كمال الجزولي

 

لا تنبع مهدِّدات (الوحدة الوطنيَّة) في السُّودان، كما في كلِّ بلد مشابه، من مجرَّد المظالم الاقتصاديَّة التي تمارسها الأقليَّة الطبقيَّة في المجتمع على غالبيَّته، بل، وبصورة لا تقلُّ أهميَّة، من النَّزعة (الاستعلائيَّة/ السُّلطويَّة/ التَّفكيكيَّة) التي تبذرها هذه الأقليَّة وسط الطبقات الشَّعبيَّة. هذه النَّزعة التي تكتسي، بالأساس، طابعاً سياسيَّاً ـ  اجتماعيَّاً ـ ثقافيَّاً، ليست، في أصلها، شعبيَّة، وإنما أضحت كذلك، تاريخيَّاً، بفعل التَّصوُّرات perceptions  التي تصدر عنها كُتل (الجَّلابة) الطبقيَّة السَّائدة بهذا الطَّريق، مثلما هي سائدة بالطَّريق الاقتصادي. ومعلوم، بلا شكٍّ، الأثر الفكري السَّالب لـ (النُّخب الطبقيَّة) على بلورة هذه التَّصوُّرات وسط مختلف الطبقات الاجتماعيَّة، بما فيها تلك التي لا تنتمي إليها. ومن ثمَّ فإن هذه النَّزعة لا تعكس ثقافة (شعبيَّة) أصيلة، بقدر ما تعبِّر عن تأثير ثقافي (نخبوي) ذي طابع طبقي يُظهر قدراً مِمَّا يُعرف في الأنثروبولوجيا بمصطلح (المركزويَّة الإثنيَّة) التي تعكس احتقـار ثقافـةٍ مـا للثَّقافـات الأخـرى (أسـامة عـبد الرَّحمـن النور؛ (موقع “ARKAMANI” على الشَّبكة).

ومع تحفُّظنا، بوجه عام، على استخدام علم الاجتماع البرجوازي لمصطلح (النُّخبة ـ elete مِمَّا قد يخدم الإعلاء من شأن (الصَّفوة) على (العامَّة)، وينسب، من ثمَّ، الفضل كله في تحريك التَّاريخ للكتلة الأولى، إلا أننا نستطيع أن نلمح بيُسر أن استخدام هذا المصطلح هنا إنَّما يقتصر على إبراز تأثير الفئات والشَّرائح المزوَّدة بمستويات عليا من المعرفة المتخصِّصة، ومسؤوليَّتها عن التَّرويج لنزعة (الاستعلاء) من موقع الانحياز إلى الطبقات الاجتماعيَّة ذات المصلحة في إزكاء وإشاعة هذا (الاستعلاء)، وإكسابه طابعاً شعبيَّاً، وإن يكن زائفاً. لذا نتفق، بوجه عام، مع القول بأن هذه النَّزعة، وإن كانت معروفة في كلِّ الثَّقافات، إلا أنها، بفعل الانحيازات والتَّوجُّهات الأصوليَّة المتطرِّفة للتَّيَّار (الرَّأسمالي الطفيلي) الحاكم، والأكثر غلوَّاً، والذي تمثَّله، حاليَّاً، (النُّخبة الإسلامويَّة) الممسكة، فعليَّاً، بزمام السُّلطة في السُّودان، اقتصاديَّاً، وسياسيَّاً، واجتماعيَّاً، وثقافيَّاً، أصبحت تتهدَّد بخطر حقيقىٍّ داهم، أكثر من أىِّ وقت مضى، وحدة البلاد، وسلامة أراضيها، مِمَّا يستوجب مجابهتها، بجرأة وبسالة، من قِبَل التَّيَّار (العقلاني/التَّوحيدي) وسط مختلف طبقات المستعربين المسلمين، لأجل نزع جميع الأقنعة، وتعرية كلِّ المسكوت عنه في التَّاريخ الاجتماعي، وفي جغرافيا البلاد الإثنيَّة، حيث أن “ما يفرِّق السُّودانيين هو ما لا يُقال”، على حدِّ تعبير فرانسيس دينق (ضمن المصدر)، الأمر الذي يلقي على عاتق الحركة الفكريَّة والثَّقافيَّة لهذا التَّيَّار بمهمَّة إزالة التَّناقض الدَّاخلي الذي ظلَّ دائماً “مبعث حيرة أهل الجَّنوب والشَّمال، أغلبهم، حول ماهيَّتهم” وفق منصور خالد (ضمن المصدر).

ويلزمنا، أيضاً، إزاء هذه التَّحدِّيات، أن نعترف، نحن المستعربين المسلمين، “بأن ثقافتنا مارست استعلاءً ثقافيَّاً على الآخرين (رغم أن) الاستعلاء الثَّقافي في أوحش صوره بضاعة غربيَّة، وقد مارسته كلُّ الثَّقافات المركزيَّة (المركزويَّة) في عالم الأمس، ولكن الإنسانيَّة أدركت مضاره وبدأ مشوار الاستقامة والعدالة” (الصَّادق المهدي؛ ورقة حول “تباين الثَّقافات”، مارس 2004م). كما وينبغي تجاوز محض هذا الاعتراف إلى “النفاذ القوى برقائق الرُّوح وسهر الثَّقافة إلى خبايا الاستضعاف المؤسَّسي، الاجتماعي التَّاريخي، لأقوام الهامش السُّوداني .. (كيلا نصبح) عبئاً على حركة المستضعفين لا إضافة لها، فبغير (ذلك) .. لا ينفذ الشَّمالي المدجَّج بامتيازاته التَّاريخيَّة إلى مشاهدة قبح نفسه في مرايا تلك الامتيازات الظالمة” حسب تعبير عبد اللـه علي ابراهيم حول نفس الموضوع (مايو 2004م).

غير أن أكثر ما يقلق في هذا الأمر هو الهشاشة الغالبة على هذا التَّيَّار (العقلاني/التَّوحيدي)، وتقاصر طاقات (نخبه) عن النُّهوض بمهامها الفكريَّة، الثَّقافيَّة، والسِّياسيَّة في منازلة التَّيَّار (السُّلطوي/الاستعلائي/التَّفكيكي)، لتبرئة ذمَّة الَّتيَّار الأوَّل مِن المسؤوليَّة التَّاريخيَّة:

أوَّلاً: عن مظالم (الهامش) التي زلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها، وولدت كلَّ هذه البغضاء للجَّماعة المستعربة المسلمة، ورموزيَّاتها الدِّينيَّة، الثَّقافيَّة، واللغويَّة، لدرجة أن تيَّاراً (استعلائيَّاً/تفكيكيَّاً) مضاداً أصبح لا يعدم التَّعبير عنه، الآن، وسط حركة (الهامش) الاحتجاجيَّة، الأمر الذي لم يشحن، فحسب، نفوس الجَّنوبيين بإحنة التَّصويت للانفصال في استفتاء يناير 2011م، وإنَّما أضحى، فوق ذلك، مصدر إغواء لمن يستسهلون رفع راية (تقرير المصير)، كلَّ حين وآن، بدفع وتشجيع من (السُّلطويين/التَّفكيكيين)، إلى حدٍّ يتهدَّد، في الوقت الرَّاهن، مشروع (الوحدة الوطنيَّة)، جدِّيَّاً، بالفناء والعدم!

وثانياً: عن مظالم الجَّماعة المستعربة المسلمة نفسها، كون تيَّارها (السُّلطوي/الاستعلائي/التَّفكيكي) لا ينفكُّ (يجاهد)، بالإظفر والنَّاب، لإنفاذ ما لا يزال يعتقد أنه (رسالتها المقدَّسة) في (تعريب وأسلمة) الآخرين، وإلا فليذهبوا، أجمعهم، إلى الجَّحيم (!) بكل ما يحمل ذلك من معاني القسر، والقهر، والجَّبر التي ينبغي أن تدمي ضمائر كلِّ مفكِّري ومثقَّفي التَّيَّار (العقلاني/التَّوحيدي)، ونخبه، بمختلف أجيالهم، وتجعلهم يطأطئون الرُّؤوس خجلاً مِمَّا كانوا يحسبونه جهداً مرموقاً بذلوه، ووقتاً ثميناً صرفوه، فـي إنتاج ونشر الوعي الدِّيموقراطي بقضايا الهويَّة، والوحدة في التَّنوُّع، والتَّنوُّع في الوحدة، وحقوق الآخرين في التَّميُّز الثَّقافي، واللغوي، وما إلى ذلك، فإذا بالنَّاتج، في نهاية المطاف، قبض الرِّيح، بل الخراب المأساوي التَّام!

لقد بدأت كثير من الأقسام التَّقليديَّة ضمن هذا التيار (العقلاني/التوحيدي) تفتح أعينها، وإن بتردُّد وتثاقل، منذ أواخر سبعينات ومطالع ثمانينات القرن المنصرم، ومع بواكير الارهاص الجِّدِّى بتدشين مشروع (الدَّولة الدِّينيَّة) الذى استكمل، لاحقاً، أهم خطواته التحويليَّة بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، وتستفيق على فداحة الخطر الذى باتت خطة الأسلمة والتَّعريب تتهدَّد به، ليس، فقط، معتقدات (الآخرين) ولغاتهم وثقافاتهم، وإنما مستقبل الاسلام نفسه في البلاد، علاوة على اللغة والثقافة العربيَّتين ذاتهما، أي وجود الجَّماعة المستعربة المسلمة بأسرها، على غرار ما وقع في زنجبار كنتيجة لردود الأفعال العنيفة. لقد أخذت هذه الأقسام تتشكَّك فى تلك الخطة القديمة كطريق يمكن أن يفضي إلى (الوحدة الوطنيَّة)، بعد أن لمست فشلها في بلورة رؤية تجتذب ولو إجماع المستعربين المسلمين أنفسهم، دَع (الآخرين) الذين أثارت لديهم من الشُّكوك في مقاصدها ما جعلها تتكشَّف، أمام أنظارهم، كمورد إضافي يتغذى عليه، في المحصلة النهائيَّة، تيار الاستعلاء (السُّلطوي/التَّفكيكي)! ومن ثمَّ بدأت، وسط هذه الأقسام، حركة انعطاف (عقلانيَّة) ملحوظة نحو تفهُّم قضايا (الآخر) المهمَّش، إنطلاقاً من اقرار جهير بأن “بلادنا بحاجة ماسَّة للَّتعامل مع تباين الهويَّات على أساس التَّعايش والتَّكامل لا الصِّراع” (الصَّادق المهدى ؛ ورقة “تباين الهويَّات ..”، مصدر سابق). غير أن (السُّلطويين/التَّفكيكيين) ما زالوا على شروطهم المتعلقة، ليس، فقط، بتهميش، أو بإدماج، أو، حتَّى، بمحو هذا (الآخر)، فحسب، بل وبإعادة ترسيم خارطة الوطن نفسه جغرافيَّاً وسكَّانيَّاً، إن دعا الحال، كى يُمسي ملائماً لمقايساتهم! وليس أدقُّ في التعبير عن تأذِّيهم براهن هذه الخارطة التى تثير المصاعب أمام حركتهم من تذمُّر قديم للمرحوم الترابي بقوله: “.. كان (قدرنا)، نحن في السُّودان، أن (نُبتلى) ببلد مركَّب معقَّد البناء يكاد يمثِّل كلَّ الشُّعوب الأفريقيَّة بلغاتها وسحناتها وأعراقها وأعرافها” (أقواس التشديد من عندنا: م/الصياد، ع/مايو، بيروت 1988/5/6م).

وكفى بذلك إفصاحاً عن المُضْمَر تجاه (الوحدة الوطنيَّة)، ليس، فقط، في المفاوضات التي جرت مع الحركة الشَّعبيَّة، حتَّى وهي موحَّدة بقيادة جون قرنق، في ضاحية نيفاشا الكينيَّة، بل وفي المفاوضات التي يبدي (السُّلطويون/التَّفكيكيون)، الآن، حماساً واستعجالاً منقطعي النَّظير لإجرائها، ضمن جولات العاصمة الإثيوبيَّة أديس أبابا، مع الجَّناح المنقسم، مؤخَّراً، من الحركة الشَّعبيَّة/شمال بقيادة عبد العزيز الحلو الدَّاعي لـ (تقرير المصير)، واستبعاد الجَّناح الرَّافض لهذا المطلب بقيادة مالك عقار وياسر عرمان!

 

***