خالد فضل

شغلت الأوساط السودانية فى الأيام القليلة الماضية بحادثة التحرش الجنسى لأحد الدبلوماسيين فى نيويورك بفتاة فى أحد البارات، وهو حادث مستهجن دون شك، خاصة أنه وقع فى بلد تحكمها منظومة قيم ربما تتعارض مع ماهو سائد عندنا هنا فى السودان، ومن شخص يفترض أنه يمثل بلاده ولايمثل بها، من هنا تشخص مسألة مهمة حول منظومة القيم المتعارضة التى تسود فى بلادنا، فالتحرش الجنسي مثلا يعتبر جريمة فى الولايات المتحدة الأمريكية لانه فى الواقع يشكل إعتداء على حق انسان آخر، إذ أن الفتاة الضحية لم توافق على المداعبة أو المواقعة الجنسية، على عكس حدوث تلك الأفعال عن طريق التراضى فلا تكون هنالك جريمة،إذا الاعتداء وليس الممارسة نفسها هو مايحرمه القانون.

قبل نحو عامين أشارت إحدى الباحثات الى نتائج دراسة أعدتها حول التحرش الجنسى للأطفال، ومن ضمن افاداتها التى أدلت بها فى منتدى عام اشارتها إلى وقوع حوادث تحرش جنسى من بعض سائقى حافلات الترحيل لأطفال الرياض وتلاميذ المدارس فى الخرطوم، لقد تم التعامل الامنى مع تلك الإفادة وصودرت اعداد من الصحف فى صبيحة اليوم التالي لنشرها الخبر واقتيدت الباحثة الى التحقيق الامنى لتعود وتنشر نفيا لما ورد على لسانها. إن التكتم والتستر حول تلك الممارسات وغيرها من حوادث الاعتداءات يشكل تعارضا بينا بين ماتتم الدعوة له من قيم ومع الممارسات الفعلية، وهنالك حساسية كبيره في التناول البحثى أو الاعلامى أو حتى الاكاديمى للمسائل المتعلقة بالجنس،كأنما ضرب سياج من السرية على تلك الممارسات يعتبر علاجا للاخفاقات فيها، غير هذا نجد أن حوادث التحرش الجنسى التى تحدث يوميا تقريبا فى المركبات وأماكن العمل والأسواق وغيرها مما لايثير انتباه أحد، ولكن تضج أخبار صفحة الجريمة فى الصحف بالمداهمات والمحاكمات التى تقوم بها شرطة ومحاكم أمن المجتمع فى الخرطوم كل صباح جديد، ويستنكر عامة الناس بمن فيهم من يمارسون التحرش اليومى تلك الأفعال المخلة بالآداب والتى تكافحها شرطة أمن المجتمع، بمعنى آخر أن الذين يجوزون لأنفسهم حق الاعتداء (بالتحرش الجنسى) يستنكرون على الآخرين ممارسة الجنس بالتراضى، وهنا تكمن مفارقة اخرى فاغتصاب النساء مثلا يعتبر من الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ولذلك فإن المحكمة الجنائية الدولية قد وجهت الاتهامات لكبار المسؤولين السودانيين وعلى رأسهم الرئيس البشير نفسه بناءا على نتائج التحقيقات التى أثبتت وقوع تلك الممارسات أثناء الحرب فى دارفور، فهل ينظر الرئيس الي تلك الوقائع كجرائم تستحق العقاب ام ينظر إليها كممارسات طبيعية لاتستحق هذا الإهتمام، بل تعتبر شرفا لبعض السيدات من جهات محددة فى السودان أن يواقعهن جنسيا رجال من جهات أخرى، والإشارة هنا الى شريط فيديو للراحل الترابى وهو يخطب فى جمع من الناس ويورد ما أخبره به أحد أعضاء لجنة التحقيق الوطنية عند عرضهم نتائج تحقيقهم على الرئيس البشير وفيه إشارات إلى وقوع حوادث الاغتصاب،صحيح أن الحساسية تجاه الجنس تختلف باختلاف الثقافات السودانية المتعددة فعليا (رغم المحاولات لطمسها) فهناك مجموعات سودانية لاتتعامل مع ممارسة الجنس خارج نطاق الزوجية كفعل مرتبط بالشرف والكرامة، ولكنه فعل يشكل إعتداء يجب جبر الضرر الناجم عنه بدفع غرامة نقدية أو عينية أو الزام الرجل بتبني الطفل الناجم عن تلك الممارسة…….الخ،بينما نفس الممارسة تعتبر لدى جماعات أخرى كرسالة شرف ويتم التعامل معها من هذه الزاوية وربما تقود لقتل الرجل والمرأة المتورطين فيها.

بالنظر الى مجمل هذه الوقائع نجد أن ذلك الدبلوماسى لم يأت شيئا إذا وربما كان من الجاهلين بمنظومة القيم الأمريكية التى تحرم مايراه حلالا، ومالنا نذهب بعيدا فقد تبارى الدبلوماسيون السودانيون فى اعلى هرم وزارة الخارجية بالخرطوم فى التغني والتغزل فى وزيرة خارجية موريتانيا الآنسة الناها بنت مكناس، لم يتغنوا بحصافتها الدبلوماسية أو ثقافتها العالية، لم يشيروا الى مهاراتها فى التفاوض وكسب النقاط لصالح بلدها فى إطار المصالح المشتركة التى يفترض أن زيارتها للخرطوم قد تمت فى إطارها، لقد تغزلوا فيها غزلا حسيا يقع دون شك على تخوم التحرش إن لم يكن داخله ونشرت تلك القصائد الجياد وكأنها فتوح دبلوماسية، وهنا أيضا تكمن المفارقة فذات الدبلوماسيين هم من يتولون النفى والاستنكار لما يرد فى التقارير الدولية حول ممارسة الاغتصاب كسلاح فى النزاع الاهلى فى السودان.

فى تقديرى أن هناك حالة تعارض قيمى كبيرة فى المجتمع السوداني تقود هذا التعارض السلطة نفسها بممارساتها القمعية والتكتم والقهر لأى مبادرات جادة تقود الى الوعى فى أوساط الشعب بما يجب أن تكون عليه الحقوق وكيفية رد المظالم، وهذا من طبيعة النظم المستبدة.