دشن حزب”المؤتمر السوداني” صحيفة”اخبار الوطن” التي تصدرها أمانة الإعلام بالحزب في احتفالية محضورة بقاعة الشارقة في الخرطوم مساء أمس.

وقد صدرت النسخة الورقية الأولى من الصحيفة الأسبوعية  صباح الأحد الثامن من أكتوبر.

فيما يلي نص كلمة رئيس حزب “المؤتمر السوداني” في حفل التدشين:

 

لكم السلام والمحبة، ولكم الشكر على هذا الحضور الزاهي .. واسمحوا لي بتحيةٍ خاصة أبعثها عبر جدران السجن السميكة لعضوي مؤتمر الطلاب المستقلين والمؤتمر السوداني عاصم عمر ونبيل النويري وكل سجناء الرأي والضمير.

في البدء كان الكلمة وستظل حتى ما بعد الخاتمة، لأنها البصمة الباقية التي تمهر التاريخ .. والكلمة هي الامتياز الآدمي الذي خُصَّ به البشر دون سواهم، وهي الوسيط الناقل لما تحمله عقولهم من أفكار وما يعتلج في قلوبهم من مشاعر، ولذلك قال شاعر العربية الحكيم زهير بن أبي سُلْمى: “لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه .. فلم يبقَ إلَّا صورة  اللحمٍ والدَّمٍ”، وعلي ذات الطريق قال شاعر الإنجليزية الشهير جون ميلتون: “من يقتل الكلمة يقتل الإنسان”.

رغم سطوة نابليون بونابرت الإمبراطورية ومع ما عُرِف عنه من غرور إلّا أنه – عندما جادله الكاتب سانت بيف – لم يجد بُدَّاً من الاعتراف بأن “الكلمة هي نصف التاريخ إذا كان السيف نصفه الآخر”، وعندما اقترب الجيش الألماني من موسكو لم يجد جوزيف ستالين ما يستنهض به الروس لصدِّ الغزاة غير عبارته الشهيرة: “دافعوا عن قبر ديستويفسكي فإن الأعداء على مرمى رصاصةٍ منه”، وحين ألقت سلطات الأمن الفرنسية القبض على سارتر لأنه قاد مظاهرة لإدانة احتلال الجزائر، اتصل الرئيس ديغول بوزير داخليته قائلاً: ” ويحك .. من يستطيع أن يسجنه؟”، أما ونستون تشرتشل فقد كان في قمة مجده السياسي يردد مَزْهُوَّاً: “أنا من بلد الكاتب وليام شكسبير”، وقبل هؤلاء قال الخليفة العبَّاسي هارون الرشيد: “الكُتَّابُ ملوكٌ على الناس” .. ومع ذلك يصحُّ القول بأنَّ العلاقة بين شرف الكلمة والسلطة هي علاقة إشكالية منذ فجر التاريخ الإنساني وجدليته البكر بين الحرية والاستبداد، حيث ظلت السلطة – بأشكالها المختلفة – عبر التاريخ تضيق بالكلمة الحرة المتمردة عليها وتحاول إقصاءها أو تدجينها، بالترهيب أو الترغيب، أو مواجهتها بكلمة مأجورة مدعومة بإمكانيات السلطة في سياق استراتيجية مُضلِّلة تهدف إلى إشاعة الظلام وإثارة الضجيج كي لا يرى الناس ما يحدث أمامهم ولا يسمعون عنه، لأنَّ الأبقار كلَّها تصبح سوداء عندما يَعُمُّ الظلام – كما يقول هيجل – ولأنَّ البرميل الفارغ يُحْدِث ضجيجاً يصكُّ الآذان ويمنعها سماع معزوفة الناي الشجيَّة .. ولعلَّ أحد أشهر تطبيقات هذه الاستراتيجية ما حدث في ليلة إعدام الصوفي الشهير أبو منصور الحلاج، حيث أشاع الوزير بن الفرات أنَّ هناك طائراً اسمه الزبزب يخطف الأطفال وأنَّ الطريقة الوحيدة للتخلص من هذا الطائر هي الصعود على أسطح البيوت وطرق الأواني النحاسية لأنه يخاف من الرنين الأصفر .. وبالفعل تم صلب الحلاج وإحراق جثته بينما كان أهل بغداد على أسطح بيوتهم منشغلين بالطرق على الأواني النحاسية لطرد طائر الزبزب “الخرافي”.

على مرِّ العصور كان أهم عناصر هذه الإستراتيجية المُضلِّلة هو الخصومة مع الوعي والاستثمار في كلِّ ما من شأنه أن يغيبه وينصب له الكمائن والأفخاخ، بالإضافة إلى إفتعال قضايا جانبية وسطحية والتركيز عليها بطريقة درامية تشدُّ نحوها الأسماع والأبصار والعقول بينما يتم الدفع بالقضايا الجادة والمصيرية بعيداً عن دائرة الضوء وخارج مجال الرصد والاهتمام .. وفي خصومتها مع الوعي، لا تعدم السلطة شهود زورٍ تزدحم بهم أجهزة الإعلام التي يُطِلُّون عبرها بِلُغَةٍ تحايلية يقدمون بها للمحرومين من حقوقهم إشباعاً وهمياً، مثل ذاك الذي يُستنام به أطفالٌ جوعى وليس في القِدْر غير ماءٍ يغلي حول الحصى، ويتم ذلك من خلال إغراق المُتلَقِّي بسيلٍ من المواد الإعلامية التي يجري تلفيقها واستحضارها بعناية فائقة للتجهيل والتضليل، حتى يبلغ الأمر حَدَّ التغزُّل في أجنحة السلاحف وسيقان الأفاعي وعسل الذباب، كما يتم ارتكاب جريمة الفصل العمد بين الفاعل والمفعول بحيث يُدان الفساد – مثلاً – بينما يتمتع المفسدون بنجومية السياسة والمجتمع.

ربما كان موقف النظم الحاكمة من حرية الصحافة هو المقياس الأوضح على مدى صدقية ما تدّعيه من ديموقراطية .. فحين يفرض أي نظام حكم قيوداً على حرية الصحافة بالرقابة والمصادرة وحجب المعلومات وحظر الصحفيين من الكتابة لمنع الرأي من التعبير عن نفسه، فإنه يصبح من العسير تصديق أن مثل هذا النظام مستعد أن يفسح للمعارضين مكاناً في برلمان أو منبر حوار وطني أو غير ذلك من المنابر التي يفترض أن تتاح فيها حرية التعبير عن الرأي والحجاج المفتوح حول السياسات والبرامج وتقييم الأداء الحكومي وصياغة المصير الوطني.

ما يحدث للصحافة في بلادنا، للأسف، لا يخرج عن هذا السياق البئيس .. فالصحافة مكبلة بقيودٍ كثيرة لأنها مرآة الواقع ومنصة النقد ومنبر الحوار وتعدد الآراء والخيارات وتلاقحها، بينما نظام الإنقاذ لا يطيق جدالاً في خياراته ولا يحتمل نقداً لثوابته ورموزه وبالتالي يَعْمَد إلى قمع حرية الصحافة باعتبارها تمثل تهديداً لوجوده، وغالباً ما يتم هذا القمع باسم الدين والوطن والصالح العام.

ما يحدث في بلادنا في واقع الصحافة يؤكد أن ظاهرة الغوبلزية لم تَطْوِها صفحات الزمان، فما يزال الرقيب النازي جوزيف غوبلز يتحسَّس مسدسه كل ليلةٍ ويطوف على مطابع الخرطوم بحاسَّة شَمٍّ كَلْبِية، ليس لكشف المخدرات ومنع ترويجها، وإنما لكشف رائحة الحبر غير المُلَوَّث ومنع ترويج الكلمة الحرة غير المُدَجَّنة.

أيها الحضور الكريم

مع كل هذه الحيثيات التي تَسِم واقع الصحافة الورقية في وطننا، قررنا في حزب المؤتمر السوداني أن نُصْدِر صحيفة “أخبار الوطن” .. فنحن، وكثيرون غيرنا، لدينا في هذا الوطن ما ندافع عنه ببسالة طائرٍ يقاوم الحَدَآت حتى لا يرى مخالبها تخطف صغاره من العُش .. قررنا أن نُصْدِر “أخبار الوطن” لتكون مساحةً إضافية لكلِّ الذين تصالحوا مع ضمائرهم وانحازوا لخيارات الوجود الكريم، وأشهروا أقلامهم لحراسة الحقيقة وفضح منظومة القبح والخداع والظلام.

نأمل أن تكون “أخبار الوطن” كما نريد لها أن تكون .. نريدها، في أول مقام، أن تكون معنية بنشر الوعي وتحويل مصطلح المقاومة السلمية إلى ثقافة شاملة لاستنهاض ممكنات التغيير والعبور مع شعبنا إلى الوطن الذي يحلم به ويستحقه .. نريدها أن تكون منبراً إعلامياً حُرَّاً يكسر شرانق العصائبيات الضيقة ويخرج إلى رحاب الوطن بخطابٍ مستنير، خالٍ من الكلمة الخؤون، لمجادلة قضايا الواقع المأزوم في كل جوانبه .. نريدها أن تنظر إلى قضايا الواقع بعينٍ فاحصة ومدققة وأن تكسر الأقفال وتسلط الضوء على مكامن الخلل وتسمي الأشياء بمسمياتها من غير مواربةٍ ولا وَجَلٍ ولا حَوَل.

المطلوب من “أخبار الوطن” أن تحتفي بالتنوع الذي يزخر به واقعنا الفريد، وأن تكون حرباً على ثقافة التعصب والاقصاء والاستعلاء والاستحواذ، وترسيخاً لقيم التسامح والاعتراف بالآخر واحترامه والمشاركة والعطاء المتبادل .. وأن تساهم في تعزيز وحدة الوطن وسلمه الأهلي وتماسك نسيجه المجتمعي وتقوية دفاعاته الذاتية واستدعاء إرادة التغيير.

باختصار، نأمل أن تكون “أخبار الوطن” شمعةً مضيئةً من أجل الوطن، ومن أجل حق شعبه في الحياة الحرة الكريمة وحقه في المعرفة من غير اختزالٍ ولا استخفافٍ ولا تهويلٍ ولا إثارة.

أيها الحضور الكريم

مرةً أخرى أحييكم وأشكر لكم مشاركتكم في تدشين “أخبار الوطن” .. والشكر موصولٌ لهيئتها الإدارية والفنية وكُتَّابها الأعلام ولكلِّ من أسهم في ميلادها، ولإدارة قاعة الشارقة التي سمحت لنا باستخدام هذا الفضاء.

قبل أن أزايل هذه المنصة، أختم حديثي بقصةٍ قديمةٍ تَحْكي عن إمبراطور آسيوي طلب من عَسَسِهِ أن يجمعوا له كل الشعراء الذين لا يمدحونه ولا يمجدونه، فوجدوا شاعراً واحداً فقط وجاءوا به للإمبراطور الذي حَكَم بإعدامه في ساحةٍ عامة أمام الملأ .. وعندما حان الموعد المضروب ورفع السيَّاف سيفه لتنفيذ حكم الإعدام، دَهَمَت الامبراطور صحوة ضمير، فصاح بالسيَّاف قائلاً: “توقف .. واترك لهذه البلاد شاعرَها الحقيقي الوحيد، لأنها بموته ستصبح أرملة”.

نحن في المؤتمر السوداني، وغيرنا كثيرون، عازمون على ألَّا تصبح بلادنا أرملة.

والسلام عليكم،،،

عمر الدقير

رئيس حزب المؤتمر السوداني

الخرطوم – 8 أكتوبر 2017.