لؤي قور

تزايد الإنتاج الروائي في السودان في الآونة الأخيرة  بدرجة كبيرة، وصار لا يمر شهر حتى يسمع الناس بحفل تدشين رواية ما، أو يجدها على أرفف المكتبات “القليلة”، في الخرطوم. طُبع بعضها في دور نشر سودانية، ولاذ بعض الكتاب بالخارج حتى ترى أعمالهم النور، مُنعت بعض الروايات من النشر بموجب قانون المصنفات الأدبية والفنية، وخرجت روايات لم يكن لها وافر حظ من القيمة الإبداعية “بحسب الكثيرين”، وشجعت الجوائز الأدبية المُعلنة عن فن الرواية، شجعت الكُتاب على الإتجاه لكتابة الرواية، والتعاطي معها على حساب الأجناس الإبداعية الأخرى، من قبيل الشعر والقصة القصيرة. وفيما يرى البعض في هذه الظاهرة تطوراً إيجابياً، ذهب البعض إلى أن “استسهال الكتابة”، ربما يفرز مطبوعات ذات قيمة إبداعية متدنية على كثرتها.

ظروف غير مواتية:

التشكيلي ورسام الكاريكاتير “طلال الناير” والذي قام بتصاميم الأغلفة لعدة روايات نُشرت في الأشهر القليلة الماضية،  قال لـ” التغيير الإلكترونية ” إن الإنتاج الغزير في الرواية إيجابي بكل المقاييس، باعتبار أن السودان به قصور في الانتاج الإبداعي في شتى مجالات الإبداع، فضلاً عن التضييق على المبدعين والأجسام الثقافية والإتحادات والأفراد، وقال:”هناك فراغ كبير في العمل الثقافي، وأعتقد أنه في المرحلة الحرجة التي نمر بها فإن مجرد إنتاج عمل إبداعي هو من التحديات، على الرغم من أنني ضد “استسهال” الكتابة، لكن لا بد من النظر للظرف الذي تمر به البلاد، والظرف الذي أنتجت فيه هذه الأعمال، وهو ما يجب أن يسعد أي مهتم بالعمل الثقافي بالضرورة”.

تغلب على الصعوبات:

وقال “الناير” أن الإستمرارية هي ما يخلق الجو والمناخ الملائم لتطوير الرواية، وتمنح الثقة للمبدعين لمزيد من الإستمرار في الكتابة، مؤكداً أنه وخلال عمله على تصميم عدد من الأغلفة لروايات سودانية وغير سودانية، أتيحت له فرصة الإطلاع على هذه الأعمال أثناء وقبل نشرها، وكمصمم يبحث في ضرورة تماهى الغلاف مع النص، كما أتيحت له فرصة التعرف على بعض الروائيين عن قرب، وعلى الصعوبات التي تواجههم، مؤكداً على وجوب تشجيع الكتابة الروائية وتثمينها، ومشيراً إلى اتجاه بعض الروائيين لتسويق رواياتهم إلكترونياً، بعد أن لم يجدوا سبيلاً لنشر أعمالهم  داخل السودان، فلجأوا لوسائط التواصل الإجتماعي، وكانت لهم مجهوداتهم في هذا المجال مثل ورشة إصلاح الكتابة لـ”هشام آدم”، ومشاكل التحرير اللغوي والأخطاء الإملائية، بنية السرد، ومقاربات بين طرق كتابة الرواية، اللغة الشعرية، وغيرها.

وبين “الناير” أن هناك مجهودات كبيرة لهؤلاء الكتاب لا يعرف الناس عنها شيئاً، نتيجة أن العمل يأتي في شكل مبادرات فردية، فضلاً عن التضييق الرسمي على تجمعات المبدعين وكتاب الرواية، لذا لم يتمكنوا من تطوير عملهم بشكل جماعي يتيح لهم الإستفادة من تراكم الخبرات وزاد:”أنا أشجع غزارة الإنتاج في الرواية، ومن واقع عملي في الرسم وصناعة الأفلام، أدعم هذا التوجه، ليس في الرواية فحسب بل في مختلف ضروب الآداب والفنون”.

صعود الرواية:

أما الناقد “صلاح يوسف” فأرجع لجوء المبدعين لكتابة الرواية والقصة القصيرة كأجناس إبداعية أكثر من لجوئهم لكتابة الشعر لجملة أسباب، منها أن غموض الشعر وتحرره في الآونة الأخيرة من الوزن والقافية، أضفى عليه شائبة غموض، جعلت القارئ والمتلقي في حالة عزوف عن قراءة الشعر، ونشأ إتجاه لقراءة الرواية، ومن جانب الكتاب قال صلاح أن الجوائز الأدبية التي صارت تمنح عن القصة القصيرة والرواية والتكفل بنشر الأعمال الفائزة ساعدت بشكل كبير في تشجيع المبدعين السودانيين على تناول مثل هذه الأجناس الإبداعية بالكتابة، مشيراً إلى تزايد أعداد كتاب الرواية والقصة القصيرة من الإناث قياساً بالذكور، ولافتاً النظر إلى ظهور كتاب رواية سودانيين بالخارج أكثر من أولئك المقيمين بداخل السودان.

الناشر “نور الهدى محمد” مدير دار عزة للنشر بالخرطوم، لفت النظر إلى أنه في الماضي كان معظم القراء السودانيون مغرمون بما يكتب في السياسة والشعر، وأن الرواية كانت تأتي في المرتبة الثالثة أو الرابعة في قائمة أولوياتهم، وأرجع صعود الرواية في الوقت الحالي وبروزها للسطح إلى عدة أسباب منها ظهور الجوائز الأدبية المطروحة في الشأن الروائي كجائزة الطيب صالح لللإبداع الروائي وجائزة البوكر والجائزة القطرية وجائزة نجيب محفوظ للرواية وغيرها، وقال:”بدأ السودانيون يتجهون لكتابة الرواية، وتوفق بعضهم في هذا المجال، لكن المعيار أو المقياس لجودة العمل من عدمه هو النقد الغائب تقريباً عن الساحة، بجانب سهولة الطباعة، حينما صارت تتم على نفقة الكاتب الشخصية بغض النظر عن المضمون وغاب التقييم حتى داخل دور النشر فصار بعضها يطبع النادة مهما كانت ركاكتها الشئ الذي انعكس سلبا على الرواية، فمن بين كل عشرة روايات مطروحة ربما لا تجد أكثر من رواية واحدة ذات مستوى إبداعي جيد ومعقول”.

قوانين مقيدة للإبداع:

وعن هيئة المصنفات الفنية والأدبية والتي يقع عليها عبء إجازة الأعمال المقدمة إليها بغرض نشرها قال “نور الهدى” أنها لا تقيم الأعمال المقدمة لها من ناحية إبداعية، بل أن عمل المصنفات قد انحصر وتقلص إلى ما يشبه الرقابة الأمنية، الشئ الذي تضررت منه بعض الروايات الجميلة بعدم إجازتها لإعمال مبدأ الرقابة الأمنية عليها، فلجأ الكتاب لنشر أعمالهم في الخارج ومعظم الروايات الجميلة والموجودة في الساحة حالياً كتبت في الخارج، فمعايير النشر في السودان غير محددة والنقد هو أكبر الغائبين عن الساحة.

وقال نورالهدي :”مجرد تحولنا من شعب شفاهي لشعب يتعاطى الكتابة هو من الايجابيات، والبقاء في النهاية يكون للقيمة الأدبية والإبداعية وخير دليل على ذلك أنك تجد أن المكتوب كثير لكن الذي يعترف به الناس كعمل إبداعي هو قليل جداً قياساً بما يتساقط من الذاكرة، والشعب ذواق ويستطيع تمييز العمل العمل الإبداعي الجيد من بين آلاف الأعمال”.