خالد فضل

ورد فى الأخبار المتداولة أن الإدارة الأمريكية بصدد رفع العقوبات المفروضة على الحكومة السودانية منذ حوالي 20 سنة،وقد أوردت صحيفتنا (التغيير) خبرا عن رسالة بعث بها الرئيس الأمريكي ترامب إلى أحد أعضاء الكونغرس الأميركي فحواها التزام الحكومة السودانية بالشروط الأمريكية لرفع العقوبات، ومنها تحسين سجل حقوق الإنسان وإنهاء النزاع المسلح فى دارفور والمنطقتين والتعاون فى مجال مكافحة الإرهاب والاتجار فى البشر وتسليم مجرمى الحرب فى دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.

لا ريب أن أيا من هذه الشروط فيه قولان لجهة الالتزام الفعلى من جانب الحكومة السودانية بتنفيذه، فى الواقع يبدو أن الحكومة السودانية قد التزمت ونفذت بالفعل المطلوبات الاستخباراتية والأمنية التى تهم الإدارة الأمريكية والأمن القومى الأمريكي، فالمجالات التى أعلن عنها ترامب فى رسالته تلك مما لايحتاج إلى كثير عناء فى إثبات مراوغة الحكومة السودانية وتنصلها عمليا عن الوفاء بها،فمثلا هل يمكن أن يسلم الرئيس البشير نفسه للمحكمة الجنائية الدولية باعتباره على رأس المطلوبين لديها وهو القائل فى أكثر من محفل ( المحكمة الجنائية ومن يؤيدها تحت جزمتي دى) أو (مابنسلم ولا جلد كديسة) فما هى الالتزامات إذن التى بموجبها قرر ترامب رفع العقوبات ان لم تكن بنود سرية غير معلنة يتم الوفاء بها فى الخفاء ويتم التحقق منها فى السر وبالتالى تنال حكومة البشير شهادة (عميل ممتاز للاستخبارات الأمريكية) وعلى سبيل المكافأة العلنية للخدمات السرية يتم تذويق الجائزة بعبارات طنانة تستحلب رضا منظمات المجتمع المدنى ومؤسسات الضغط الشعبية والإعلامية ذات التأثير والنفوذ على الراي العام فى المجتمعات الديمقراطية فى الغرب.

هل توجد في الحقيقة حكومة سودانية ذات مؤسسات فعالة؟ مايبدو واضحا الآن فى السودان هو وجود الرئيس البشير وذراعه العسكرى حميدتي الذى صعد بالزانة من مجرد قائد لمليشيا قبلية شارك فى الحرب الأهلية فى دارفور الى رتبة فريق فى الجيش السوداني بعد تحويل مليشياته الى ارفع قوة عسكرية سودانية تتقزم أمامها قامة القوات المسلحة السودانية، والدليل على ذلك الوصف الاخير الذى أطلقه عليها الرئيس البشير باعتباره لها (المخزون الإستراتيجي لحكومتنا) وبالفعل فى غضون السنوات القليلة الماضية باتت عناوين الصحف فى الخرطوم تبرز إنجازات وانتصارات (الدعم السريع) فى عمليات عسكرية كانت الي وقت قريب تنسب فى عناوين الصحف الى القوات المسلحة، ثالث اضلاع القبضة على تلابيب السلطة فى السودان هو جهاز الأمن والمخابرات، وقد برع الجهاز فى قمع أى نشاط مدنى سلمى ولو كان معرض كتاب مفروش للكتب المستعملة فى ساحة ٱتني فى قلب الخرطوم،ناهيك عن الهيمنة التامة على النقابات والاتحادات المهنية واختراق الأحزاب السياسية وتمزيقها الى (كويمات صغيرة)مع بسط الهيمنة على كافة وسائط الإعلام ومحاولة لجم الوسائط الإلكترونية والفضائيات التى تبث برامجها من الخارج.

هذه هى المعطيات الراهنة على الساحة السياسية في السودان والتى يريد ترامب أن يرفع عنها العقوبات والعمل الوثيق معها من أجل تحسين سجل حقوق الإنسان وإنهاء الحرب والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية أو كما قال.

لقد أوردت السيدة تراجى مصطفى، التى تم نفخ بالون تحت ارجلها فعلت عليه ونالت حظوة إعلامية مقصودة على أيام ماسمي بمؤتمر الحوار الوطنى وماهو بحوار وطنى جاد بل خطة أمنية مكشوفة، المهم أن تلك السيدة وعبر تسجيل صوتي وبعد أن تخطاها حظ الاستوزار عادت الى كندا لتحكى عن ماوجدته من اطلال مايعرف بالحكومة السودانية وضربت لذلك مثلا بما حدث لفكرة انشاء مركز دولى لمكافحة الاتجار بالبشر فى السودان، ولعل ما أوردته من مثال على إنهيار مؤسسات الدولة السودانية يمكن تعميمه على كافة أوجه النشاط الانساني في البلاد، لم يسلم منه حتى أطفالنا فى المدارس وقصة فريق الكرة المدرسى الذى حاز على بطولة قناة جيم القطرية فى عام سابق لتاتي بطولة العام الذى يليه وإذ بالدولة البطلة ينهار فريقها ويتلقى الهزائم القاسية بصوره أثارت الاستغراب وبعد قليل من الفحص اتضح أن الفريق الذى مثل السودان هو فى الواقع اطفال وأسر لبعض المسؤولين فى الدولة، هكذا تحولت المؤسسة فى السودان الى اصرة أسرة وعشيرة وجهه وطبقة، فماهي مؤسسات الحكومة السودانية التى سترفع عنها العقوبات الأمريكية؟ اهي الأوقاف التى يتداول مسؤلوها الوقوف أمام المحاكم متهمين أو مدافعين حول ملايين الريالات السعودية بل ان احد المسؤولين الذين تم ايقافهم بوساطة الوزير جاء الى مكتبه واحتله احتلالا ولسان حاله يقول (طز فى المؤسسة) والأمثلة على قفا من يشيل من الشباب والرياضة والاستثمار الى التعليم العالى والولايات، حيث بات الولاة مثلهم مثل خاتم فى أصبع الرئيس يثبت إيلا فى الجزيرة أو ينزعه لا مجلس تشريعي ولا يحزنون،يقيل كاشا أو ينقله ولا صوت لمؤسسة أو رادع من نص دستور، هذه هى الحال التى يريد ترامب أن تتحسن فيها أوضاع حقوق الإنسان وفى إحياء الخرطوم يتم فض التجمعات الأهلية المطالبة بقطرة ماء تجرى فى المواسير بعبوات البمبان والخراطيم التى لاترحم كبيرا أو صغيرا، فى عاصمة يعترف واليها بعجزه عن حل مشكلة المواصلات وبيع ( الفجات) وتتناول الأخبار فيها نبأ محطة ميدان جاكسون الذى شيده معتمد أو والى ليجئ من يقول انه غير صالح وبه أخطاء هندسية جسيمة ولابد من نقله من مكانه أو ليست هذه من أبسط حقوق الإنسان، ناهيك عن حق التعبير والعمل والسفر فما تزال هناك قوائم مايسمى بالمحظورين.

قد ترفع العقوبات وتفك أرصدة بعض الشركات والمؤسسات الخاصة بمنتفعين كبار من الريع العام وتسهل مهمة عقد الصفقات وربما نيل توكيل بعض الشركات الأمريكية وزيادة مليارات اخري فوق المليارات التى بحوزة الذين اثروا من النشاط الطفيلي وتربحوا من إنهيار المؤسسات، أما عامة الشعب (ليهو الله وعيشة السوق)