستحواز أبناء قبائل محددة، بسبب التفاوت في فرص التعليم، على أغلبية مناصب سلك الضباط. 
هذه الحقائق، قطعا لا تعني إعطاء القبلية مشروعية القبول والسيطرة. فالمفهوم يتناقض مع بناء الدولة الحديثة التي تقوم على رفض الانحياز إلا لما هو إنساني. ولكنها تعزز دعوتنا لبذل جهود، لم تبذل حتى الآن، لدراسة إمكانية إدخال المجتمع الأهلي فى السياق العام لعملية بناء الدولة الحديثة، جنبا إلى جنب مع المجتمع المدني، منطلقين من ضرورة الإقرار التام بكونه مؤثر قوى على الافراد، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأخلاق والقيم، أو بحالة التعايش في مجتمعات نامية مازال الإنسان فيها يحتاج إلى الحماية والأمان، مثلما يحتاج إلى تفعيل آليات الديمقراطية المباشرة. وفي هذا الإقرار، تكمن بداية هزيمة العصبية القبلية، من خلال عملية النفي المتحققة يوميا مع تسارع وتائر عجلة الحداثة، لكل ما هو أسطوري أو خرافي، أو يعتمد على التجهيل والغش ومناورات الصراع السياسي المختلفة، من تلاعب بعوطف الجماهير واستخدام المغالطات المدروسة وغيرها.

(نقلا عن صحيفة القدس العربي)