كمال الجزولي

 

(1)

لا يثير الدَّهشة، بالطبع، قول أيٍّ من أركان (المعارضة) السِّياسيَّة السُّودانيَّة بأن الحياة في هجير النِّظام الاقتصادي الحالي أضحت جحيماً لا يُطاق؛ لكن يثيرهذه الدَّهشة، قطعاً، قول أحد أركان (النِّظام) نفسه بذلك!

الاحتمال الأوَّل قال به كثيرون، يميناً ويساراً، لعلَّ آخرهم الإمام الصَّادق المهدي، رئيس حزب الأمَّة القومي، في خطبته الثَّانية لصلاة عيد الأضحىالمبارك، مطلع سبتمبر المنصرم، حيث أشار إلى أن البلد قد اختطفت، حتَّى الآن، لربع قرن وزيادة، تحت شعار (المشروع الحضاري)، وضمن مفرداته،بزعم المختطِفين، (بناء اقتصاد الوطن)! ولم يغادر المهدي الحقيقة قيد أنملة حين قرَّر، في السِّياق، أن عجز الميزان الداخلي بلغ 18 مليار جنيه، والخارجيمليار دولار في المتوسط، وأن الحكومة تطبع العملة دون مقابل حقيقي، ما ينفخ في التضخم، وتشتري الدولار من السُّوق الموازي، ما يغطِّس حجر العملة الوطنيَّة أكثر من21 ضعفاً مقابل الدولار الواحد، خصوصاً حين ينضاف الفساد وإهمال الإنتاج إلى هذه الممارسات المدمِّرة، مِمَّا يفاقم من ارتفاع الأسعار، ويجعل معيشة المواطن مستحيلة، أو شبه مستحيلة في أفضل الأحوال!

ورغم أنه ليس ثمَّة (عاقل) واحد بين المختطِفين يستطيع، بعد كلِّ هذه السَّنوات العجاف، أن يقول إن هذا المآل البائس من قهر للشعب، وحرمانه من حقوقه كافة، وتدمير بنيات البلاد التَّنمويَّة، والتَّفريط في ثرواتها لغيلان رأس المال الأجنبي، والكثير غير ذلك، هو ما كانوا يهدفون لتحقيقه عبر عمليَّة (الاختطاف) المعلنة على صعيد (بناء الاقتصاد الوطني)، أو غيره، أو إن ما ذهب إليه المعارضون، كالصَّادق المهدي، من توصيف لهذا المآل ليس حقيقيَّاً، إلا أن ما يثيرالدَّهشة والحيرة معاً هو أن يصدر من بعض أركان (النِّظام) ذاته، بل ومن أركانه (النَّوعيين)، ما يتطابق مع، أو (يفوقحتَّى، تصريحات (المعارضين) أنفسهم، دَعْ أن يتواتر ذلك، مؤخَّراً، وبكثافة ملحوظة، وفق أوثق المصادر الصَّحفيَّة، الورقيَّة والإليكترونيَّة!

 

(2)

نماذج هذه التَّصريحات (الحكوميَّة/المعارِضةكثيرة، حتَّى لقد تحوَّل أمرها إلى ظاهرة، خصوصاً من جهة المشتغلين بالاقتصاد والمال في السُّلطة، كبدر الدين محمود، وزير الماليَّة السَّابق، مثلاً، والذي عـزا عجـز الموازنة، خـلال النِّصـف الأوَّل من العام الجـاري، حتَّى بلغ 6.7 مليار جنيهاً، لارتفاع معدَّل التَّضخُّم، خلال ذات الفترة، إلى 34 نقطة، مقابل 13 لنفس الفترة من العام الماضي، وجأر، في السِّياق، بالشَّكوى من عدم خضوع مطبعة العملة الحكوميَّة له، فلكأنه، بذلك، يضمُّ صوته إلى أصوات عتاة المعارضين، مستريباً في الجِّهة التي تخضع لها هذه المطبعة، حيث أن ثمَّة نقوداً تُطبع وتُسرَّب إلى السُّوق مِمَّا يُفقد الجنيه قيمته (الجَّريدة؛ 10 أغسطس 2017م)؛ وإلى ذلك، أيضاً، وزير الماليَّة الأسبق عبد الرَّحيم حمدي الذي أرجع تردِّي الأوضاع الاقتصاديَّة إلى سياسات النِّظام، وتنبَّأ، حال لم يحدث تغيير في هذه الأوضاع، بأن يبلغ سعر الدُّولار 50 جنيهاً في السُّوق الموازي، بعد أن قفز سعره، لأول مرة وبلغ 22جنيهاً (المصدر)؛ وغير هذين الوزيرين كثيرون.

 

(3)

سوى أن كلَّ هؤلاء كومٌ، والعميد بحري (م) صلاح الدِّين محمَّد احمد كرَّار كومٌ آخر! فالرَّجل يكاد يكون النَّموذج الأكثر إثارة للدَّهشة بمثل هذه التَّصريحاتغير المعتادة. فهو، أوَّلاً، أحد أكبر مدبري ومنفِّذي إنقلاب 30 يونيو 1989م العسكري الذي حمل حزب الإسلامويين، (المؤتمر الوطني) لاحقاً، إلى سدَّةالحكم، وقد أصبح، ثانياً، عضواً في مجلس قيادة الثَّورة الذي كان بمثابة مجلس السَّيادة، بعد نجاح الإنقلاب، وإلغاء الدُّستور، وحلِّ جميع الهيئات التَّشريعيَّةوالتَّنفيذيَّة في الدَّولة، كما أضحى، ثالثاً، رئيساً للجنة هذا المجلس الاقتصاديَّة، ثم تقلب، رابعاً، بعد حلِّ هذا المجلس، بين العديد من المناصب الوزاريَّةوالحزبيَّة، حيث تولى وزارات الطاقة والتَّعدين، والنَّقل والمواصلات، ومجلس الوزراء، مثلما أصبح سفيراً للسُّودان بالبحرين، وعضواً بالقطاع الاقتصاديللحزب الحاكم، وعضواً بمجلس الولايات،  قبل أن يغادر (المؤتمر الوطني)، مؤخَّراً جدَّاً، لينضمَّ إلى (تيار الإصلاح الإسلاموي) المنشق عنه، بزعامة د. غازي العتباني، القيادي السَّابق في هذا الحزب.

وقد يجدر أن نذكِّر بأن القطاعات الشَّعبيَّة تداولت لقب (صلاح دولار)، في الإشارة إلى العميد، حيث راجت، في تفسير هذا اللقب، شائعات شتَّى، منذ اليوم الأوَّل للنِّظام الذي تأسَّس في عقابيل الانقلاب، ونفَّذ، في بعض بداياته، إعدام المواطنَيْن مجدي محجوب والطيَّار جرجس، بتهمة حيازة عملات أجنبيَّة

 

(4)

الشَّاهد أن شخصاً بهذا الحجم التَّاريخي دخل، قبل نحوٍ من أربع سنوات، وبعد قرابة الخمس عشرة سنة من الانقلاب، في ملاسنة حادَّة مع زميله د. ربيععبد العاطي، أحد أبرز القيادات بالقطاع السِّياسي لحزب (المؤتمر الوطني) الحاكم، تبادلا، من خلالها، اتهامات غليظة، حيث شن العميد هجوماً كاسحاً علىد. ربيع، متَّهماً إيَّاه باستغلال صفته القياديَّة في الحزب الحاكم، عام1994م، للاستيلاء، دون وجه حقٍّ، على معاصر زيوت مملوكة لبعض المواطنين! وبالمقابل شنَّ د. ربيع هجوماً كاسحاً على العميد، مذكِّراً بأنه أدخل البلاد في أزمة عندما كان رئيساً للجنة الاقتصاديَّة، حتَّى لقِّب بـ (صلاح دولار)، ومتَّهماً إيَّاه بأنه تحوَّل إلى حاقد على غيره من القيادات “لأسباب ذاتيَّة!” (آخر لحظة؛ 1 نوفمبر 2013م).

وقد عاد العميد، مؤخَّراً، ليقول، خلال أحد أحدث حواراته الصحفيَّة: “إن لم يتم إصلاح اقتصادي جذري  فالحكومة ستسقط في هذا العام”؛ معبِّراً عن خيبة أمله في الحكومة الحاليَّة التي تكوَّنت وفق ما يعرف بمخرجات (الحوار الوطني) الذي دعا إليه، ورعاه، النِّظام نفسه، بأنَّها “ليست الحكومة التي تستطيع أن تنقل السُّودان النَّقلة التي كان يؤمَّل فيها .. أنا لست متفائلاً بأنها، في ما تبقى من سنتين ونصف، ستخرج  السُّودان مِمَّا هو فيه. كان ينبغي أن تشكَّل حكومة فنيِّين .. (بمعيار) الكفاءة، لا الانتماء السِّياسي. الآن هذه حكومة محاصصات قَبَليَّة وجهويَّة .. ولا أرى فرقاً كبيراً بينها وبين حكومة ما قبل الحوار” (المجهر؛ 22 يوليو 2017م). ولكأن الرَّجل على اتفاق مسبق، حول هذه المسألة، مع تاج الدِّين بانقا، عضو مجلس الولايات عن حزب (المؤتمر الشَّعبي)، شريك التَّحالف الحاكم، فإن بانقا ما لبث أن صرَّح بأن (حكومة الوفاق)، منذ تشكيلها قبل نحو من ستَّة أشـهر، لم يـرَ النَّاس منهـا شيئاً (قناة س 24؛ 4 أكتوبر 2017م). الشَّاهد أن كرَّار وصف الحزب، الذي أسهم هو ذاته في تمليكه زمام السُّلطة، بأنه “ضعيف جدَّاً، ولا دور له، ولا تأثير، في السَّاحة السِّياسيَّة”؛ وقرن بين كوادره والقوى الاجتماعيَّة الدَّاعمة له، وبين الفساد المستشري، قائلاً إنه “يدلُّ على أن هؤلاء .. يعملون لتحقيق تطلعاتهم الشَّخصيَّة”؛ وضرب أمثلة لهذا الفساد ببعض القضايا الشَّهيرة ذات الصِّلة بنهب مؤسَّسات القطاع العام، والتي لم يتحرك أحد ليفعل شيئاً إزاءها، كقضيَّة مدير الأراضي السَّابق، وقضية الأراضي في مكتب والي الخرطوم السَّابق، وقضيَّة بيع (خط هيثرو)، وضياع شركة (سودانير)، وشركة (سودان شيبينغ لاين)، والكثير غيرها، لكن مع ذلك “ليس ثمَّة تحقيق ولا محاسبة .. (حتَّى) أصبح الفساد مؤسَّسة كاملة كالسَّرطان”؛ ثمَّ أردف قائلاً: “أنا كتبت ورقة، عام 2016م، قلت فيها إنه إذا لم يتم إصلاح اقتصادي جذري فإن حكومة الإنقاذ ستسقط في 2017م، وما زلت على قناعة بذلك” (المجهر؛ 22 يوليو 2017م). وفي شرحه التَّفصيلي وجَّه العميد نقداً مريراً لما يُعرف بـ (البرنامج الخماسي)، قائلاً إنه “مرَّت عليه الآن 3 سنوات دون أن يحقِّق شيئاً”، فلا بُـدَّ، أوَّلاً، أن يتمَّ تقليل 25% على الأقل من الإنفاق على الأمن والشُّرطة والجَّيش؛ وإلى ذلك تخفيض عدد السَّفارات؛ ومعالجة ما تعاني الخزينة العامَّة من مشكلة النقد الأجنبي، حيث تبلغ الفجوة بين صادراتنا ووارداتنا 2 مليار دولار يتحكَّم فيها السُّوق (الأسود)؛ أمَّا بالنِّسبة لمشكلة غلاء الأسعار فقد قال إن الحكومة غير صادقة مع الشَّعب، إذ تتظاهر برفع الدَّعم، في حين أنه لا يوجد دعم، أصلاً، “فالزيادات مجرَّد ضريبة إضافيَّة” (المصدر).

أمَّا أعنف تصريحات العميد، طرَّاً، فقد أدلى بها، مؤخَّراً جداً، ليؤكِّد من خلالها، للغرابة، على صحَّة شعار مسئ لقيادات النِّظام كانت حشود من الجَّماهير قد هتفت به عند تشييع الراحلة فاطمة أحمد ابراهيم في 16 أغسطس الماضي، حيث كتب فى إحدى مجموعات (الواتساب) المسماة (الطريق الثَّالث) يقول: “بالرغم من إيلام الشِّعار الذي رفعه الشَّعب، وليس الشِّيوعيُّون، يوم تشييع المرحومة فاطمة، إلا أن صاحب الضَّمير والعقل لا يسعه إلا أن يقول نعم (بمعنى صحَّة الشِّعار)، وأنا قطعاً منهم لأنني واحد من الذين هيَّأوا لهم المسرح، وأوصلوهم إلي خزائن المال العام”؛ واستطرد قائلاً: “إن الله سائلنا عن كلِّ مريض لا يجد العلاج، وكلِّ طفل اضطرَّته الظروف التي صنعناها في 28 عاماً من الحكم الفاسد ليعمل وهو لم يبلغ سن المدرسة بعد، وكلِّ مـن يقتات مـن براميـل الزِّبالـة، ونحـن نأكل من أفخـم المطاعـم، ونركـب الفارهـات، بينمـا موائد الحفلات الرَّسميَّة والرِّئاسيَّة تكـبُّ بقاياهـا فـي براميـل الزِّبالـة ليأكلهـا هـؤلاء المسـاكين .. إن الله لسائلنا عن كلِّ أب انحرفت ابنته، أو زوجته، وهو يعلم، لكنه عاجز عن سؤالها، لأنه لم يوفِّر لها ضروريَّات الحياة .. فلتسـقط حكومـة لا تعـرف ترتيب الأسـبقيَّات، تغـور فـي ستين داهـية حكومـة تحمـي الفسـاد والفاسـدين، وليخسف الله الأرض بما يُسـمَّى بالحركـة الإسـلاميَّة التي أصبحت لا تعـرف إلا الشِّعارات الجَّوفاء مثل (الهجرة إلى الله) والله برئ من هجرتهم، وأدخلت فقـه السُّترة لحماية الفاسدين واللصوص، حتى أصبح الفساد هو الأصل، والخوف من الله دروشة وسذاجة .. أقول لأخي الرَّئيس آن لنا أن نترجَّل، ونعطي القوس لغيرنا، لعلهم يكونون أحسن منَّا في إصابة الهدف“(حريَّات؛ 24 أغسطس 2017م).

 

(5)

لن يعجز السِّياسيُّون المحترفون، مِمَّن يجيدون اللعب بالبيضة والحجر، عن إطلاق أكثر من مبرِّر، وهم يغمزون من طرف، لقبول تصريحات العميد، بل والتَّرويج لها إيجابيَّاً، معتبرين هذا القبول والتَّرويج من لوازم إتقان (فنِّ) السِّياسة! لكن الأمر يظلُّ بخلاف ذلك في شرعة النَّاس العاديِّين؛ فلو ان تلك التَّصريحات كانت قد جاءت بعد أشهر قلائل، أو حتَّى بعد سنة، من انقلاب 1989م، لكانت مهضومة شيئاً، باعتبارها (صحوة ضمير)، مثلاً، أو أيَّ شئ من هذا القبيل! أمَّا أن تصدر عن الرَّجل بعد زهاء ربع قرن من مشاركته في سحق الديموقراطيَّة الثَّالثة بالقوَّة المادِّيَّة المسلحة، ووضع مستقبل أجيال بأسرها في كفِّ عفريت، ليقف متحدَّثاً، الآن، ببساطة، كمن يدلي برأي في ساحة نقاش عام، مقترحاً علاج الخراب الذي ساهم، بنفسه، في توريثه للبلاد والعباد، بمجرَّد “أن نترجَّل، ونعطي القوس لغيرنا، لعلهم يكونون أحسن منَّا في إصابة الهدف”، فهذا ما يتعسَّر بلعه، دَعْ هضمه

 نقلا عن الحوار المتمدن