لؤي قور

ضمن فعاليات منتدى كتاب الشهر بقاعة الشارقة أقام معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم الخميس الماضي جلسة مناقشة لكتاب “شاهدة على مسيرة الإتحاد النسائي السوداني خلال نصف قرن من الزمان” لمؤلفته “فاطمة القدال” أدار النقاش فيها د. علي الضو، فيما تحدثت فيها الأستاذة “تيسير النوراني” والدكتورة “بلقيس بدري” وشارك الحضور بعد ذلك بعدد من المداخلات.

منصة التأسيس:

الأستاذة “تيسير النوراني” تطرقت لمرحلة تأسيس الإتحاد النسائي السوداني وتكوينه فقالت أنه وبعد الحرب العالمية الثانية شهدت المنطقة نهضة وطنية عارمة، وقيام حركات التحرر الوطني، فنشطت منظمات عالمية كثيرة مثل “الأمم المتحدة”، و”اتحادات العمال”، والشباب. وظهرت أدوات نضال جديدة ومختلفة أثارت مكونات المجتمع، فجاء الاتحاد النسائي كفكرة نبعت من الممرضات والمعلمات والنساء العاملات، وكن قد أسسن اتحادات خاصة بهن، وفي محاولة لتكوين نقابة واحدة تختص بقضايا النساء، فنشأت “رابطة النساء الثقافية”، في الفترة بين عامي “1946– 1949″، لكنها توقفت عن العمل ولم تستمر، وكان ميلاد “الإتحاد النسائي” في الحادي والثلاثين من يناير للعام “1952”، حيث انعقد الإجتماع التأسيسي، وتم تكوين اللجنة التنفيذية، وتقديم مشروع الدستور، وتكون الإتحاد من طلائع النساء اللائي اكتسبن الوعي من خلال مشاركتهن في الحياة العامة، مما أعطى الإتحاد النسائي أهمية، بحكم وجودهن فيه، وتكونت اللجنة التمهيدية للإتحاد من (“خالدة زاهر”، “نفيسة احمد ابراهيم”، “عزيزة مكي”،  “حاجة كاشف”، “فاطمة أحمد ابراهيم”، “نفيسة المليك”، “فاطمة طالب”)، وعدد من الأسماء. لكن غاب التوثيق الدقيق عن هذه المرحلة من مراحل الإتحاد والمصادر الموجودة في هذا الصدد هي بعض الكتب، ومجلة “صوت المرأة”، والمقابلات الشخصية، واعتمدت الكاتبة في أجزاء منها على الذاكرة.

نشأة الإتحاد:

وفي استعراضها لأهم ما ورد في الكتاب قالت “تيسير” أن فترة تأسيس الإتحاد شهدت صعود النهضة الوطنية والحزب الشيوعي السوداني على وجه الخصوص، مما أضفى أهمية على الاتحاد، وتزايد تأثيره نسبة لما وجده من دعم كبير من قبل المبدعين والشعراء، وبعض الصحف مثل صحيفة “الصراحة”، “الأيام”، و”صوت السودان” ووجد الإتحاد كذلك الدعم من الفنانين أمثال “أحمد المصطفى”، و”حسن عطية”، فكانوا خير داعمين لرائدات  الإتحاد على الرغم من محاولات الإدارة الاستعمارية وبعض القوى الرجعية لإثارة مشاكل تجاه خروج وعمل النساء، لكن وعي أسر الرائدات ساهم في التغلب على مثل هذه التحديات، بل وتمت مساعدتهن في استخراج الأذونات وجمع التبرعات لصالح الاتحاد، والتي كانت مواجهة بالإستهجان والقيود، كما كان للعلاقات الإجتماعية دورها في دعم عمل الإتحاد النسائي السوداني بشتى السبل في سبيل رفع مستوى المرأة، وانعاش الوعي القومي، والاشتراك في الفعاليات الخيرية، وتم فتح باب العضوية لكل من تجاوزت السادسة عشر من العمر، وآمنت بدستور ومبادئ الإتحاد، وكانت هناك لجان فرعية في الخرطوم والخرطوم بحري، وفروع في الولايات، باعتبار أن معظم عضوية اللجنة التنفيذية كانت من أمدرمان، كما تم إنشاء الفروع في المدن والأحياء في وقت لاحق، وواجهت الاتحاد النسائي عدة تحديات كان أبرزها انشقاق مجموعة “نعمات الزين”، “النهضة النسوية” بعد أربعة شهور فقط من تأسيسه، لكن نشاط الجمعية توقف بعد سنوات قليلة، وتمدد الاتحاد شمالا وجنوباً.

قضايا ساخنة:

وقالت تيسير أن أبرز القضايا التي تصدى لها الاتحاد في الفترة من “1952 – 1958” – بحسب الكتاب – كانت قضايا التعليم ومحو الأمية، وقضايا الأمومة والطفولة، وحق المرأة في العمل كمدخل للمساواة بين الجنسين، وارتبط الاتحاد بقضايا النساء، والسعى لتحسين أوضاعهن، والمطالبة بمساواتهن بزملائهن الرجال في الأجور، وبث الإتحاد برامجه التوعوية عبر الإذاعة، وطالب بتوفير القابلات المدربات في الأرياف، وإنشاء المراكز الصحية في العاصمة والأطراف، واحتفل الإتحاد بيوم الطفل العالمي لأول مرة في العام “1957”، كأحد أوجه الإهتمام بوضعية الطفل، وقدم مذكرات للمجالس المحلية تطالب بحقوق الطفل وصحة البيئة، لكن الجهات الرسمية وقتها لم تتفاعل مع هذه المذكرات. واهتم الاتحاد كذلك بمحاربة العادات والتقاليد الضارة، والتوعية بمخاطر الختان، وكافح الخرافات والدجل والشعوذة، وسعى لتوعية النساء عبر الوسائط المتعددة، كما حارب زواج الصغيرات، وعمل على تغيير الذهنية المجتمعية السائدة والقائلة بأن “الأولاد أفضل من البنات”، ووصل الإتحاد للنساء في مواقعهن الجغرافية المختلفة، وكان ينظم فعالية “اسبوع المرأة” بصورة دورية. لكن الاتحاد في فترة التأسيس تجنب الحديث عن بعض قضايا الأحوال الشخصية، كونها كانت محاطة بـ”الخطوط الحمراء” وعلى الرغم من ذلك نجح الإتحاد في تثبيت حق الاستشارة في الزواج للنساء، ونشطت عضوية الاتحاد في العمل السياسي – باعتبار الظرف التاريخي  – لتصير فاطمة أحمد ابراهيم أول نائبة برلمانية بالبلاد، لكن الاتحاد تأثر كذلك بالصراع السياسي، الشئ الذي أضعفه، وأوجد الإنقسامات في صفوفه. ومما لا شك فيه أن الإتحاد ساهم في توحيد النساء، وهو نقطة ضو في الحركة النسوية السودانية، فتحت الطريق للمرأة السودانية للمضي باتجاه الأمام.

إيجابيات وتحديات:

الدكتورة “بلقيس بدري” ذهبت إلى أن الكتاب يمكن أن يكون نوع من التوثيق عن طريق كتابة “السيرة الذاتية”، وقالت أن الكتاب بين أن عمل الإتحاد تركز وسط الطالبات وربات البيوت والنساء العاملات، لكنه لم يبين رسالة الإتحاد وسطهن، مشيرة لأهمية الأنشطة الثقافية، والندوات، والاحتفالات بيوم المرأة العالمي، والمعارض المصاحبة لها، والتي كان يقيمها الإتحاد، فضلاً عن المواظبة على إصدار مجلة “صوت المرأة”، التي كانت واحدة من الوسائل الناجحة لجهة توضيح رؤية الاتحاد النسائي، وإيجاد مساحة تعبيرية للمرأة، الشئ الذي عدته “بلقيس” أسلوب ناجح للتواصل، لافتة النظر إلى مجهودات الجمعيات الأخرى، والأحزاب السياسية التي كانت تصدر عدد من الدوريات والمطبوعات، عاصرت عمل الاتحاد في ذلك الزمن، وقالت أن تحديد العضوية بمكان السكن أقعد بعمل الإتحاد شيئاً ما، وثمنت عمل الاتحاد في مجال التعليم ومحو الأمية كونه أنشأ مدرستين إبتدائيتين ومدرسة ثانوية، لكن تمت مصادرتها، على الرغم من أن مؤسسات التعليم الأهلي الأخرى لم تُحارب بذات القدر، وتساءلت “لماذا تمت محاربة مدارس الاتحاد؟ هل نتيجة للربط في أذهان الكثيرين بين الاتحاد والحزب الشيوعي؟” وتطرقت لجهود الإتحاد في عمل الجمعيات التعاونية في الأحياء، واضعا نصب عينيه تحويلها من استهلاكية إلي انتاجية، والإهتمام بالتوعية بيوم الطفل العالمي، والتطعيم، وبأنشطة النساء في شتى المناحي ،معتبرة أن تواجد عضوية الإتحاد بين ربات البيوت كان هو صمام الأمان لبقاء الإتحاد، ودعت لإعادة إحياء نشاط الإتحاد في الأحياء وفروع الأقاليم ووسط الطالبات، وإعادة إنعاش كورال الإتحاد، وقالت:”بطبيعة الحال فإن عمل المجتمع المدني يتمدد في الحقب الديمقراطية و يتقلص إبان الديكتاتوريات وبالتالي فإن نشاط  الإتحاد تقلص خلال حقب الديكتاتوريات المختلفة بما فيها حقبة الديكتاتورية الحالية لكنه لم يختفي وهذا هو المهم”.

تساؤلات مشروعة:

وأشارت “بلقيس” إلى مشاركة الإتحاد النسائي السوداني في المؤتمرات العالمية، والتجمع النسائي العالمي، والمشاركة في اتفاقيتي “مشاكوس” و “نيفاشا”، وغيرها من المحافل، مؤكدة أن أن المنظمات التي تعمل في مجالات عمل الإتحاد حالياً ترتبط بالضرورة بأجندة الممول، بعكس الاتحاد نسبة لكونه تنظيم جماهيري عريض، يتمتع بكامل الحرية في عمله وإتخاذ قراراته، ولاحظت أن الإتحاد في فترة النشأة والتأسيس لم يستطع استقطاب عضوية كبيرة من النساء، الشئ الذي عزته الكاتبة لأسباب مادية، وعدم توفر الوقت، أو الكفاءة، والقدرات، إضافة إلى الأدوار المتعددة الموكلة للنساء، وركزت على كيفية حل هذه الاشكالات.

وعادت “بلقيس” للقول أن الكتاب يطرح تساؤلات من قبيل “هل كان الإتحاد النسائي هو كتلة نسائية بأيدلوجية محددة معاكسة لرؤى أخرى؟” و”هل هو قالب واحد؟ أم أنه كيان يتكون من اكثر من كتلة نسائية؟” و”ما هو وجه الإختلاف بينه والكيانات النسوية الأخرى؟ وقطاعات المرأة داخل الأحزاب السياسية؟”، “هل من الأسلم قيام اتحاد واحد للمرأة؟ أم عدة إتحادات؟” و”لماذا تعزف الشابات عن الإنضمام للاتحاد؟” وزادت:(الكتاب لا يوثق للايجابيات فقط، بل يطرح جملة تحديات، ولا بد من أن يؤخذ بنوع من الجدية، وأن يسعى الناس لإكمال ما نقص فيه من معلومات، ويجب العمل عليه بحثاً عن الإجابة لسؤال “ماذا يجب ان نفعل”).