نبيل اديب

“لا يمكنك ان تنتقي وتختار نوع الحرية التي تريد الدفاع عنها. يجب أن تدافع عن كل الحريات أو أن تكون ضدها كلها ” سكوت هاورد فيليبس
مازلنا مهتمون بقرار مجلس حقوق الإنسان الخاص بحالة حقوق الإنسان في السودان، ربما فقط لمعرفة مدى تمسك المجلس، وليس حكومة السودان بمبادئ حقوق الإنسان.
من المؤكد أن الحكومة لا تشاركنا إهتمامنا بما سيصدر من قرار حول ذلك من المجلس، وذلك من جهة لإطمئنانها بأن المقترح الذي أفلحت في صياغته بالإشتراك مع الولايات المتحدة سيجد الموافقة اللازمة من أغلبية الدول، رغم إعتراضات الدول الأوروبية عليه، وعلى رأسها سويسرا، بالنسبة لإعتقادها أن المقترح لا يعبر عن حالة حقوق الإنسان الحقيقية في السودان. ومن جهة أخرى فإن الحكومة لم تعد تؤرقها الإدانات من كثرة ما واجهت من إنتقادات بهذا الشأن في قرارات المنظمات الدولية والإقليمية، دون أن يؤثر ذلك على تعاملها معها. من الجهة الثالثة فإن الحكومة لا بد أن تكون مرتاحة، لأن تلك المناقشات في واقع الأمر قد أدت إلى تقارب بينها وبين الحكومة الأمريكية وصل لدرجة تقديم مقترح مشترك، وهو أمر يهمها أكثر بكثير من رأي بقية الأعضاء في سجل حقوق الإنسان الخاص بحكومة السودان، ليس فقط إعتماداً على أن النفوذ الأمريكي كفيل بإجتذاب عدد كافٍ من الأعضاء للتصويت لجانب الإقتراح، ولكن لأن الحكومة أكثر إهتماماً بعلاقتها بأمريكا، وبما سيصدر عنها بعد عدة أيام حول رفع العقوبات عن السودان من أي قرار يمكن أن يصدره المجلس .
حالة متردية وقرار بغير فعالية

هذا كله لا يجب أن يحجب عن المجلس الرؤيا عن الحالة المتردية لحقوق الإنسان في السودان وهو الأمر الذي جعل السودان لأول مرة لا يحاول الخروج عن أجندة المجلس فيقدم بنفسه إقتراحا بان يظل في البند العاشر حتى لا يتنقل إلى البند الرابع والخاص بالدول التي تعاني من تردي حقوق الإنسان بشكل يسبب إخضاعها لمراقبة المجلس. بل وأن وزير العدل نفسه رغم حديثه عن تحسن حالة حقوق الإنسان من مقر إقامته بجنيف يصرح بأن حوالي 108 قانوناً تحتاج إما لتعديلات لأحكامها أو لأعادة إصدار كامل لها ولا ندري كم قانوناً كانت تحتاج لتلك المعالجة قبل تحسن الحالة في نظر السيد الوزير
لا شك عندي في أن قرار المجلس والذي سيكون قد صدر وقت نشر هذا المقال لن يعبر عن شيء بالنسبة لحقوق الإنسان في السودان، سواء أكان بإبقاء السودان تحت البند العاشر، كما هو متوقع، أو بإعادته للبند الرابع كما يطالب المهتمون بحقوق الإنسان، لأن حال حقوق الإنسان في السودان لن يتحسن بالقرارات الخارجية، بل السبيل الوحيد لتحسينه هو بتوفر الإرادة السياسية الداخلية لدى القوى الفاعلة في الوسط السياسي السوداني، وهذا هو ما يقودنا للحديث عن الصحافة لأنها قادرة على توفير الإرادة السياسية لدى الرأي العام للتمسك بحقوق الإنسان . بغير وجود فاعل لحركة حقوقية قوية لن يتم تغيير في حالة حقوق الإنسان، وبدون سلطة رابعة قادرة على القيام بدورها لن يكون من السهل إيجاد تلك الحركة أو على الأقل تقويتها بالشكل الذي يعطيها الفاعلية المطلوبة.
الصحافة والقانون

“إذا كانت حرية الصحافة تعني أي شئ فهي تعني حرية النقد والمعارضة”
جورج أورويل
الصحافة أو بشكل أوسع وسائط الإعلام، تقوم بدور رقابي أساسي على أجهزة الدولة من جهة، وعلى المجتمع ككل من جهه أخرى، ولكنها تفعل ذلك بقدرتها الذاتية، وليست بسلطات يمنحها لها القانون، أو الدستور، وإنما فقط بما يمنحها لها القانون والدستور من قدرات تتمثل في حرية نقل الأخبار والآراء ونشرها على الرأي العام. وإذا كان هنالك ما يمكن عمله لبناء القدرات بالنسبة للحريات الديمقراطية، فإن ذلك سيتم عبر صيانة وتكريس الحريات الصحفية. حيث أنها هي التي تخلق الرأي العام المستنير الذي يتمكن من إخضاع الحكام للمحاسبة ومن تفعيل التبادل السلمي للسلطة الذي يتطلبه النقاش الحر المفتوح، وحرية نقل المعلومات وتمليكها للجمهورحتى يصبح هنالك مراقبة فعالة لأجهزة الدولة. من هذا المنطلق فإن الصحافة ووسائط الإعلام الأخرى تقوم بدور رقابي هام ينبه الرأي العام لوجود أي خلل في إدارة المرافق العامة، أو تنفيذ القانون. وهذا الدور يتطلب منح الصحافة حرية إنتقاد السلطة. إذا كان ذلك كذلك فإن إصلاح القانون لتمكين الصحافة من أداء دورها يصبح من أهم ما يجب الإلتفات إليه في هذه المرحلة، لرفع حالة حقوق الإنسان من الوهدة التي تمر بها .
الصحافة الآن تتم محاصرتها بقانون يقيد حريتها فحين ننظر للمخالفات التي تعاقب عليها المادة 26 من قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية، نجد أنها تمت صياغتها بشكل فضفاض يحتمل الكثير من التفسيرات المتناقضة، مما يجعل الصحفي غير قادر على معرفة ما إذا كان الحكم يشمل الحالة التي يكتب فيها أو ينشر خبراً حولها، بشكل يقيني أم لا. ولننظر لبعض هذه الأحكام
تنص الفقرة (د) من المادة (6) على أنه “يتوجب على الصحفي أن يلتزم بعدم الإثارة أو المبالغة في عرض الجريمة أو المخالفات المدنية” ما هو المعنى المقصود من ذلك ؟ وهل إستخدام أسلوب مشوق لجذب القارئ يعتبر إثارة ؟ وماهي الحدود التي يمكن إعتبار عرض الخبر قد وصل إلى الدرجة المبالغة ؟ أليست المبالغة هي جزء من العمل الصحفي للفت الإنتباه إلى الحالة التي يرمي الصحفي لعلاجها ، لقد سبق وذكرت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية ذلك .
تنص المادة (و) “ألا ينشر أي أمر يتعارض مع الأديان أو كريم المعتقدات أو الأعراف أو العلم مما يؤدي لإشاعة الدجل” ألا تحمل هذه المادة من التناقضات ما يجعلها قابلة للتطبيق على أي مادة صحفية تقريباً؟ فمن جهة يستحيل جمع الأديان كلها في حكم واحد، فالأديان تحمل معتقدات تعارض بعضها البعض، كما وتعارض في مجموعها كريم المعتقدات، فكيف يمكن لمن ينشر موضوع ديني خاص بدين معين دون أي إشارة لغيرة أن يفلت من إتهامه بأنه نشر ما يخالف دين آخر؟ أو كريم المعتقدات؟ ثم من الذي يحدد ما تقوله الأديان؟ أننا نسمع حتى الآن مقاطع لعلماء في دين من الأديان ينكرون إستدارة الأرض، أو دورانها حول نفسها، بل ويهزأون بهذه الفكرة، فكيف يمكن الخوض في هذا الموضوع دون الوقوع في المحظور ؟
المجلس والصحف
أهم ما يهدد حرية الصحافة هو التعرض لحقها في الصدور والوصول إلى الناس . هذا الحق كسائر الحقوق ليس حقاً مطلقاً بمعنى أنه يجوز أن يتم تقييدة لأن حريتي في تحريك يدي تقف عند أنف جاري ولكن هذه القيود ليست مطلقة أيضاً بل هي قيود مقيدة بحدود محددة سنتعرض لها فيما بعد. إلا أن إيقاف صدور الصحيفة بغض النظر عن سببه هو منع للصحيفة من أن تقوم بدورها، وهذا يتعارض مع حرية الصحافة بشكل جوهرين فحينما تمنع الصحيفة من الصدور يتوقف حق الناس في تلقي المعلومات، وفي تلقي الأراء المختلفة، وحقهم هم في التعبير عبر تلك الصحيفة

بينما يتبادل المجتمع الدولي في جنيف الآراء حول القرار الذي يهدف لإرضاء المصالح المتضاربة للدول المشاركة في النقاش، دون إغفال لإلتزام تلك الدول، الحقيقي أو المظهري، نحو حقوق الإنسان، كان الأمر لا يعدو أن يكون بالنسبة لمجلس الصحافة والمطبوعات مجرد ممارسة للعمل كالمعتاد، أو كما يقول الفرنجة business as usual. وهكذا صدر ونُفذ قرار إيقاف صحيفة التيار ليومين رغم كل ما يقال عن التحسن في حقوق الإنسان.
هل يملك المجلس إختصاصا بذلك؟

لقد فعل المجلس ذلك عقابا للصحيفة بموجب المادة 33 من قانون الصحافة والمطبوعات رغم أنه غير مختص بذلك لأن الفقرة ( ز) من المادة 8 تمنح المجلس سلطة النظر في أية مخالفة لأحكام هذا القانون، ما لم ينص عليها ضمن إختصاصات المحكمة، وهذا يعني أن المخالفات المنصوص عليها في القانون لا يجوز لمجلس الصحافة والمطبوعات أن ينظرها. وتحدد المادة 35 من نفس القانون إختصاص المحكمة بما يشمل توقيع العقوبات على كل من يخالف أحكام هذا القانون أو اللوائح الصادرة بموجبه، وهذا يعني أنه ليس لمجلس الصحافة أي سلطة لتوقيع جزاء على الأشخاص بسبب مخالفتهم لأحكام القانون، لأن سائر المخالفات المنصوص عليها في القانون تختص المحكمة بالعقاب عليها. رغم ذلك فإن أكثر أنشطة المجلس التي يسمح بها تتمثل في توقيع الجزاءات على الصحف ، صحيح أن القانون يحمل ما يدعو للإلتباس إذ لا معنى لأن ينص على جزاءات لا يملك المجلس سلطة توقيعها ولكن صحيح أيضاً أن تفسير القانون دائماً يجب أن يتم لصالح منع توقيع الجزاء خاصة في المسائل المتعلقة بالحريات العامة .
في كل الأحوال فإن عقوبة إيقاف الصحف بواسطة مجلس الصحافة والمطبوعات وحتى بواسطة القضاء هي عقوبة مخالفة للدستور .
إيقاف الصحف
نكتب عن وطن … يمنعنا ان نشتري
الجريدة
أو نسمع الأنباء …
عن وطن … كل العصافير به
ممنوعة دوما من الغناء …
عن وطن …
كتابه تعودوا أن يكتبوا
من شدة الرعب …
على الهواء !!” 
― نزار قباني
لقد منح القانون المجلس سلطة إصدار عقوبات ومن ضمنها إيقاف الصحف، وفى ذلك خرق واضح للدستور فسلطة إيقاف الصحف التى منحها القانون لمجلس الصحافة تخالف الدستور من ثلاثة أوجه :الأول أن المادة التى شملت المخالفات التى يجوز للمجلس أن يوقع الجزاء على مخالفتها كانت تحوى مخالفات غير محددة وبها غموض، بحيث لا يستطيع الشخص إلا أن يخمن المعنى المقصود منها، وهو أمر حين يتصل بمخالفة تحمل عقوبة يخالف المستوى الدستورى المطلوب. من الجهة الثانية فإن المسألة تتعلق بحرية دستورية هامة وهى حرية الصحافة، وترك توقيع جزاء فى ممارسة تتصل بممارسة الحريات العامة لجهة غير قضائية هو أمر مجمع على عدم دستوريته ،لأن الضمان الرئيسى لحماية الحقوق الدستورية يتمثل فى السلطة القضائية المستقله عن السلطة التنفيذية لأن الحقوق والحريات العامة هى حقوق وحريات فى مواجهة سلطة الدولة ،وبالتالي فإن السماح لجهة غير قضائية بتوقيع جزاء على سلوك يتصل بممارسة حرية من الحريات العامة يجعل من السلطة التنفيذية خصماً و حكماً فى نفس الوقت، مما يهدر الأساس الدستورى لصيانة تلك الحريات . من الجهة الثالثة فإن إيقاف الصحف كعقوبة دعك من إيقافها كجزاء إدارى ينطوى على مخالفة للدستور،لأنه ينطوى على حظر مسبق للنشروهى سلطة يجب أن تقتصر على المحكمة فى حدود ضيقة و حالات محددة وهى وجود خطر حال وماثل من النشر على الأمن القومي أو الدفاع الوطني، أو أن يكون النشر من شأنه إهدار مصلحة مشروعة للأفراد لا سبيل لدرئها بغير ذلك. هذا فيما يتعلق بحظر نشر موضوع بعينه، أما سلطة تعطيل الصحف كعقوبة فلا نر سبباً لمنحها لأي جهة حتى ولو كانت قضائية .
الإيقاف لا يجوز كعقوبة
كذلك فإن الإيقاف لا يجوز كعقوبة وذلك لأنه إذا كانت العقوبة هي تسبيب إيلام مقصود للجاني يقابل الجريمة و يتناسب معها فإن إيقاف الصحيفة يتعدى أثره مرتكب الجريمة إلى الكافة لأنه إهدار لحق الكافة في تلقي المعلومات والتعليقات والأخبار كما وأن العقوبة المالية التي تنجم عن الإيقاف يمكن توقيعها مباشرة دون الحاجة لإيقاف الصحيفة مما يقطع بأن الإيقاف كعقوبة لا يعدو أن يكون إهداراً لحرية الصحافة بدون سبب حتى ولو ترك فى يد القضاء فما بالك إذا وقعته جهة حكومية .
إن منح مجلس الصحافة والمطبوعات حق توقيع عقوبات أصلاً مخالف للدستور إذ أن ذلك يجعل المجلس في موقف يمكنه من التأثير على الصحفيين مع ما فى ذلك من إهدار لحرية الصحافة
مصادرة حق الصحيفة وحق الناشر في المستوى الدولي
وقف صدور الصحف بشكل عام مخالف لما جرى عليه العمل في المجتمعات الديمقراطية التي يلزم الدستور التقيد بها مما يجعلنا أن نرجع للمحكمة العليا الأمريكية.
من الدعاوى الجديرة بالوقوف عندها دعوى Near v. Minnesota، والتي تتلخص وقائعها في أن ولاية مينسوتا أصدرت قانوناً يبيح للمحكمة أن توقف صدور الصحف التي يثبت أنها إعتادت على نشر مواد ضارة أو فاضحة أو مشينة للسمعة، وأن تمنع ناشريها من القيام بذلك، ولكن يجوز للناشر أن يثبت للمحكمة أن ما قام بنشره كان صحيحاً من ناحية الواقع، وأنه نشره تم بحسن نية وبغرض مبرر، وإلا أصدرت المحكمة أمراً بوقف الصحيفة، أو منع الناشر من النشر.
قررت المحكمة العليا عدم دستورية التشريع الذي أصدرته الولاية، وقد ذكرت المحكمة أن أساس حرية الصحافة هو منع الحظر المسبق للنشر، و رغم أن هذا المبدأ يخضع لإستثناءات، إذ لابد أن يكون هنالك ما يمكن الدولة من حماية مصالحها في الدفاع، ومن ذلك مثلاً نشر معلومات عن التحركات العسكرية في زمن الحرب ،ولكن هذا ليس وارداً في هذه الدعوى، والطبيعة الإستثنائية لجواز الحظر المسبق تجعل من القاعدة العامة والتي تمنع ذلك الحظر ركناً هاماً وحيوياً،وإن لم يكن الركن الوحيد لحرية الصحافة التي كفلها الدستور، والأشخاص بما في ذلك الرسميون والذين يجدون أخلاقهم وسلوكهم موضع نقاش في الصحف، يكون العلاج المتوفر لهم هو رفع دعوى لعقاب من يقوم بإدعاءات باطلة تجاههم ،ولكن ليس في حظر نشر تلك الإدعاءات ،صحيح أن حرية الصحافة يمكن أن يساء إستخدامها بواسطة ناشرو الفضائح ،ولكن ذلك لا يمنع من التمسك بحصانة الصحافة ضد الحظر المسبق. إن العقاب اللاحق للفعل هو الشكل الأمثل للتعامل مع هذا الفعل دون خرق الدستور . ومضت المحكمة لتؤكد أنه كون القانون قد سمح للناشر أن يدحض الدعوى بأن يثبت أن النشر تم لأغراض مبررة Justifiable ends لا يجعل القانون متفقاً مع الدستور لأنه لو قبلنا ذلك لجاز للقانون أن يحدد ما هي الأغراض المبررة ويضع بذلك نظاماً ما للحظر المسبق وهو ما يتعارض مع الدستور .
وأهمية هذه السابقة ليس فقط في الربط بين رفض الرقابة المسبقة بالعقاب على الجريمة بعد إرتكابها، ولكن أيضاً في أنه لا يجوز للتشريع،دعك من السلطات التنفيذية، أن يضع نظاماً للحظر المسبق، حتى ولو وضعه في يد السلطة القضائية .
وتظل الجملة التي ذكرتها المحكمة العليا في السابقة الأكثر من هامة في هذا الخصوص ،والمعروفة بأوراق البنتاجون هى المعلم الرئيسى فى مسألة حظر النشر، وذلك حين ذكرت المحكمة “إن أي نظام للرقابة المسبقة على النشر، يأتي إلى هذه المحكمة مثقلاً بإفتراض أنه مخالف للدستور” ، وقد أكدت المحكمة فى تلك السابقة ما ذكرته سابقة Near v. Minnesota من أن الرقابة المسبقة لا يسمح بها إلا عندما يكون النشر متعلق بنقل الجنود أو تحركاتهم في أثناء الحرب.
نبيل أديب عبدالله
المحامي