د. فيصل عوض حسن

 

أصبح السادس عشر من شهر أكتوبر (تشرين أوَّل)، وهو يوم احتفاء العالم بالغذاء، يَمُر على السُّودانيين دون أن يشعر به أحد، بعدما كان في السابق يوماً استثنائياً لدى السُّودان وأهله، ويندُر أنْ يأتي هذا اليوم دون أن تكون بلادنا حاضرة فيه ومُتحضِّرة له، والعالم كله يذكر السُّودان كأملٍ مُرتجى لتحريك وتنشيط الإنتاج الزراعي، بشقَّيه النَّباتي والحيواني، لدرجة الوصف بـ(سَلَّة الغذاء العالمية).

فقد حَبا الله السُّودان، بمواردٍ طبيعيةٍ عديدةٍ لا يُستهانُ بها، ويسيلُ لها لُعاب العالم أجمع، بدءاً بالأراضي الزراعيَّة الخصبة والصالحة لإنتاج مجموعات محصوليَّة مُتنوِّعة، ما بين محاصيلٍ حقليَّة إلى بُستانيَّة (خُضَرْ وفواكه)، أو مصادر المياه المُختلفة كالأنهار الدائمة والموسميَّة، ومخزوننا الوافر من المياه الجوفيَّة، ومُعدَّلات الأمطار العالية مع تنوُّع المناخ في طول وعرض البلاد. بالإضافة إلى امتلاك السُّودان لأعدادٍ مُقدَّرةٍ من الثروة الحيوانيَّة، بأنواعها المُختلفة كالماشية والإبل والمُجترَّات الصغيرة (أغنام/ماعز)، مع ثروة سمكيَّة هائلة سواء في المياه المالحة أو العذبة. كما يتميَّز السُّودان بأهمَّ عناصر التنميَّة، وهي الموارد البشريَّة الزراعيَّة المُؤهَّلة على مُختلف المُستويات المعرفيَّة والأكاديميَّة، ذات الخبرة والكفاءة المشهودة دولياً وإقليمياً، فضلاً عن موقعه الجُغرافي الاستراتيجي، المُتمثِّل في إطلالته على البحر الأحمر، ورَبطه المُدهش بين الدول الأفريقيَّة والعربيَّة من جهة، وبين دول القرن الأفريقي ووسط أفريقيا وشمالها من جهةٍ ثانية.

ومنذ وقتٍ مُبكِّرٍ انتبه العالم لهذه المُعطيات، وبدأ الاهتمام بالسُّودان وموارده المُتعدِّدة هذه، والتعويل عليها في إنتاج الغذاء، وانعكس هذا الاهتمام في مُسَارَعَة الدول العربية لاتِّخاذ السُّودان مَقَرَّاً، لعددٍ من مُؤسَّساتها التنمويَّة والزراعيَّة والاقتصاديَّة، وضُخَّت أموالاً مُقدَّرة لدعم الاستشارات الفنِّيَّة والمشروعات التنفيذيَّة بنوعيها الإنمائيَّة والاستثماريَّة. وبالفعل، حقَّقت تلك المُؤسَّسات نجاحات مشهودة، خاصةً في سنينها الأولى، أواخر السبعينات وبدايات الثمانينات حتَّى عقد التسعينات، وشاهدنا مشاريعاً رائدةً وضخمة، سواء كانت إنتاجاً نباتياً أو حيوانياً أو تصنيعاً غذائياً، لكنها بدأت تتراجع نتيجة للتجاوُزات الماليَّة والإداريَّة وغياب المُتابعة والمُحاسبة والمُعالجة من جهة، وفساد الجماعة الحاكمة في السُّودان منذ ما يُقارب الثلاثة عقود من جهةٍ ثانية، ولم يَتَبَقَّ من بعض المُؤسَّسات سوى (لافتاتها)، والمُتفوِّقة منها لا تتجاوز إنجازاتها بعض التقارير (الإنشائية)، والمُؤتمرات المُتخمة التي لا ترى توصياتها النور! ولعلَّ أبلغ دليل على انهيار المُؤسَّسات العربية المَعنيَّة بالزراعة، فشلها في إيقاف أو تقليل التزايُد المُضطرد للفجوة الغذائية وبلوغها حدوداً غير مسبوقة، رغم موارد السُّودان الطبيعية والأموال الضخمة المُتاحة لتلك المُؤسَّسات! وكذلك الحال بالنسبة للمُؤسَّسات الزراعيَّة العالميَّة، كالـ(FAO) أو (IFAD) وغيرهما، التي لم تَرْتَقِ إسهاماتها لموارد السُّودان، وانحصرت جهودها في تقديم بعض الاستشارات الفنيَّة (المحدودة)، التي تضاءلت كثيراً وكادت تتوقَّف تماماً الآن، لأكثر من سبب بعضها سياسي وبعضها الآخر اقتصادي/مالي وما إلى ذلك.

مما زاد الأمرُ سوءاً، تَذَبْذُبْ السياسات الزراعيَّة التي انتهجتها الجماعة الحاكمة بالسُّودان، على نحو تغييرهم للتركيبة المحصوليَّة في مشروع الجزيرة، الذي كان أكبر وأنجح المشروعات الزراعيَّة، ليس فقط داخل السُّودان وإنَّما على مُستوى أفريقيا والعالم العربي، ومع هذا قامت الجماعة الحاكمة – في بدايات عهدها – بإيقاف زراعة أصناف القطن المُتميِّزة والمُفضَّلة عالمياً، وزرعوا بدلاً عنها محصول القمح الذي يستحيل إنتاجه بالمُواصفات القياسيَّة العالميَّة لعدم مُواءمة الظروف المناخيَّة، فخسر السُّودان مكانته الطليعيَّة في أسواق القطن الدوليَّة وفشل في إنتاج القمح، ومنها بدأ مشروع الجزيرة تراجُعه المُتواصل، إلى وَجَّهت الجماعة الحاكمة ضربتها القاضية للمشروع، بزراعة أصناف القطن الصينيَّة (المُحوَّرة)، رغم تحذيرات المُتخصِّصين وثبوت آثارها الخطيرة بيئياً وصحياً للإنسان والحيوان على حدٍ سواء! والآن قاموا، بتخصيص مليون فدَّان من مشروع الجزيرة للصينيين، وهي تُعادل نصف مساحة المشروع رغم التزاماتهم المُتلاحقة بإعادته لسيرته الأولى! وتَكَرَّر سيناريو مشروع الجزيرة، في مشرع الرهد الزراعي (ثاني المشروعات القوميَّة المَرْوِيَّة بالسُّودان)، ويسعون هذه الأيَّام لتسليمه رسمياً للصينيين، كما تَراجَعت إنتاجيات وصناعات السُكَّر، رغم النجاحات الكبيرة التي حَقَّقها السُّودان في هذا الصدد، كمصانع كنانة والجنيد وسِنَّار وعسلاية وخشم القربة التي تُعاني ما تُعاني، ومشروع السُكَّر الوحيد الجديد (وهو مصنع سُكَّر النيل الأبيض) وُلِدَ مَيِّتاً، والحديث يطول في هذا الجانب!

ومن جهةٍ ثانية، فَقَدَ السُّودانُ جانباً مُهمَّاً من مزاياه النسبيَّة الزراعيَّة، كمحاصيل الحبوب الزيتيَّة (السمسم وزهرة الشمس والفول السُّوداني والقُوار وبذرة القطن)، وتَراَجَعَت مُساهماتها في الدخل القومي السُّوداني! فبدلاً من تشجيع الدولة لزيادة إنتاجها وتحسين جودتها، فَرَضَ الحاكمون رسوماً وضرائباً تعجيزيَّة مُتعدِّدة على المُنتجين، وأسموها (إيرادات)، قَادَت – في المُحصِّلة – لإخراج أعداد مُقدَّرة من المُنتجين من دائرة الإنتاج، وانهيار أحد الأركان الأساسيَّة للاقتصاد الوطني السُّوداني! كما عَرَّضَ السُّودانُ مزاياه النسبيَّة الحيوانيَّة للخطر، حينما سَمَحَ الحاكمون بتصدير (أُناث) الأغنام/الضأن والإبل، دون دراسةٍ أو مُتابعةٍ أو إشرافٍ من الجهات المعنيَّة بالبلاد، مما يُتيح للمُشترين دراسة صفاتها الوراثيَّة وإنتاج وإكثار السلالات السُّودانيَّة المُميَّزة، ورُبَّما نشهد قريباً خروج السُّودان من السُّوق الدولية للثروة الحيوانيَّة نهائياً، خاصةً مع ارتفاع (كمية) صادراته من هذه الثروة خصماً على (قيمتها)، وبمعنىً آخر عدم مُراعاة قواعد العرض والطلب ومُتطلَّباتهما.

الأخطر من بين هذه التحديات ويتغافله الجميع، هو تَضَاؤُل مصادر المياه السُّودانيَّة، والذي بدأ فعلياً الآن وسيزداد مُستقبلاً ليصل حَدَّ الاختناق، وذلك نتيجة لتلوُّث مصادر المياه السطحيَّة والجوفيَّة، وانعكاسات قيام سد النهضة، وما يترتَّب عليه من تغيير لحِصَص مياه جميع دول حوض النيل، وانضمام دولة جديدة ضمن منظومة هذه الدول كجنوب السُّودان، وإصرار إثيوبيا الكبير على تغيير تلك الحِصَص وعدم التزامها بآلية واضحة لتعبئة وملء سد النهضة، وخُلُو اتفاقياته (المُعْلَنَة) من حجم المياه، بخلاف تأثيراته السالبة على زراعات الجروف وتزايد مُعدَّلات نمو السُكان واحتياجاتهم المائية، ويأتى تَوسُّعَ السُّودان في بيع ورَهْنْ أراضيه للغير ليُعمِّق المُشكلة ويزيدها تعقيداً.

هذه الأمور ساهمت – مُجتمعة – في إضعاف الزراعة السُّودانيَّة، وقَلَّلت من احتمالات تحقيق وبلورة (أُسطُورة سَلَّة الغذاء) إلى واقعٍ ملموس، رغم الضجيج العالي (داخل وخارج السُّودان) عن المشاريع الزراعيَّة المُشتركة والمُقامة فيه، وآخرها ما أُطلق عليه (مُبادرة الأمن الغذائي العربي) التي لم ولن ترى النُّور، استناداً للمُعطيات آنفة الذكر. فنجاح الزراعة السُّودانيَّ، وبالتالي إنتاج الغذاء، لا يتحقَّق بالضجيج والأموال والتصريحات الصحفيَّة المُتضخِّمة، أو الندوات والمُؤتمرات المُتْخَمَة والتقارير المكتبيَّة غير الواقعيَّة، وإنَّما يتحقَّق ذلك عبر الإدارة السليمة والواعية، والقادر على الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية الهائلة جداً التي يحتويها السُّودان، وفقاً لدراساتٍ واقعيةٍ ورصينة، يُجريها ويُشرف عليها مُتخصِّصون في كل المجالات المُرتبطة بإنتاج الغذاء.

الفرصة لا تزال مُواتية لتغيير أوضاع قطاعنا الزراعي وتخفيف الضغط الناجم عن استيراد الغذاء، عبر استراتيجيات واضحة المعالم ترتكز للمِيَز النسبيَّة التي يتمتَّع بها السُّودان، غير أنَّ هذا الهدف لن يتحقَّق إلا عقب تغيير سياسي شامل، يُطيح بالجماعة الإسلاموية الحاكمة، التي (عَمَدَت) لإهدار وتدمير مُقدَّرات السُّودان الزراعيَّة وغيرها، وطَمَسَت جميع معالم المُؤسَّسيَّة والعلميَّة والأخلاق في كافة مناحي الحياة بالبلاد.