خالد فضل

منذ مطلع أغسطس الماضى ظلت المدارس الأساسية والثانوية التى تتبع للكنائس السودانية بمختلف طوائفها تعمل لمدة أربعة أيام فقط فى الاسبوع، بعد أن تم اخطارها بضرورة الإلتزام بعطلة يوم السبت الرسمية بمعنى آخر أن هذه المدارس فقدت شهريا مابين 4 _5 ايام من ايام العمل وباعتبار شهور العام الدراسى من المتوقع أن تنهيه بخسارة شهر إلى 40 يوم، وبحساب بسيط يعنى فقدانها لحوالي 210 _280 حصة.

فى تقديرى هذا القرار معيب من عدة أوجه، فهو قرار لم تتبنى اى جهة رسمية مسؤوليتها عن صدوره من مكاتب التعليم بالمحليات الى وزارة التربية والتعليم بالولاية، ثانيا هذا القرار ولائي يخص ولاية الخرطوم فقط فالمدارس التى تتبع لأى كنيسة من هذه الكنائس فى الولايات الأخرى تعمل كالمعتاد فى أيام السبت مما يجعل عدم التناسق فى الأيام الدراسية هو السمة الواضحة بين مدارس نفس الكنيسة،وهو معيب كذلك لأنه يخل بأهم شروط المنافسة الشريفة بالنسبة لتلاميذ شهادتى الأساس والثانوي الموحدتين على المستوى الولائي والقومي على التوالي وهو شرط تساوى الأيام الدراسية لجميع التلاميذ الجالسين لهذين الامتحانين،ووجه آخر للعيب فيه هو توقيت صدوره بعد بدء العام الدراسي بنحو خمسة أسابيع إذ رتبت هذه المدارس أوضاعها وجداولها الدراسية وتقويمها وانشطتها المصاحبة باعتبار ايام العمل خمسة أيام بمافيها يوم السبت لأن هذه المدارس ظلت ومنذ تأسيسها قبل عقود من الزمان تأخذ العطلة الأسبوعية فى يومي الجمعة والأحد باعتبارهما يومين لأداء الطقوس الدينية للمسلمين والمسيحيين وهذا يدخلنا مباشرة فى العيب الأكبر لهذا القرار الذى يبدو من حيثياته وكان المقصود به هو إلغاء حق المسيحيين من منسوبى هذه المدارس فى أداء طقوسهم فى يوم الأحد بإلغاء عطلته نهائيا،وهو أمر غير مستبعد بل جرت بروفه لذلك بحسب مانقل لى من معلومات (لم استوثق من صحتها) بأن خطابات بهذا المعنى قد ارسلت لبعض تلك المدارس بامدرمان،وجه آخر للعيب لهذا الاجراء التعسفي يكمن فى انه قد اعتمد التعميم بمنع المدارس الخاصة من العمل يوم السبت، بينما لم يشمل هذا المنع حتى المدارس الحكومية النموذجية، بل حتى المدارس الخاصة لم يتوقف معظمها عن العمل يوم السبت علما بأنه يعتبر يوماً إضافيا فوق أيام العمل الرسميه الخمسة فلم يتم استثناء مدارس الكنائس التى يعتبر يوم السبت من ضمن أيام العمل الرسمية فيها، وهنا فرق بائن بين مطالب اتحاد أصحاب المدارس الخاصة بإلغاء هذا القرار والسماح لها بكسب اليوم الإضافى وبين مطالب مدارس الكنائس التى تدعو فقط لحقها فى نيل أيام عمل متساوية.

لايخفى على احد تأثير هذا القرار على بضعة آلاف من تلاميذ وتلميذات هذه المدارس من حيث الإرهاق البدني والنفسي الذى يتعرضون له وكذلك العاملين والمعلمين جراء اضطرار إدارات هذه المدارس لزيادة ساعات العمل فى الأيام الأربعة المتبقية فى الاسبوع وهو تأثير تحس به اسر هؤلاء التلاميذ ويعبرون عنه فى نقاشاتهم ومحاولاتهم المستمرة لإلغاء هذا القرار الجائر.

إن هذه المدارس وعلى رأسها مدارس كمبوني التى تتبع للكنيسة الكاثوليكية ظلت تقدم خدماتها التربوية والتعليمية منذ حوالى 90 سنة، اي قبل ميلاد دولة السودان المستقلة، بل فى الواقع تم بذر بذرتها القديس دانيال كمبوني قبل 150 سنه من الآن، فهل تستحق هذه المدارس أوسمة الخدمة الطويله الممتازة ام تستحق مايجري من دسائس ومؤامرات تجرى فصولها منذ هيمنة جماعة الإسلام السياسي على السلطة والحكم فى السودان،فقد تم الزام هذه المدارس منذ منتصف التسعينات بالتخلي عن تميزها وخصوصيتها بفرض مفردات المقرر الاسلامى عليها، فلم تعص ذلك الامر بل حاولت المواءمة بين الجبروت السلطوى واحتفاظها ببعض خصوصيتها وأبرز خصائصها كونها تشكل مجتمعا متعددا من الأعراق والأديان واللغات وتوفر لهم جميعا البيئة المناسبة لخلق التعايش الحقيقى بين المختلفين فى جو من الاحترام بحق الآخر أن يكون آخرا، ولعل هذا هو مصدر للقلق الحقيقى للفكر السلفى المسيطر على مفاصل السلطة ومفاتيح الثروة، إذ لم تكتف تلك الجماعات بفرض مقرر تقول بعض مفرداته لأطفال الصف الأول أساس فى شرح معانى مفردات سورة الفاتحة أن الضالين هم النصارى والمغضوب عليهم هم اليهود في حين أن طبيعة هذه المدارس تضم أعدادا مقدرة من المعلمين والتلاميذ النصارى مثلا وربما لاتعدم وجود يهود بينهم.

هذا باب من أبواب العنت الذى يواجه أصحاب المعتقدات الأخرى تحت ظل سلطة ذات طبيعة استبدادية وممارسة ميكافيلية تحت رايات اسلامية،كذلك يبدو أن المواقع المميزه والمعمار الفنى البديع لمدارس كمبوني فى قلب الخرطوم مما يسيل له لعاب أصحاب شهوة السلطة والمال المهيمنين فيمكن أن تقرأ هذه الإجراءات القمعية ضدها كتمهيد لتصفيتها نهائيا، وبالطبع لايعدم الجشعون والمتشددون والمستبدون الذرائع وهنا مكمن الخطر الذى يجب التنبؤ له من وراء مثل هذه القرارات التى تفتقر إلى أدنى مقومات الصحة والاستقامة.