خالد فضل

تفاءلوا بالوطن تجدوه، عبارة مؤثرة كثيرا ماكتبها استاذنا البروفيسور عبد الله على إبراهيم، وهو من جيل أكتوبر الذى ملأ الآفاق تفاؤلا بالوطن حتى غنى وردى لود المكى والحقول اشتعلت قمحا ووعدا وتمنى…. والقيود انسدلت جدلة عرس فى الايادى، وجيل أكتوبر بسمت يسارى وثاب (دفاعا عن حياض السلم والإفصاح) كان توقه لوطن مدرار وشعب سعيد، هل ياترى ماتزال الآمال طازجة، وقد مرت على أكتوبر خمسة عقود وبضع سنوات، تدحرج خلالها الوطن من انشودة عذبة وامنيات طيبة وآمال واعدة الى انشوطة تطوق الأعناق وتكاد تحبس مجرى التنفس، شئ أقرب الى العطسة التى تكاد تخرج ولم تفعل، أما يزال الوطن هو وطن أكتوبر ذاك، لم نعد نملك الجرٱة على ترديد العبارة المحببة مليون ميل مربع،أو من حلفا لنمولى ومن الجنينة لهمشكوريب ومابين هذه الجهات من إيقاعات الحياة جرارى ومردوم سبر وصقرية وازا وطمبور نوبة وتهليل وجات الكنائس لي اهدتني قدسية. ثلاثة وخمسون عاما مرت، كليلة طويلة ملئة بالكوابيس، عقابيل ثورة أكتوبر المجيدة وفى أتون فورتها دبت فى الوطن إرهاصات الوهن، وبدا تنكب الطريق القويم عندما اختلت قيمة مؤسسات الدولة وفقد القضاء هيبته المطلوبة بإهدار كلمته النافذة ببطلان قرار حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان، ومن اسف أن ذلك الاهدار لم يأت من الجهلة أو الرجرجه والدهماء بل قاده حادي الإستقلال (اسماعين) ثم توالى الاهدار لقيمة الوطن كوطن ممتلئ بخير التعددية وكنزها الغالى عندما استن علية القوم ماعرف بالدستور الاسلامى، وفى مساجلات البرلمان وقت ذاك ماكان يغنى لتفتح البصائر ان كان للوطن وجيع،فالاب فليب عباس غبوش يرحمه الله يسأل ويلحف بالسؤال للدكتور عبد الله الترابى رحمه الله عن هل يجوز لغير المسلم ان يرأس البلاد فى ظل الدستور الإسلامي وعندما اضطر د.الترابى للإجابة الفجة (لا) بانت عورة البناء الوطني المنشود، حتى اطبق ظلام مايو وظلاماتها، وصار النشيد ابوكم مين نميرى، أين حدادي مدادي ومابنبنيهو فرادى، وهذه إحدى خصال تنكب طريق البناء الوطنى عندما يسند الأمر لحكم الفرد، ويرضخ الشعب لمشيئة القائد الواحد الاحد تتبعه جوقة من الانتهازيين وأرباب المصالح الذاتية وبعض حسنى النية، ييمنون معه أن ايمن وييسرون إن أيسر، فينحدر الوطن الى أسفل سافلين.

ولم تستمر فجة الحياة وجر النفس لمارس التى اعقبت مارس أبريل 1985، حتى هجم على الوطن تنظيم الجبهة الإسلامية فاودى به معنى ومبنى،نعم انهار المبنى وانحط المعنى، فقد انفصل الجنوب بكل ثرائه الإنساني قبل المادي، ويتوق النوبة كذلك للانفصال وتراود الدارفوريين ذات الفكرة،لتتحول مقولة العاصمة المثلثة الى ( وطن مثلث حمدى) فهل كان هذا من ضمن تفاؤل المتفائلين بالوطن! انهارت مؤسسات الدولة عندما صارت مطية للإسلاميين بفقه التمكين، وانعدمت كل المؤسسات العامة التى تعنى باساسيات حياة الناس وحقوقهم الطبعية كمواطنين حق العلاج والتعليم العام والخبز والحرية، بيعت المؤسسات العامة والمشاريع القومية لتؤول حيازة باردة للمتمكنين الجدد من أعضاء التنظيم، فذهب مشروع الجزيرة بكل صولجانه وسكك حديد السودان والخطوط الجوية والبحرية وغيرها من المؤسسات العامة وانفرط الخيط الناظم لعقد الدولة وهيكلها بانحطاط المعانى فأصبح الولاء مقدما على الكفاءة فى الوظيفة العامة وساد الجهلاء والفاسدون برافعة الانتماء لتنظيم الاسلاميين فطٱطٱت المهنية رأسها حياءا وخجلا وانذوت عن المشهد قيمة التأهيل والتكوين الفكرى والاخلاقي والعلمي وهجر البلاد خيرة العقول فى كل التخصصات،لتنحط معانى الوطن أكثر بسيادة روح القبلية والعصبية والجهوية لأن الطبيعة لاتحتمل الفراغ وما أكبر الفراغ الذى أحدثه اسلاميو السلطة فى معنى الوطن، وقد تقسموا اشلاءه (رتب رتب) على قول شاعرنا المجيد أزهرى محمد علي. على إيقاعات أكتوبر مانزال نعشم فى نهوض طائر الفينيق من تحت الرماد، فمهما تطاول الليل سيكون (قربان فجرك) هذا هو الأمل أو ماتبقى من ذكرى أكتوبر، إذ ماتزال الحياة تنفحنا بشباب على قدر التحدى، عاصم عمر كيف بالوعى تحدى القهر، شباب نفير وشارع الحوادث يسدون الحاجات ويغيثون الملهوف ونفاج و رد الجميل وكل إشراقات الخير فى شروق القضارف وثوار دارفور وجسارات الجبال ونضالات النيل الأزرق وهبة سبتمبر فى شوارع الخرطوم،ولا لقهر النساء، الصحفيات الشجاعات والشابات الواعيات ونسل المكافحات وستات الشاى (كفتيرة اخير من غيرا) ونشطاء المجتمع المدنى وتحية خاصة لعشارى وعجيمي وهم يتعرضون للاعتقال والإذلال وعفوا يا أصدقاء فكلنا نفتقد الوطن مبنى ومعنى، ورغم ذلك نتفاءل بالوطن لنجده رغم ويلات الحروب وكشات القهر والاستبداد وهجرات المراكب والبحار، رغم الاتكاء على عصبة القبيلة والعشيرة، وبلوغ مرحلة تراجى عضو البرلمان، سيظل الوطن فينا نقطة ضوء فى آخر النفق، وكل عام وأكتوبر فينا أخضر.