ركن نقاش

عيسى إبراهيم *

* البعض يعتقد أن الدولة السودانية غائبة عن الأطراف، موجودة في القلب، ونقول بلا مواربة، أن الدولة المشار إليها هذه – في قلب البلاد –، هي دولة مختطفة، مستلبة، بالكامل، ومجيَّرة تماماً، سياسة واقتصاداً واجتماعاً وجيشاً وأمناً وشرطة وجهازاً ادارياً وقضاءً، لصالح مجموعة متنفذة استولت على السلطة في 30 يونيو 1989، هي الحركة الاسلاموية، وإن تشظت الآن إلى كيانات ومجموعات “تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى”، من تأثير المطامع والمصالح والخوف من عاقبة المسؤولية مستقبلاً، المجموعة الحاكمة البشير ومن حوله على دست الحكم، ويدور في فلكهم ابتعاداً واقتراباً؛ مجموعة الترابي، مجموعة غازي صلاح الدين، مجموعة أمين بناني نيو، مجموعة الطيب زين العابدين، مجموعة سائحون، مجموعة ود ابراهيم، مجموعة الخال الرئاسي، وجيوب أخرى في طور التخلق والتكوين!..

السلاح لحماية النفس والأسرة

* “عبد الرحمن” يعمل مزارعاً في قريته التي تقع بالقرب من نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، قال انه خبأ السلاح لأنه لا يثق في الحكومة ان تحميه، كما تزعم خلال الحملات الدعائية لجمع السلاح (موقف عبد الرحمن يشابه مواقف معظم سكان دارفور الذين يقتنون اسلحة ورفضوا تسليمها للسلطات)، واوضح عبد الرحمن قائلاً: “سلاحي هو الوحيد الذي أستطيع به حماية نفسي وأسرتي .. فقدت الكثير من الأهل خلال السنوات الماضية ولست مستعدا لان اخسر نفسي او اي من افراد اسرتي.. الحكومة تطلب منا ان نجمع السلاح ولكن من يحمينا؟ .. هنالك رعاة ونهَّابون يأتون إلينا، والحكومة ليس لديها جيش او شرطة تحمينا”!!، (التغيير 17 سبتمبر 2017 – جنوب دارفور)..

نظامية وليست نظامية

* الحكومة ممثلة في حسبو محمد عبدالرحمن، نائب الرئيس، ورئيس اللجنة العليا لجمع السلاح، أكد أنهم لن يتراجعوا عن قرار جمع السلاح، وخطوتهم ستبدأ بجمع السلاح من القوات النظامية بما فيهم الدعم السريع، وحرس الحدود، والدفاع الشعبي، (سماهم قوات نظامية مع أن جمع الاسلحة من أي قوات نظامية لا يحتاج لأكثر من أمر من القائد ويتم التنفيذ الفوري حسب الضبط والربط)، بمخازن القوات المسلحة، على أن تعاد هيكلة المؤسسة العسكرية، (هنا مربط الفرس)، لتتسلم بعدها مهمة جمع السلاح من القبائل (صحيفة السوداني – 16 أغسطس 2017)، وجدت حملة جمع السلاح تحفظات من احزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني معنية بحقوق الانسان والتي اعتبرت الحملة وسيلة “لتصفية حسابات واعادة هيكلة الوضع في دارفور لصالح قوى وجماعات بعينها”، (التغيير 17 سبتمبر 2017 – جنوب دارفور – مصدر سابق)..

السلام أولاً: إجماع ومشاترة واحدة

* تمثل الاجماع، باعتبار أن السلام وتوطينه وتثبيت أركانه يأتي سابقاً على عملية جمع السلاح، من مختلف الشرائح الناشطة في الفعل، والحادبة بالرأي على السلام، من أولئك مثلاً دكتور عبدالله آدم خاطر الذي كان نبه إلى أن السلام والتنمية وخلق مناخ للتعايش عوامل مهمة تخلق الطمأنينة بين مواطني دارفور كأبجديات تسبق حملة جمع السلاح، وقد عزا خاطر عملية جمع السلاح إلى اشتراط القرار الأمريكي لرفع العقوبات أن تكون دارفور آمنة (صحيفة إيلاف – 16 أغسطس 2017)، كذلك عبدالوهاب الأفندي (أحد الاسلامويين الذي ذهب مغاضباً الانقاذ بتأثير من أفعالها الـ “شينة” في رأيه) قال: لا بد أن يسبق نزعُ الخوفِ والتوجّس نزعَ السلاح”، (التغيير 19 أغسطس 2017 – عبد الوهاب الأفندي – عن نزع سلاح المليشيات في السودان – العربي الجديد)، من قوى الاجماع التي تمثل الجانب المليشيوي موسى هلال الذي يرى ان عملية جمع السلاح والدعوة الي التعايش السلمي ورتق النسيج الاجتماعي بولايات دارفور هي ما عبر عنه المجلس في كل برامجة وأهدافة، (سودانايل 16 أغسطس 2017 – البيان)، أما هارون مديخير (الناطق باسم مجلس الصحوة الذي يمثل الذراع السياسي لحرس الحدود) فقد قال: “نحن لسنا ضد تقنين وجمع السلاح، ولكننا نريد الاتفاق على آلية محددة تضم الأجهزة الحكومية المسئولة والإدارات الأهلية حتى تسير عملية جمع السلاح بصورة مرتبة ومنظمة”، وأوضح هارون: “ما يحدث الآن هو عملية أقرب للهمبتة وعن طريق أشخاص لا علاقة لهم بالأمر، وهم يمثلون جهات بعينها، ونحن لا نعتبرها محايدة، وهي جزء من الصراع في دارفور، ونحن نرفض هذا الامر”، (التغيير 14 أغسطس 2017 – جمع السلاح – رسالة حسبو الى بريد موسى هلال)، وأوضح الصادق علي حسن، من هيئة محامي دارفور، بان وجود السلاح خارج قنواته الرسمية،  تأكيد على وجود خلل في اجهزة الدولة، مشيراً الى ان   دارفور تجاوزت هذه المرحلة ووصلت الى الانفلات، فصار وجود السلاح وانتشاره سمة اساسية في ظل غياب الدور الحقيقي للجيش والشرطة، واضطلاع المليشيات المسلحة بالدور المفقود، وان هناك ضرورة لجمع السلاح من الكافة وفقاً لخطط مدروسة لأن غالبيته تم توزيعه بواسطة  النظام، وبالمقابل حصلت مجموعات اخرى على السلاح لحماية ذاتها، وهنالك كميات ضخمة  في ايدي المواطنين والمجموعات العشائرية (التغيير – 14 أغسطس 2017 – مصدر سابق)، المشاترة مثلها الموقف الرسمي الحكومي حيث ترى الحكومة – حسبو نائب الرئيس – ضرورة نزع السلاح فوراً وبلا انتظار (صحيفة إيلاف – مصدر سابق) ، هذه هي عقدة الحبل بين طرفي الاجماع والمشاترة، والتصعيد حاصل والمخاشنات سيدة الموقف، وقد وجه حسبو حكومات ولايات دارفور باعتقال نظار القبائل حال نشوب أي احتكاكات أهلية، إضافة إلى عزل أي مسؤول قبلي يفشل في عملية نزع السلاح من منسوبي قبيلته، وأكد حسبو أن الحكومة منحت القوات النظامية (لم يفرق حسبو في حديثه أي النظامية يقصد لكن مجريات الأحداث تؤكد أنها المقننة فحسب) سلطات وصلاحيات واسعة في التعامل مع اي مواطن يعترض أو يحاول مقاومة انفاذ هذه القرارات بما فيها القتل، (صحيفة إيلاف – مصدر سابق)!!..

بأفواههم

محجوب عروة: “يرى مراقبون ومتابعون لصيقون لما يجري – وأنا منهم – أنه يتعين (على ما تبقى من الحركة الاسلامية) بعد أن انشقت عدة انشقاقات لاحقة، وآثر كثيرون الابتعاد عنها، بعد أن رأوا فشلها، تنظيمياً وسياسياً في ادارة البلاد، إضافة لتدخلات خارجية مؤثرة، أن تختار بين منهجين؛ أولهما منهج الدعوة والتربية الدينية البحتة، أو منهج الحرص على الاستمرار في الحضور والتمكن السياسي. لا أتجاوز الحقيقة إن قلت، إن المنهج الثاني مضر للبلاد والحركة نفسها…” (عمود قولوا حسنا – التيار – حاضر ومستقبل الحركة الاسلامية – سبتمبر 2017)،

مبارك الكودة تساءل: “أم نحن أصحاب مشروع، عجز من أن يقدم فرص النجاح والتطبيق، للشعار التاريخي للاسلاميين (الإسلام هو الحل)، فاستحق بذلك أن يترجَّل، ويتخذ من المراجعة والتقويم للتجربة إعتذاراً للشعب السوداني، ويكون بذلك قد أضاف للتجربة السياسية السودانية عبرةً للاعتبار“، (الكودة – ملتقى نيروبي حول الدين والدولة 23 – 25 فبراير 2017 – مراجعات واعترافات حول المشروع الحضاري

المحبوب: “الاسلام السياسي استنفد اغراضه وانتهى، حركة الاخوان المسلمين المصرية، وهي ام الحركات الاسلامية، تحولت الى طائفة، والشعب المصري خرج عليها، وكنت على ذلك من الشاهدين، وقطع بان الخطاب المفهوم للناس الآن، هو الديمقراطية، كأداة لتحقيق مفاهيم الحرية والعدالة”، (صحيفة الوطن – سبتمبر 2017 – منتدى مدارسات – منزل غازي صلاح الدين بحري)،

غازي صلاح الدين (رئيس حركة الاصلاح الآن) “أمن على حديث المحبوب، ووصف حديثه بالخطير، وقال انه تحدث بجرأة قوية ومطلوبة، وأكد أن الاسلام السياسي انتهى، ودعا غازي الى ضرورةالبحث عن اجتهادات أخرى”، (صحيفة الوطن – سبتمبر 2017 – مصدر سابق)،

السفير خضر هارون “أكد أن تحولات حركة النهضة التونسية واطروحاتها الجديدة، تستحق الوقوف عندها، ودراسة آثارها على الحركات الاسلامية ومستقبلها”، (صحيفة الوطن – سبتمبر 2017 – مصدر سابق)..

إستعادة الدولة هل هو ممكن؟

* نعم هو ممكن بأكثر من وسيلة، ولكن يمكننا أن نقدم وسيلتين إحداهما ناعمة، وأخرى مكلفة، أما الناعمة فهي كالآتي:

تنوع حرية عدالة انتقالية

* تعرض المؤتمرون (ملتقى نيروبي) بمختلف توجهاتهم، إلى العلاقة مع الآخر المختلف فكريا أو سياسيا، أو دينياً، مؤكدين أن منهج الإقصاء وسلوك العزل والاستئصال أضر بالمجتمع السوداني، وهو كيان قديم متجدد، امتيازه في التنوع والتعدد والاختلاف، وعبقريته في إدارة ذلك المزيج، ولكن دولة ما بعد الاستقلال والنخب الحديثة، لم تتبع الثقافة المنفتحة المستوعبة لمجتمع السودان، وأبدلتها في بعض المراحل بالقهر والإقصاء، مما أقعد المجتمع وعطل اكتمال مشروع الدولة الوطنية،

أكد المؤتمرون التزامهم بالمواثيق الدولية لحقوق الانسان، لا سيما حرية التعبير والتفكير والضمير، وحرية التنظيم، وكافة الحريات الأخري، كما أن كسب الانسانية في مجال المجتمع المدني الذي ينهض بغالب وظائفه، والدولة التي تقف علي مسافة واحدة من جميع الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية، وترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية أمام القانون، كلها أصول ومبادئ يؤكد المؤتمرون أنها محل إجماع، وأنها الطريق الصحيح الي الدولة الوطنية،

أقر المشاركون أن العدل بوصفه قيمة إنسانية وأخلاقية، والقانون الذي يسعي للتعبير عن قيمة هذا العدل، والتفاكر حول مفهوم العدالة الانتقالية وتطبيقاتها، اهتداءً بالخبرات العالمية، وإجماع السودانيين، هي أصول ومبادئ يتبناها مجتمع السودان في إتفاق مقبل، وتثبت في المواثيق المؤسسة للدولة الوطنية، (التغيير 27 فبراير 2017 – ملتقى نيروبي – 23 – 25 فبراير 2017)..

أما المكلفة فهي:

* العمل بلا انقطاع، وبالتضامن بين متقاربي الفهوم، والحريصين على نهضة البلاد وحمايتها من التشظي والاحتراب، على هدي برنامج صالح يوضع مكان الطالح، عبر عصيان مدني تام، يجمع بين مكونات الشعب السوداني من مدنيين وعسكريين بمختلف مشاربهم واتجاهاتهم مرة ومرتين وثلاث إلى أن يأذن الله له بالتحقق على أرض الواقع مهما عظمت التضحيات!!..   

* eisay@hotmail.com