رشا عوض

في ظل الصخب الإعلامي الكثيف حول موضوع رفع العقوبات الأمريكية على السودان لا بد من وقفة تعقل تضع هذه القضية في حجمها الطبيعي بعيدا عن الأوهام التي يسعى إعلام النظام لبيعها للشعب السوداني عبر تصوير القرار الأمريكي الأخير كنصر سياسي ودبلوماسي  مجيد وفتح اقتصادي كبير سيرفل السودان بعده في النعيم، وذلك على افتراض ان معضلة السودان الاقتصادية الوحيدة هي تلك العقوبات الأمريكية التي ظلت لعشرين عاما الشماعة التي تعلق عليها الحكومة كل إخفاقاتها في التنمية والخدمات وحتى حقوق الإنسان.

من الناحية السياسية فإن رفع العقوبات ينسجم مع سياسة المجتمع الدولي التي تعدلت مؤخرا  تجاه نظام الخرطوم  إذ  استبدلت “عزل النظام ومحاصرته بالعقوبات” “بفك العزلة وتقديم بعض المكافآت” للحصول على التعاون اللامحدود في القضايا التي تهم أمريكا والغرب وعلى رأسها مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، والذي دفع لذلك سخاء النظام في تقديم التنازلات للغرب عبر الانخراط في التحالفات الإقليمية الموالية له، وقد كان الانتقال الدراماتيكي من التحالف مع إيران للتحالف مع السعودية أبرزها، بل كشفت وكالة ايسوشيتد برس العالمية مساء الخميسالثاني عشر من أكتوبر الجاري  عن حملة ضغط على الإدارة الأمريكية  قادتها إسرائيل والسعودية لإقناع ترامب باتخاذ قرار رفع العقوبات! وقبل ذلك كشفت صحف إسرائيلية عن زيارة مسؤول سوداني إلى تل أبيب كما عبر نواب في الكنيست الإسرائيلي عن احتجاجهم على تعاون حكومتهم مع الحكومة السودانية! وكل هذه مؤشرات لوجود كثير من الصفقات الأمنية والسياسية بين النظام والغرب (الملعون جهرا في الإعلام الرسمي والحليف سرا في ملفات لا يظهر منها إلا رأس جبل الجليد)!

السؤال الموضوعي الذي يفرض نفسه هنا لماذا لا تجد التحولات في تحالفات النظام الإقليمية التي كانت محصلتها رفع العقوبات ترحيبا ومباركة منا كمعارضين، وقد كنا ننتقد تحالفات النظام السابقة مع إيران التي أدت إلى توريط السودان بشكل مباشر في الصراع العربي الإسرائيلي عبر تحويل السودان إلى معبر لنقل السلاح الإيراني  إلى حماس وحزب الله، وظللنا نردد  حينها ان السياسة الخارجية للسودان يجب ان تصمم على أساس خدمة مصالح الشعب السوداني في السلام والديمقراطية  والتنمية والاستقرار،  وهذا لا يتحقق إلا بعلاقات إيجابية أو على الأقل غير عدائية مع أمريكا والغرب وعلاقات متوازنة في محيطه الإقليمي ، وأن السودان بقراءة موضوعية لظروفه السياسية والاقتصادية الراهنة يجب ان يبتعد عن اي مواجهات مع إسرائيل او غيرها وان تقتصر أولوياته على حل معضلاته الداخلية العويصة.

فلماذا نحن اليوم في ريبة وشك ولم يجد التفاؤل والفرح سبيلا إلى نفوسنا المثقلة بالإحباط بعد ان أدار النظام ظهره لإيران لدرجة ان إسرائيل نفسها ساعدته على رفع العقوبات الأمريكية؟

الإجابة، ببساطة لأن حقوق ومصالح  الشعب السوداني مستبعدة تماما من كل ما يجري، فتقلبات النظام الأخيرة مجرد انتهازية  صادرة في المقام الأول والأخير عن غريزة البقاء في السلطة والاستقواء بالغرب على الخصوم السياسيين في الداخل ومواصلة قهر الإنسان السوداني!

لا نقول ذلك رجما بالغيب! فسياسات النظام وممارساته الشاخصة أمامنا تشهد بذلك، فالنظام لم يدفع استحقاقات السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان  والإصلاح السياسي والاقتصادي والتنموي في الداخل وينطلق إلى الخارج من منصة وطنية تمثل الشعب السوداني، وكل ما فعله هو الفهلوة في استرضاء أمريكا والدول الأوروبية وعرض خدماته لها في مزادات البيع بالجملة لكل الشعارات الآيدولوجية التي استنفذت أغراضها محليا وإقليميا وذلك مقابل ان يسمح الغرب له بالبقاء في السلطة دونما حصار وضغوطات حول حقوق الإنسان والحريات العامة، ليواصل مسلسل الفساد والاستنزاف الأرعن لموارد البلاد والانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان، ولا بأس من مجاملة أمريكا والدول الأوروبية بإطلاق سراح فلان من المعتقلين الذي لم يكن هناك سبب قانوني لاعتقاله ابتداء، أو إصدار عفو رئاسي عن علان الذي لم يرتكب جرما في الأساس وقضى زمنا طويلا في السجن بسبب قضية مفبركة أصلا! وذلك مع بقاء القوانين والمؤسسات التي تشكل بيئة حاضنة ومفرخة لانتهاكات حقوق الإنسان على حالها كسيف مسلط على رقاب دعاة التغيير السياسي الحقيقي.

وهناك سبب آخر يجعل الاستقرار والتوازن في علاقات السودان الخارجية في كف عفريت وهو حالة الانقسام والصراعات الداخلية بين التيارات المكونة للنظام حاليا ، فبعضها مع محور (تركيا، إيران ،قطر)، وبعضها الآخر وهو المسيطر الآن مع محور(السعودية، الإمارات، مصر)، وكلاهما يعمل ضد الآخر في حرب خفية مسرحها مؤسسات الدولة السودانية التي باتت “أرضا محتلة” للنسخة السودانية من التنظيم العالمي للأخوان المسلمين!!

وهذه لعبة معقدة  كشفت للشعب السوداني ان النظام الحاكم الذي مارس إرهابا غليظا على خصومه السياسيين باتهامات العمالة للغرب وإسرائيل ومعاداة الإسلام وموالاة الصهيونية، تحركه”الميكافلية السياسية” والمصالح الدنيوية المحضة، فعندما والى إيران وحماس وحزب الله فعل ذلك بمنطق سياسي محكوم بمصالح (دنيوية)! وهو الآن بموالاته لأمريكا وإسرائيل أيضا ينطلق من ذات المصالح (الدنيوية)، واختلافنا معه في الحالتين سببه مفارقة المصلحة الوطنية العامة وتفصيل كل التحالفات الخارجية كما الداخلية  على مصالح النظام في احتكار السلطة والثروة وإحكام القبضة الشمولية على البلاد.

وأهم درس سياسي يقدمه “رفع العقوبات الأمريكية” لدعاة التغيير في السودان هو لا جدوى الرهان على الخارج في حسم معركة التحول الديمقراطي في ظل عجز أصحاب المصلحة في التغيير عن تعديل ميزان القوى الداخلي لصالحهم.

 

أما بمنطق الحسابات الاقتصادية الموضوعية فلم تكن العقوبات الأمريكية على السودان سوى “العقاب الأصغر” إذا ما قورنت “بالعقاب الأكبر” ممثلا في نظام الإفقار والدمار والتخريب المنهجي الحاكم للبلاد منذ عام 1989م! فمهما تحسنت العلاقات السياسية مع أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي وتبعا لذلك تعززت فرص الاستفادة من مؤسسات التمويل العالمية سيظل الاقتصاد السوداني عاجزا عن الاستفادة الحقيقية من كل ذلك لأنه مكبل بقيود ذاتية وعيوب هيكلية مزمنة علاجها يبدأ وينتهي داخل السودان وليس خارجه. وفيما يلي أهم المعضلات التي تحتاج لمعالجات جذرية داخلية:

أولا: انهيار القطاعات المنتجة في السودان(الزراعة والصناعة) لم يكن نتيجة لعقوبات خارجية، بل سببه الأساسي مجمل سياسات الاقتصاد الكلي التي يتبناها النظام الحاكم، والمرآة التي تعكسها بوضوح هي الموازنة العامة التي يجيزها برلمان النظام لا الكنغرس الأمريكي! فهذه الموازنة ظلت لما يقارب الثلاثة عقود تهمش مع سبق الإصرار والترصد تنمية القطاعات المنتجة، ففي موازنة 2005 مثلا تم تخصيص 300 مليون دينار لتنمية القطاع المطري التقليدي(اي المناطق التي يعيش فيها أكثر من نصف سكان البلاد وتشمل  دارفور وكردفان الكبرى) فيما خصص أكثر من ضعف هذا المبلغ 659 مليون دينار لكهرباء الفلل الرئاسية! وعند التنفيذ الفعلي تقلص الصرف على تنمية القطاع المطري إلى 100 مليون دينار فقط فيما تضاعف المبلغ المخصص للفلل الرئاسية!!

وتواترت مثل هذه المفارقات الكارثية التي تعكس الاستخفاف بالتنمية وإعلاء الصرف الأمني والعسكري والسيادي في كل موازنات الإنقاذ بلا استثناء، مثلا خصصت موازنة 2009 235 مليون جنيه للقصر الجمهوري فيما خصصت 122 مليون لوزارة الصحة و31 مليون لوزارة التربية والتعليم!

وخصصت (121) مليون جنيه لتأهيل مباني وزارة الدفاع ، بينما خصص لجملة مشروعات المياه القومية (2.5) مليون ، وخصص لجملة مشروعات تنمية القطاع المطري (8) مليون !!

وفى موازنة 2013 ، خصص للقطاع السيادي 1.55 مليار جنيه ، بينما خصصت الموازنة للصحة 0.55 مليار وللتعليم 0.55 مليار وللقطاع الاجتماعي 0.14 مليار! أما موازنة 2017 فقد خصصت  مبلغ 29 مليار و 122 مليون جنيه لقطاع الأمن والدفاع ، في حين منحت  555 مليون جنيه للقطاع الصحي، و 828 مليون  جنيه فقط للتعليم العام والعالي!! وظل الانفاق الأمني والعسكري يحوز على ثلثي الموازنة باستمرار وبلا منازع.

مثل هذه الموازنات تجسد تهميش الأولويات التنموية سواء التنمية البشرية كما يظهر في ضآلة الإنفاق على مياه الشرب والصحة والتعليم، أو التنمية الاقتصادية كما يظهر من ضآلة المخصص لها من مبالغ، وما دامت موازنات السودان بهذا الشكل فلا يمكن ان يستفيد من رفع العقوبات الأمريكية في الحصول على قروض تنموية كبيرة أو في إعفاء الدين الخارجي الذي تجاوز 50 مليار دولار! إذ يستبعد ان توافق المؤسسات المعنية على إعفاء ديون أو إقراض دولة تخصص ثلثي موازنتها للانفاق العسكري وتضعها تقارير البنك الدولي في أدنى مستويات التنمية البشرية!

ثانيا: البيئة السياسية والقانونية الموبوءة بالفساد، فمثل هذه البيئة  مضادة بطبيعتها للتنمية وطاردة للمستثمرين،وهذه البيئة يصعب تغييرها! فالخلل المنهجي في الموازنات السودانية مرتبط أساسا بطبيعة النظام الدكتاتوري، ولذلك سيظل على الدوام الانفاق العسكري والامني والانفاق على الرشاوى والترضيات  السياسية  متضخما لأن هذه هي الوسيلة الوحيد لحماية النظام،  وسيظل تهميش التنمية والنهوض بمستوى معيشة المواطن متراجعا لأن الذين يصنعون السياسات ويصممون الموازنات غير مساءلين امامه ولا يقيمون له وزنا لأنهم ببساطة يحكمونه بالقوة الباطشة وإذا خرج إلى الشارع محتجا على الغلاء الطاحن وشح الخبز والدواء يتكفل به رصاص  آلة القمع  التي وقودها يأتي من موازنة عمودها الفقري من الضرائب والجبايات التي يدفعها هو عن يد وهو صاغر!

أضف إلى ذلك انعدام المناخ الجاذب للاستثمارات الكبيرة طويلة الأجل في الزراعة والصناعة،  والمجالات ذات الجدوى في توفير فرص العمل وتقليص البطالة، وذلك بسبب الافتقار التام للشفافية وسيادة حكم القانون، ومبدأ تكافؤ الفرص وضعف البنيات التحتية وفساد وهشاشة الجهاز المصرفي، وكل هذه العلل مرتبطة بطبيعة النظام ومن الصعب ان يتخلص منها لانعدام الإرادة السياسية لديه، وما دام الحال كذلك فإن الاستثمارات ستكون مجرد صفقات خفية عائدها الأكبر لإثراء شبكات الفساد والمحسوبية، لا سيما أننا في دولة تنعدم فيها الحدود الفاصلة بين المصلحة الوطنية العامة والمصالح الخاصة، وفي مناخ كهذا لن يأتي للاستثمار إلا الفاسدون الراغبون في نهب موارد البلاد، وأمثال هؤلاء سيجدون ضالتهم في وزراء لا يتحرجون من السباق المحموم على اصطياد المستثمرين للحصول على العمولات والرشاوى وعقد الصفقات الخاصة!

ثالثا: لو سلمنا جدلا أن الغرب قرر  إعفاء ديون السودان دون قيد أو شرط وأغرق البلاد بقروض واستثمارات مليارية بدون فوائد، ففي ظل طاحونة الفساد التي لا تبقي ولا تذر، وفي ظل البيئة السياسية المعطوبة  التي تتستر على المفسدين وتحميهم وتعاقب من يفضحهم في الإعلام، سيكون مصير كل هذه الأموال كمصير مليارات البترول!

فالعقوبات الأخطر على السودان هي عقوبات نظام حكمه ممثلة في الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة والقمع ومصادرة الحريات!   

هذا ليس دفاعا عن العقوبات الأمريكية أو إنكارا لآثارها السلبية على الاقتصاد، فبطبيعة الحال، العقوبات وعلى مدى عشرين عاما حرمت السودان من فرص ومزايا اقتصادية وعرقلت حصوله على قروض مالية واستثمارات وتقنيات وسلع ضرورية، وانطلاقا من ذلك فإن النظام الذي تسبب في هذه العقوبات يجب ان يكون الآن في موضع المساءلة والمحاسبة بل والعقوبة السياسية المغلظة من قبل الشعب السوداني الذي ظل لعشرين عاما يسدد فاتورة حماقات سياسية لنظام اغتصب السلطة بانقلاب عسكري وحافظ عليها بالقمع!  ولكن لأن المنطق في هذه البلاد دائما مصاب في مقتل نجد الأبواق الإعلامية للنظام تطالب الشعب السوداني بالفرح والاحتفال والثناء على النظام والإشادة بدبلوماسيته لأنها نجحت في رفع العقوبات! وكأنما هذه العقوبات هبطت من السماء ولم تكن نتيجة مباشرة لأفعال طائشة  يتحمل مسؤوليتها بالكامل هذا النظام، وبالتالي فإن فاتورتها الاقتصادية تمثل أحد الخسائر الوطنية الكبيرة التي تكفي وحدها للمطالبة برحيله! لا مشاركته في احتفائه الخائب بأنه بعد عشرين عاما من الخسائر الباهظة على الوطن والمواطن تراجع عن تحالفاته الغبية ولحس شعاراته الآيدولوجية وارتمى تحت أقدام الدول التي ظل يشتم معارضيه بالعمالة لها!

هذا المشهد ليس انتصارا سياسيا ولا نجاحا اقتصاديا ولا فتحا دبلوماسيا بل هو احد مشاهد العبث بمصالح الشعب السوداني والاستخفاف بعقله.

إن مطالبة الشعب السوداني بمشاركة النظام في رقصاته على أنغام رفع العقوبات تشبه حالة شخص سُرق منه مبلغ كبير من المال بالعملة السودانية، وبعد مضي عشرين عاما اختلف اللص مع عصابته  وأعاد المبلغ المسروق بعد أن فقد 90% من قوته الشرائية بسبب التضخم و تدهور سعر الصرف، ولكن اللص لم يعتذر للشخص المنهوب ويطلب منه العفو والسماح بل طالبه بان يشاركه بالرقص في “حفلة توبته” ويتكفل- أي الشخص المنهوب- بسداد تكاليف “حفل توبة اللص” وإرجاعه للمسروقات بعد خراب مالطا!! ليس هذا فقط بل ان الشخص المنكوب مطالب بتوكيل هذا اللص التائب للإشراف على ممتلكاته وإدارة تعاملاته المالية في المستقبل!