رشا عوض

لم أجد دراسة اجتماعية مبنية على إحصائيات ومنهج بحثي ترسم صورة موضوعية لتوجهات الأجيال السودانية التي شبت في المهجر (الأمريكي، الأوروبي، الكندي، الأسترالي) ونوع علاقتها بالسودان، واستكشاف ما إذا كانت راغبة في تقديم اي خدمة للوطن الأم مستقبلا وتضع ذلك في أولويات خططها الحياتية، وقبل ذلك هل هم أساسا  يشعرون بانتماء أو أي عاطفة خاصة تجاه السودان أم لا وهل فكرة “الوطن الأم” بما تحمل من عواطف والتزامات حاضرة في أذهانهم أم هي شيء”لا مُفَكَّر فيه”؟

في اعتقادي مثل هذه الدراسات مهمة جدا في سياق معرفتنا بالسودان وجرد حسابات الارباح والخسائر من تحويله بفعل فاعل إلى طارد لئيم للملايين من أبنائه.

لاحظت أن بعض اصدقائي وصديقاتي وأقربائي المباشرين الذين هاجروا إلى أوروبا وأمريكا يشتكون بمرارة من حاجز ينمو بسرعة بينهم وبين أبنائهم الذين ولدوا أو تربوا هناك.. لا حديث باللغة العربية .. لا عاطفة تربطهم بالسودان.. وجدانهم مغترب تماما عن الوطن .. تصرفات الجدود والحبوبات واحيانا الخالات والعمات والاخوال والأعمام في نظرهم مادة خصبة وزادا للتندر والاستغراب يكفيهم للمدة الفاصلة بين الزيارتين للسودان! الأغنية السودانية في المنزل نشاز غير محتمل لأنه غير مفهوم، وغالبا ما أقول لهم:

حسنا أعزائي وعزيزاتي، ماذا كنتم تتوقعون عندما حزمتم حقائبكم وذهبتم  إلى هناك؟

تلك المهاجر من أهم أسباب استضافتها لكم رغبتها في تعديل خلل ديموغرافي لديها هو تناقص الشباب في مقابل زيادة الكهول والشيوخ، وبالتالي هي تريد أن يكون أبناؤكم وبناتكم إضافة إلى مجتمعاتها هي لا مجتمعاتكم أنتم التي هجرتموها بمحض إرادتكم أو أجبرتكم الظروف على هجرها! ابنك، بنتك في أمريكا مشروع مواطن/ة أمريكي وفي استراليا مشروع مواطن/ة استرالي وفي اوروبا مشروع مواطن/ة أوروبي وفي الغالب سوف يكتمل هذا المشروع لأن ماكينة التنميط الحضاري والثقافي هناك والتي تعمل في هدوء تام ودون أي ضوضاء أقوى مما نتصور!

وبصراحة المنطق لا يسعفكم في أن تجعلوا السودان هو قِبلة الوجدان والانتماء ومركز الهوية لهؤلاء الشباب والشابات!! سيقولون لكم لماذا جئتم هاربين إلى هنا ما دام السودان هو الأجدر بولائنا وانتمائنا؟ ما ذنبنا نحن؟ طبيعي جدا أن نتكلم ونفكر ونحلم بلغة البلد الذي زرعتمونا فيه وتتشكل أفكارنا وذائقتنا الفنية وسلوكياتنا الحياتية في حضن ثقافته ومدارسه وجامعاته ووسائل إعلامه!!! ولماذا نجهد أنفسنا أصلا في التعرف على وطن طرد آباءنا وأمهاتنا من وطأة الجوع والفقر والقهر السياسي ونعليه على الأوطان التي قدمت لنا ما افتقده آباءنا وأمهاتنا!!

إن فشلنا المتراكم في بناء وطن حر ومؤهل لاحتضان شعبه بكرامة أدى إلى انتقاص جغرافيته بانفصال الجنوب وباحتلال جزء من أراضيه شمالا وشرقا، ومن نتائج هذا الفشل كذلك النزيف البشري المتواصل!! مئات الآلاف وربما الملايين من رأسمالنا البشري ممثلا في الشباب والشابات، ونسبة معتبرة منهم  من الأذكياء والموهوبين ذوي الطاقات البناءة  ينخرطون في مجتمعات أخرى! وموضوعيا ليس من حقنا ان نستكثرهم عليها !! فهي  التي علمتهم، ونظامها الصحي والتعليمي والاجتماعي وقبل ذلك السياسي والاقتصادي هو الذي استكشف ذكاءهم وسمح لمواهبهم بالنمو والتطور ومنحهم فرصة ان يكونوا طاقة منتجة! أما السودان فليس لهم فيه سوى النزوح والتشرد أو الحياة البائسة التي تقتل فيهم كل جميل وتقبر أحلامهم وتصادر كرامتهم وحريتهم! حتى التعليم مفتاح الصعود والترقي الاجتماعي الذي تقدمه لهم تلك الأوطان البديلة مجانا هو في وطنهم الأم سلعة غالية جدا رغم أنها رديئة جدا! دعك من التعليم، فالسودان رغم أنف ملايين الرؤوس من ثروته الحيوانية عجز عن ان يقدم لأطفاله ما يكفيهم من الحليب الضروري لنموهم والحفاظ على صحتهم! ورغم أنف ملايين الأفدنة الزراعية عجز ان يقدم لهم خبزا خاليا من المسرطنات! وكميات كافية من الخضر والفواكه!

الوطن تتبدد أراضيه ويتبدد سكانه وقبل التفكير في إعادة المفارقين له من البشر  لابد أن نعيده هو، أي الوطن إلى نفسه! فكيف نعيده وطنا حرا عزيزا مضيافا رحيما يكرم شعبه؟ هذا هو مربط الفرس!

وإلى ذلك الحين نتمنى للآباء والأمهات في المهاجر كل التوفيق في تجسير حاجز الغربة بينهم وبين فلذات أكبادهم! و أن يبدعوا في استكشاف وسائل منتجة لربط أبنائهم بالسودان وفي نفس الوقت تشجيعهم على ان يكونوا مواطنين صالحين ومفيدين في أوطانهم البديلة ، وسائل ليس من بينها إرسالهم إلى تلك المراكز الإسلامية لتعليم اللغة العربية والدين الإسلامي على الطريقة الوهابية فيعودون دواعش ومتطرفين كارهين لأهلهم وللسودان وللأوطان البديلة التي آوتهم!

ولا أدري هل فكرت الجاليات السودانية المهاجرة في إنشاء مراكز ثقافية يديرها مستنيرون وديموقراطيون لتتولى هي تعليم الشباب والشابات اللغة العربية والدين الإسلامي وتربطهم بتيار العقلانية والاستنارة في ثقافة الوطن الأم؟ وهل هناك منابر ومنتديات على الأرض او على شبكة الانترنت تدار فيها حوارات بين الجيل الأول من المهاجرين والاجيال الجديدة حول مختلف القضايا؟ هل هناك مبادرات لإنشاء النادي السوداني المستوعب للسودانيين على اختلاف إثنياتهم ولغاتهم وثقافاتهم  أم ان واقع الفرقة يلازمنا أينما حللنا؟

وإذا كان كل ذلك غير موجود فلماذا أنتم غاضبون؟