نبيل أديب

“إن الإتصال الحر بين الفكر والرأي هو من أعظم حقوق الإنسان، وعليه فإنه يمكن لكل مواطن أن يتكلم ويكتب ويطبع بحرية”.
الجمعية الوطنية الفرنسية، 1789.

علمت من الأستاذ الصادق الرزيقي نقيب الصحافيين ( او ربما يكون الإسم الرسمي له رئيس إتحاد الصحافيين ) ان هنالك قانون جديد للصحافة يتم إعداده في المطبخ الرسمي لتقديمه للبرلمان. كان ذلك في محادثة عابرة معه في ساحة محكمة الصحافة والتي أصبح حضور جلساتها جزء من المهام اليومية لرؤساء التحرير. يا ألطاف الله هل أدمنا إصدار قوانين الصحافة؟ لم أشأ أن اسأل عن تفاصيل ذلك القانون إذ لا يبدو لي أن هناك ما يستدعي إصدار قانون للصحافة بغض النظر عن الدافع لإصدار ذلك القانون. ما نحتاج إليه بالنسبة للصحافة هو إلغاء القانون وليس إصدار قانون جديد.

ماذا تريد الحكومة من إصدار قانون جديد للصحافة ؟ هل تريد أن تزيد من إحكام قبضتها على الصحافة ؟ هذا هو ما نتوقعه في كل مرة يصدر فيها قانون جديد، أم تريد أن تخفف من تلك القبضة وتمنح للصحافة بعض الحريات؟ وهذا ما يمكن ان يكون الدافع له الرغبة في تحقيق بعض الإنفتاح بالنظر لما ظل يصرح به المسؤلون مؤخراً حول ضرورة مراجعة القوانين للتتلاءم مع مخرجات الحوار، وعلى وجه التحديد محور الحريات منه. او ربما ما تم الإتفاق عليه مع أمريكا لأحداث بعض التقارب معها بعد رفع العقوبات.

من اللافت للنظر  أن تاريخ الصحافة السودانية القصير، قد شهد ثمانية قوانين مختلفة صدرت لتنظيم عملها ابتداءً من عام 1930 بالإضافة لثلاث تعديلات إنصبت جميعاً على قانون 1930 ومرسوم وزاري عام 1405 هـ وقد نالت الإنقاذ نصيب الاسد في هذه القوانين، فقد اصدرت حتي الان خمسة قوانين مختلفة للصحافة في الاعوام 93 و 96 99 و2004 و 2009 وهنالك حديث عن إصدار قانون سادس. وأول ما يلاحظ هنا هو أن قانون 1930ظل ساري المفعول بعد الإستقلال ولم يعدل أو يلغى إلا في ظل أنظمة قمعية، فقد عُدِل بواسطة نظام نوفمبر، وألغي بواسطة النظام المايوي، وهو ما يدفع للقول بأن النظم الديقراطية التي تلت الحكم الإستعماري والأنظمة العسكرية لم تكن متحمسة لمنح الصحافة حريات تفوق ما تمتعت به، أو حرمت منه، لو شئت على يد الإستعمار والدكتاتورية العسكرية. الملاحظة الثانية هي أن هذه القوانين جميعا هي قوانين هدفت لوضع قيود على العمل الصحفي وليس لحمايته، وذلك صحيح بالنسبة لكافة قوانين الصحافة في مختلف العهود، وإن كان ذلك الإتجاه أكثر وضوحاً بالنسبة لقوانين الصحافة التي صدرت في ظل العهود الإستبدادية. والسؤال هو هل هنالك حاجة أصلاً لقانون ينظم الصحافة؟ وإذا كانت هنالك حاجة لمثل هذا القانون فماهي حدود تدخله في شؤون الصحافة؟

 

القانون والقانونية

 

“لا أحد يقع على عاتقه التزاما بطاعة القانون أكثر من أولئك الذين شرعوا القانون” سوفوكليس

 

أياً كان السبب  فإن الحكومة ليست في حاجة لإصدار قانون جديد للصحافة. فأنت لا تحتاج لتغيير قانون مالم تكن ملزما بأحكامه.

إذا كانت الحكومة ترغب في أن تزيد قبضتها على الصحافة، فهل هي تحتاج لكي تفعل ذلك أن تصدر قانون جديد للصحافة ؟ لا أعتقد ذلك. ولنعد بذاكرتنا إلى الوراء عندما قررت الحكومة في عام 2008 أن تفرض رقابة قبلية على الصحافة كان ذلك أثناء الفترة الإنتقالية، وهي فترة وإن لم يكن المؤتمر الوطني ينفرد فيها بالحكم، إلا أنه  كان له القدم المعلى فيه. ولم يكن قانون الصحافة الساري المفعول آنذاك ينص على أي سلطة خاصة بجهاز الأمن تتصل بالصحافة، أو بما ينشر فيها ( قانون 2004 ). ولم يكن أيضاً في قانون قوات الأمن الوطني الذي كان نافذاً آنذاك أي نص يمنح سلطة لجهاز الأمن لممارسة الرقابة على الصحف. ومع ذلك فقد  مارس جهاز الأمن رقابة سابقة للنشر على كل الصحف الصادرة في السودان، وأصدر أوامر إلى المطابع تمنعها من طبع أي عدد من صحيفة ما لم تتم إجازة المواد المنشورة فيه بواسطة ضابط الأمن المكلف. وقد أصبح نتيجة لذلك من المناظر المألوفة أن تصدر الصحف وهي تحمل في صفحاتها فراغات، نتيجة لرفض السلطة الأمنية إجازة المادة التي كان يفترض نشرها في ذلك الفراغ، في زمن لا يسمح للجهة التحريرية بإبدالها بمادة أخرى قبل طبع العدد .

وعندما حاولت الصحافة اللجوء إلى المحكمة الدستورية فقدمت طعناً ضد الرقابة السابقة للنشر ( شركة مسارات للإنتاج الإعلامي ضد جهاز الأمن ) أصدرت المحكمة الدستورية حكماً أحدث دوياً هائلاً على مستوى العالم، عندما قررت أن الرقابة على النشر الصحفي لا تنتهك حرية الصحافة الدستورية، وهو رأي خالف كل ما هو مستقر في الفقه والقضاء في العالم عن حرية الصحافة. نتيجة لذلك فقد قرر رئيس الجمهورية في أقل من شهرين من صدور قرار المحكمة الدستورية الصادم رفع الرقابة عن الصحف. إذاً فليس هنالك ما يدعو الحكومة لتعديل قانون الصحافة فقط لزيادة قبضتها الأمنية فهي ليست في حاجة لذلك.

أضف لذلك أن الصحافة لا تخضع فقط لقانونها بل هي تخضع لعدد من القوانين التي تمنعها من أن تؤدي واجبها كجهة رقابية تغذي الرأي العام بالمعلومات والأخبار ، كما تزوده بمنابر للنقاش الحر والآراء المختلفة وهي كلها مسائل لا غنى عنها للنظام الديمقراطي وهذه المسألة فطن لها الإنجليز منذ زمن طويل.

تنظيم الصحافة يكون طوعيا في المجتمع ديمقراطي

تبدو سرعة لجوء أهل الإنقاذ لإصدار قوانين الصحافة في تعارض تام مع إستنكاف الإنجليز لذلك حتى مع وجود الحاجة لها، وذلك لتجذر المفاهيم الديمقراطية لديهم. تم التفكير في إخضاع الصحافة البريطانية لنوع من التنظيم عقب إنفجار فضيحة صحيفة نيوز اوف ذ ورلد News Of the World والتي كانت ضالعة في ممارسات إجرامية بحثاُ عن الأخبار الفضائحية للمشاهير. نيوز اوف ذ ورلد هي صحيفة شهيرة من نوع التابلويد وهو نوع من الصحف البريطانية يتميز من حيث الشكل بورقه الصغير الحجم، ومن حيث الموضوع بإهتمامه بالشئون الخاصة للمشاهير في مختلف ضروب الحياة. وصحيفة نيوز اوف ذا ورلد هي من القسم المعروف بالعنوان الأحمر Red Tops والتي تطبع اسمها باللون الأحمر مثل صحيفة السن والديلى ستار والديلي ميرور، وهي الصحف الاكثر عناية بالاثارة ضمن صحف التابلويد. أدى إكتشاف تلك الممارسات الإجرامية لسيل من الدعاوي بالإضافة لتنظيم مقاطعة ناجحة من قبل المعلنين في الصحف، نجم عنها خنق الصحيفة إقتصادياً، ضاعف من أثرها مبالغ تسوية الدعاوى المتعلقة بانتهاك الخصوصية التي رفعها الافراد والتي بلغت 2 مليون جنيه استرليني حتى مارس 2010م مما أدى في نهاية الأمر لإغلاق الصحيفة و توقفها نهائياً عن الصدور في 6/7/2011م. في يناير 2011 كون رئيس الوزراء كاميرون لجنة قضائية للنظر في مسألة تورط الصحيفة في إختراق مكالمات الافراد ودفع الرشاوى للشرطة عُرِفت بإسم رئيسها  القاضي Leveson.

كانت أهم توصيات اللجنة هي انشاء هيئة مستقلة جديدة عن طريق القانون لتحل محل لجنة شكاوى الصحافة القائمة الآن، وهى جسم تنظيمي طوعى VOULNTARY REGULATORY   BODY  لا يتمتع بأي سلطات قانونية ويتم تنفيذ قراراته طوعاً بواسطة مجموع الصحف والمجلات البريطانية. كان ذلك يتطلب إصدار قانون للصحافة ولكن كاميرون صرح برفضه الجازم لأن يصدر في عهده هو قانون للصحافة التى ظلت لأكثر من ثلاثمائة عام تعمل دون أن تحتاج لقانون ينظم عملها.

قوانين الصحافة في السودان وسلطة الترخيص

يبدو أن أهم ما تتناوله قوانين الصحافة التي تهدف لإخضاع الصحافة لجهة رقابية بالإضافة لإنشاء تلك الجهة ومنحها الإختصاصات التي تسمح لها بأداء دورها هو تطلب الترخيص. وقد بدأ تنظيم الصحافة في السودان بقانون المطبوعات لسنة/1930م وهو قانون صدر تحت السلطة الإستعمارية، وبالتالي فإنه لم يكن يحفل بحرية الصحافة بقدر إهتمامه بمراقبتها. لذلك فقد حملت مقدمة القانون الجملة التالية عن القانون ( هو قانون الغرض منه التصريح بواسطة المرخص بنشر الجرائد في السودان، ومراقبة وإدخال المواد المطبوعة وبيعها وتوزيعها). إذا فإن تطلب ترخيص الصحف هو أساس ذلك القانون. لذلك فقد منع نشر أي جريدة في السودان تشتمل على أخبار عامة، أو تعليقات على أخبار عامة، سواء كانت تصدر بإنتظام أو بغير إنتظام، إلا بمقتضى رخصة يصدرها السكرتير الإداري، ويبين في الرخصة أسم الجريدة وطابعها وناشرها ومحررها أو محرريها (المادة (3))  وتطلب الترخيص كما سنرى ظل يتكرر في كل قوانين الصحافة اللاحقة. وقد كانت في قانون 30 سلطة مطلقة إذ يجوز للسكرتير الإداري بدون إبداء أي سبب، أن يرفض منح رخصة لأية جريدة، أو يجوز له أن يمنح رخصة بالشروط التي يقررها، ويجوز له أن يوقف أو يلغي أية رخصة إذا حصل إخلال بأي من تلك الشروط. ويجوز له بموافقة الحاكم العام أن يعدل أو يوقف أو يلغي تحقيقا لمقتضيات النظام العام أية رخصة أصدرها بمقتضى هذا القانون. (المادة السادسة) ويترتب على طبع الجريدة أو نشرها بغير رخصة أو بعد أن تكون الرخصة قد ألغيت، أو في خلال أية مدة أوقفت فيها تلك الرخصة، أنه يجوز لأي ضابط بوليس أن يضبط أو يصادر أية نسخ من الجريدة، ويجوز للسكرتير الإداري أن يأمر كتابة بمصادرة:

أ/ المطبعة التي طبعت فيها الجريدة .

ب/ مصادرة التأمين لصالح حكومة السودان . (المادة السابعة)

وقد سارت كل قوانين الصحافة التي تلت قانون 1930 على تطلب رخصة لإصدار الصحف 1930م   حتى يكاد المرء أن يعتقد أن ذلك من متطلبات إصدار الصحف عالمياً ولكن ذلك غير صحيح ولعله من اللافت للنظر أن قانون/1930م والذي أصدره الإستعمار البريطاني يخالف تماماً ما إستقر العمل عليه في المملكة المتحدة نفسها والتي لم تعمل بترخيص الصحف إلا في فترة وجيزة من القرن السابع عشر، وهو ما سنفرد له مكانا خاصا من هذا المقال.

واقع الأمر هو أن جميع الديمقراطيات الكبرى وأعني بها المملكة المتحدة وسائر دول المجتمع الأوربي وأمريكا لاتوجد بها قوانين تتطلب الحصول على تراخيص لإصدار صحيفة

بالنسبة للنظام المايوي الذي يقوم على نظام الحزب الواحد فقد إحتفظ قانون 73 بضرورة الترخيص بالنسبة بالنسبة للمنظمات والجمعيات والهيئات المتخصصة العاملة في الحقل الإجتماعي أو الثقافي أو الفني التي ترغب في إصدار صحيفة ووضع سلطة الترخيص بالنسبة لها في يد وزير الإعلام. أما الإتحاد الإشتراكي الذي يحتكر حق إصدار الصحف السياسية فقد تطلب منه الإخطار فقط فنصت المادة (8) ما يلي : ( لا يجوز لأي شخص أو هيئة نشر أية صحيفة أو مجلة أو مطبوع أو إمتلاك أو حيازة أو إستغلال أية مطبعة دون الحصول على الرخصة اللازمة . ومع ذلك يجوز للإتحاد الإشتراكي السوداني أن ينشر ما يرى نشره من صحف ومجلات ومطبوعات وأن يملك ويحوز ويستغل أية مطبعة على أن يخطر المجلس بذلك)

قيد القانون أغراض الصحف التي تصدرها للمنظمات والجمعيات والهيئات وذلك فيما عدا الإتحاد الإشتراكي في المادة (9) على الوجه التالي :

1/ يجوز للوزير بعد التشاور مع المجلس منح رخص لنشر الصحف في الحالات التالية :

أ/ للمنظمات والجمعيات والهيئات المتخصصة العاملة في الحقل الإجتماعي أو الثقافي أو الفني على أن تكون المنظمة أو الجمعية أو الهيئة سودانية ومسجلة ومنتظمة في أعمالها وأن يقصد من نشر الصحيفة خدمة أغراضها المشروعة وفي حدود قوانين ولوائح تنظيم العمل الوطني .

ب/ للمؤسسات العامة والشركات السودانية المسجلة إذا كان الهدف من إصدار الصحيفة الإعلام التجاري .

ج/ للأفراد والهيئات لإصدار صحف أدبية أو علمية متخصصة تغطي مجال تخصصها وفي حدود قوانين ولوائح تنظيم العمل الوطني .

2/ تبين الرخصة أسم الصحيفة ومالكها وطابعها وناشرها ورئيس تحريرها وأية بيانات مقررة تتعلق بها ومصدر تمويل الصحيفة والشروط التي منحت بموجبها الرخصة .

3/ على كل ناشر أن يودع لدى وزارة الإعلام والثقافة قبل إستلام الرخصة تأميناً قدره 50 جنيهاً ترد إليه إذا طلب إلغاء الرخصة .

4/ في حالة حدوث تغيير يتعلق بمالك الصحيفة أو طابعها أو ناشرها أو رئيس تحريرها أو مصدر تمويلها يجب إبلاغ الوزير بالتغيير كتابة خلال ثمانية أيام من تاريخ حدوثه كما يجب أن يصحب ذلك الإبلاغ تقديم الرخصة للتأشير عليها بذلك التغيير .

5/ يجوز للوزير بالتشاور مع المجلس أن يلغي في أي وقت أو يعلق رخصة أية صحيفة متى ما إقتنع بأنها أخلت بأي شرط من الشروط التي منحت بموجبها الرخصة أو إذا إقتنع بأن إستمرار صدور الصحيفة يتعارض مع الأمن والنظام العام ولصاحب الصحيفة الحق في الإستئناف لدى قاضي المديرية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إبلاغه بالقرار .

مجلس الصحافة

أما مجلس الصحافة فقد ظهر لأول مرة في تعديل 1947 فنصت المادة2/أ التي أدخلت بعد المادة الثانية في القانون على أن يُكوّن مجلس للصحافة ويُوكل إليه واجب نصح السكرتير الإداري في مباشرته لمهمته بموجب هذا القانون وأي لوائح صادرة وفقاً له .

وعلى تكوين المجلس على النحو التالي يتكون مجلس الصحافة من الأعضاء الآتين :

مساعد السكرتير الإداري (السياسي) – رئيساً

محافظ مديرية الخرطوم

ضابط الإتصال العام

رئيس إتحاد الصحفيين السودانيين

مفتش الطباعة والمخازن والمهمات .

وسلطته كما تبدو من النص إستشارية ولكن المادة السادة تذكر بوضوح أن السكرتير الإداري يمنح الترخيص وفقاً للشروط التي يوصي بها مجلس الصحافة ويسحب الترخيص بسبب الإخلال بأي من تلك الشروط. التعديل نزع السلطة المطلقة عن السكرتير الإداري ومنحها للمجلس. ورغم أن المجلس هو مجلس غير مستقل إلا أن مجرد تقييد السلطة المطلقة للسكرتير الإداري كان يشكل خطوة للأمام

 

قانون الترخيص لعام 1662

بالنسبة لإنجلترا فقد كان كاميرون في تصريحه عن الصحافة التي بقيت ما يزيد عن ثلاثمائة عام بدون قانون يشير لسقوط قانون الترخيص في عام 1697 وكان ذلك آخر عهد بريطانيا بقانون ينظم ترخيص الصحف. ولكن هنالك قصة وراء ذلك الإلغاء لا تجعل من ذلك التاريخ ما يدعو للإحتفال به.  قانون الترخيص لعام 1662 أو كما أطلق عليه”قانون منع التجاوزات المتكررة في طباعة الكتب والكتيبات التي تدعو للفتنة والخيانة والغير مرخص بها ، وتنظيم الطباعة والمطابع “. لم يكن هو أول وسيلة لتكميم الصحافة، فلقد كانت الطباعة منذ ميلادها مصدر قلق بالنسبة لحكام ذلك الزمن الذين رأوا فيها قدرة خطيرة على إثارة الفتنة، فلم يتوقفوا منذ لحظة ظهورها كوسيلة لنشر الأفكار،عن السعي إلى إحتواء استخدامها فيما يرونه من وجهة نظرهم مهدد لسلطتهم. أخضعت المطبوعات وليس فقط الصحف للرقابة في بريطانيا منذ ظهورها، وقد بلغت هذه الرقابة ذروتها في 4 مايو 1557، عندما أصدرت ماري الأولى أمرا ملكيا بتأسيس شركة الوراقيين “Stationers company”. وقد تم ذلك بإصدار قرار بأن شركة الوراقيين هم وحدهم الذين يستطيعون طباعة الكتب وتوزيعها. ومنح الأمر خفرائهم سلطة الدخول إلى أي مباني تستخدم في الطباعة، وتدمير الأعمال غير المرخص بها وسجن أي شخص يقبض عليه متلبسا بطباعتها. وبهذه الطريقة قامت الحكومة بربط المصلحة الذاتية للناشرين بالمصلحة الملكية، وضمان أن تنفذ الشركة رقابة لصيقة لصالح السلطة حفاظا على مصلحتها هي في الاحتكار الاقتصادي الذي نالته. وإستخدام المصلحة الإقتصادية في تحجيم دور الصحافة في نشر الوعي سيتم اللجوء إليه بأساليب مختلفة حتى يومنا هذا. ولكن بمضي الزمن ظهرت الحاجة لقانون يحكم المطابع، ومن ثم ظهر قانون الترخيص، لعام 1662. لم يكن القانون يهدف فقط إلى التحكم في الأخبار المطبوعة، بل كان يهدف للتحكم في سائر المطبوعات بإعتباره تدبيرا مؤقتا لحين إصدار قانون محكم لمراقبة الصحافة. عندما فشل ذلك القانون في الظهور، تم تجديد قانون الترخيص في 1663 ومرة أخرى في 1665. وأخيرا، وبعد عدد من التجديدات، وافق مجلس اللوردات على أن يقوم مجلس العموم بإلغاء القانون توطئة لإصدار قانون جديد ومُحسّن، ولكن مشروع القانون أسقط في مجلس العموم في 1697، وسقط معه ترخيص الصحافة في بريطانيا. ولكن الأمر لم يكن كله إنتصارا لحرية الصحافة، إذ يبدو أنه ساعد في التوصل لتلك النتيجة أن الحكومة كانت قد اقتنعت بأن هناك وسائل أكثر فعالية لمراقبة الطباعة. ففي عام 1693 تمت محاكمة وإعدام ويليام أندرتون الثوري النزعة الذي يعمل في الطباعة بتهمة الخيانة، وهو الأمر الذي لم يؤدي فقط للتخلص من أندرتون بل أعطى بقية الطابعين درسا عمليا في ما تتطلبه ممارسة الطباعة من عناية فائقة، وهو درس لم يغب عن فطنة العاملين في ذلك الحقل. في عام1762م تم التخلص من كافة آثار قانون ترخيص الصحف حين صدرت سابقة Entick v Carrington حين دخل رجال الضبط مقر إنتيك بناء على أوامر من اللورد هاليفاكس، وزير الدولة للشؤون الشمالية المعين حديثا “لإجراء بحث صارم ودؤوب عن عدة دوريات أسبوعية تحريضية جدا بعنوان محدد في الأمر. في الدعوى التي نتجت عن ما أحدث رجال الضبط من خسائر قرر لودر كامدن ” أن السبب الرئيسي لدخول الإنسان في المجتمع هو الحفاظ على حق الملكية  وهو حق يتوجب حمايته ما لم تتم مصادرته أو الإنتقاص منه بواسطة قانون ما لصالح المجموع . إذا ثبت أن شخص ما دخل منزل غيره بدون رضاه فإنه يكون قد إرتكب تعدياً وعليه أن يثبت أن هنالك قانوناً يجيز له ذلك وحيث أننا لم نجد مثل ذلك القانون فإن المدعي عليهم يكونوا متعدين.”

وقد إنتهى بذلك كل آثار قانون ترخيص الصحف في بريطانيا نفسها وإن كانت السلطات البريطانية في المستعمرات قد أصدرت قوانين مشابهة لذلك القانون ومنها قانون 1930م في السودان .

نبيل أديب عبدالله

المحامي