ياسر عرمان

المحتويات

  1. الخلفية التاريخية والإطار النظرى للتجديد
  2. ملامح من تكوين الحركة الشعبية فى السودان
  3. الحركة الشعبية والمناخ الوطنى والإقليمي والدولي
  4. العودة الى منصة التكوين ورؤية السودان الجديد
  5. الحركة: التأسيس والمانفستو
  6. مراجعة رؤيتنا: من أين نبدأ ؟
  7. نتائج الممارسة والمتغيرات الجديدة وتجديد الرؤية
  8. إشكاليات قديمة متجددة كيف ننجح فى حلها
  9. الرؤية من الشعار الى البرنامج
  10. الكفاح المسلح ورؤية السودان الجديد
  11. رهق المسافات الطويلة والكفاح المسلح: كلفة حروب الريف
  12. الكفاح المسلح وسلبيات العلاقة مع الخارج
  13. الكِفاح المسلح وبناء الكتلة التأريخية و التحالفات
  14. التحالفات الإستراتيجية وبناء حركة جديدة
  15. الإنتقال السلس من الكفاح المسلح الى السلمى
  16. حق تقرير المصير ورؤية السودان الجديد
  17. الإضطهاد القومى و الإستغلال الطبقي: الإبصار بعينين
  18. التهميش كحزمة متكاملة
  19. هل الهامش والمركز كتلة صماء؟
  20. خصوصيات مناطق الهامش وعلاقتها بالمركز
  21. تجارة الرق، العنصرية، البناء الوطنى و كتابة التأريخ
  22. الصوفية التسامح والتعايش – المسيحية والديانات الافريقية
  23. الديمقراطية وحقوق الإنسان
  24. الديمقراطية الداخلية وانتخاب القيادة
  25. حركة إصلاحية أم ثورية
  26. حركة حقوق مدنية ديمقراطية فى المدن
  27. إتفاقيات السلام والإندماج فى النظام القديم
  28. حركات التحرر: تراجع الأحلام الكبيرة
  29. إنفصال جنوب السودان والإتحاد بين بلدين مستقلين
  30. الإطار التنظيمى الجديد
  31. لماذا لم يتمكن تنظيمنا من تغيير المركز
  32. قضايا التنظيم والممارسة التأريخية
  33. حقوق المواطنة المتساوية و حقوق العضوية المتساوية
  34. الإنتاج الفكري و الثقافى
  35. النساء
  36. الطلاب
  37. الشباب
  38. وسائل وأشكال جديدة للبناء والتنظيم
  39. الإنفتاح على قوى الإستنارة و التقدم
  40. الكتلة التأريخية و شكلها التنظيمى
  41. عمل أجهزة الأمن و مهام البناء التنظيمى
  42. ظاهرة الإنشقاقات
  43. الخط التنظيمى الثوري
  44. خاتمة : قرنق والسباحة فى بحر من المتناقضات

 

يجب أن لا نُخفى شيئاً عن جماهير شعبنا وأن لا نُكذب، بل نفضح الأكاذيب أينما قيلت، و لا نضع قناعاً على المشاكل التى تواجهنا والأخطاء التى نرتكبها وعلي الفشل الذى يلحق بنا، وأن لا ندّعى إن الإنتصار سيكون سهلاً“.

 

علينا أن نضع نصب أعيننا وفى أذهأننا أن الناس لا يحاربون من أجل الأفكار التى فى مخيلتنا، بل يحاربون للحصول على مصالح مادية من أجل حياة أفضل ومن أجل السلام وأن تمضى حياتهم للأحسن ومن أجل مستقبل أبنائهم

 

رؤية السودان الجديد أمام خيارين إما أن تتطور وتصعد نحو آفاق جديدة أو تتجمد وتنزوى فى عالم متغير على مدار الساعة، وعلينا اليوم أن نضع كامل تجربتنا وحركتنا تحت مبضع النقد والتقييم والإستعداد للإنفتاح على الجديد وتصحيح أخطائنا” .

 

الخلفية التأريخية والإطار النظرى للتجديد

 

نشأت الحركة الشعبية فى ١٦ مايو ١٩٨٣ كحركة تقدمية، فى سياق حركات التحرر الوطنى. ومنذ البداية عمل مؤسسها (الدكتورجون قرنق دى مبيور) لتطويرها والإنتقال بها لتجمع بين قضايا الإضطهاد القومي والقضايا الطبقية. تكمن قوة الحركة الشعبية لتحرير السودان الحقيقية فى رؤيتها الفكرية والسياسية والتى عرفت ب (رؤية السودان الجديد)، وقد استطاعت أن تستأثر بأفئدة الملايين من السودانيات والسودانيين من كافة القوميات والجغرافيا وشكلت أساساً لبناء حركة تحرر وطني ديمقراطي تنهض ببلادنا وتوفر عملية جديدة للبناء الوطنى والتشكل القومى، وتحقق الوحدة فى التنوع والقبول بالآخر مع اخذ الوقائع التاريخية والمعاصرة فى الحسبان، وأن تكون المواطنة والمساواة فى الحقوق والواجبات أساس الرفقة الوطنية المشتركة.

 

تستجيب رؤية السودان الجديد لتحديات الواقع السوداني و ذات إمتداد إنساني عالمي، وأقلعت من محطة مغايرة وتشخيص مختلف ومتميز لمشكلة جنوب السودان بإعتبارها (مشكلة السودان) وليس ما يسمي (بمشكلة الجنوب)، وبالتالي فإن الحل يكمن فى تغيير مركز السلطة وسياساته. كما طرحت الوحدة بديلاً للإنفصال وأكدت أن قضايا الهامش لا تحل إلا بتغيير سياسات المركز. وهذا البعد الإستراتيجيي من أساسيات هذه الرؤية، وإن تم إغفاله عن عمد فى اوقات عديدة مع سبق الإصرار و الترصد.

فى عام ١٩٨٣ كانت بلادنا عطشى للجديد، وأى جديد ذلك الذى خاطب أكبر معضلاتها وأى صوت وأى طيف زار خيالنا ذلك العام ولا يزال يطوف من حولنا، وقد أتى ذلك الصوت من جنوب السودان وما أدراك ما جنوب السودان!

دعى ذلك الصوت لوحدة السودان فى نسق مغاير لطرح الحركة السياسية فى جنوب السودان التى كانت تنادى بالإنفصال. لقد كان ذلك الصوت بحق صوت متفرد فى دنيا السياسة فى جنوب السودان والسودان معاً. كانت دعوة قرنق لتوحيد السودان فتحاً فكرياً وسياسياً جديداً بالنظر لتاريخ العلاقات المعقد والمتشابك بين شماله وجنوبه.

تجاوزت تلك الرؤية كافة الأفكار والأطروحات السائدة آنذاك، ولم يتوقف قرنق عند ذلك بل دعى للعدالة الإجتماعية والى سودان جديد موحد ديمقراطى علمانى بل وإشتراكى كما ورد فى المنافستو الاول للحركة الشعبية.

جذبت هذه الرؤية العظيمة أنتباه ملايين السودانيين وهزت منذ يومها الأول ساكن الحياة السياسية داخل وخارج السودان لاسيما إفريقيّاً، وكانت متسقة مع الدعوة لوحدة إفريقيا، وقد لازم دعوته بالعمل والتضحيات والشهداء، ولبى آلاف الشباب نداء العمل المسلح والتحقوا بالحركة والجيش الشعبى لتحرير السودان.

إتسمت الرؤية بمميزات تخطت بها إرث الحركة السياسية الجنوبية التى إستندت على ما يمكن أن نطلق عليه ثنائيات “المثلث الكولنيالى” (شمال/ جنوب، مسيحية / إسلام ،عرب/ افارقة)، حيث دفع العقل السياسى الكولنيالى بأطروحة أن الجنوب المسيحى الإفريقى لايمكن أن يلتقى بالشمال العربى المسلم مستنداً على التعقيدات التاريخية وممارسات نخب المركز. رسّخت وكالات الأنباء الغربية طوال سنوات الحرب (١٩٨٣ – ٢٠٠٥) من ذلك المفهوم الكولنيالي، فقد كانت تورد بشكل ثابت فى تقاريرها عبارة ” الجنوب المسيحي الإفريقي الذى يحارب الشمال العربي المسلم”، رغم إنضمام آلاف الشماليين والمسلمين للحركة التى توصف بأنها جنوبية.

وهكذا ولأول مرة منذ استقلال السودان إنفتح الطريق أمام الجنوبيين والشماليين للنضال سوياً وبناء منبر سياسي موحد جسدته الحركة الشعبية لتحرير السودان. وكما هو متوقع، واجه هذا المنبر الجديد كل تناقضات التاريخ والجغرافيا والإثنيات والسياسة والتحديات الفكرية والعملية وعداء مركز السلطة الذى هو على إستعداد لفعل كل شئ لمحاربتها، وقد مثلت أكبر تحدٍ واجهه المركز طوال تاريخه. ومن اللافت للإنتباه إن المركز ظل يستخدم نفس مفاهيم العقل الكولنيالي لتقسيم السودانيين بما فى ذلك سياسة “فرق تسد” الكولنيالية. وإزدادت التحديات بتحالف القوميين الجنوبيين مع مركز السلطة موضوعيا أو مباشرة، حيث تعاون لاحقاً القوميين الجنوبيين ممثلين فى حركة (انانيا ٢) مع المركز وخاضوا حروباً مشتركة ضد الجيش الشعبى، كما إستمروا على مستوى قيادة وقواعد الحركة الشعبية مرتابين من الرؤية الجديدة، وعلى وجه الخصوص الدعوة لوحدة السودان والعلاقة مع المعسكر الإشتراكى وإنضمام الشماليين الى الحركة.

إرتياب وتشكك القوميين الجنوبيين لهما اسباب تاريخية، فهما نتاج عملية سياسية طويلة منذ بداية القرن الماضي وربما قبلها أدت فى نهاية المطاف الى تشكل الوعى السياسي فى جنوب السودان على يدهم؛ حتى أنتهوا فى اغسطس ١٩٥٥ بإعلان الكفاح المسلح تحت رأية حركة (الأنانيا الأولى) التى إنتهت بإتفاق أديس

أبابا 1972.

فى السياق التأريخي العام للصراع السياسى فى السودان فإن حركة “الأنانيا الأولى” فى الجنوب لعبت الدور الذى مثله مؤتمر الخريجين فى الشمال، حيث أستطاعت تحت قيادة القوميين الجنوبيين من تشكيل المجرى الرئيسي للحركة السياسية الجنوبية التى أتخذت من الكفاح المسلح أداة رئيسية لإنتزاع حقوقها من حكومات الخرطوم. ولأن حركة القوميين الجنوبيين بنت رؤيتها على أساس المثلث الكولونيالي آنف الذكر، فقد أغرقت الرؤية الجديدة فى حروب فكرية وسياسية ومواجهات على الأرض وفى الميدان وهكذا إتحدت مختلف الأطراف ضد الرؤية الجديدة . بالرغم من أن الحركة الشعبية لم تنشأ فى الأصل كحركة سياسية تقدمية جماهيرية واعتمدت حلقاتها الأولى على القوميين الجنوبيين فى القوات المسلحة السودانية المستوعبيين من حركة الأنانيا الأولى بجانب الذين أنضووا تحت لوائها من حركة أنانيا الثانية بتركيبتها الصعبة، إلا أن رؤية السودان الجديد وفرت لها سلاحاً جديداً ذو مضاءة وكفاءة.

تعتبر رؤية السودان الجديد واحدة من أهم الرؤى السياسية إن لم تكن أهمها فى سودان القرن الماضى والحالي، وتمتّع منظّرها وقائدها بميزات قلّ أن تجتمع فى شخص واحد، فهو مقاتل من طراز حقيقى ومفكر تقدمى أنتمى للمدارس الأكثر جذرية فى حركة “البان أفريكانزيم”، كما تحصل على تعليم أكاديمى وعسكرى رفيع بجانب أنه ينحدر من مجموعة إجتماعية ذات قاعدة عريضة، وأتيح له الإحتكاك بحركات تقدمية فى فترة تواجده بتنزانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وتمتع “بكاريزما” القيادة وحس مطبوع بالفكاهة وخفة الظل. يضاف الى كل ذلك أن الظرف التاريخى لطرح الرؤية تزامن مع إشتعال غضب جماهيرى واسع فى السودان؛ خاصة فى الجنوب نتيجة لسياسات نظام جعفر نميرى. وكانت هناك حاجة ماسة على مستوى السودان لرؤية ثاقبة لحل ما سمّي “مشكلة جنوب السودان“.

 

كان قرنق مستعدا فكرياً وسياسياً ونفسياً ومصمماً على خوض التجربة الجديدة الى نهاياتها ووظف فى ذلك مناخ إقليمي ودولي ملائم. كما إنفتح بالحركة السياسية الجنوبية بشكلها الجديد على كل السودان، ورويداً وجد إستجابة من أجزاء مهمة فى هامش السودان الشمالي، ومحدودة فى المركز النيلى من بعض المثقفين التقدميين والديمقراطيين وقوى الإستنارة . و بالرغم من هذه الأستجابة المحدودة لم يستسلم.

فى بداية عقد التسعينات وفى ظل مناخ إقليمي ودولي متغير كانت أبرز معالمه سقوط نظام “منقستو هايلمريام” الداعم الإقليمي الرئيسي للحركة الشعبية، وفشل رهان قرنق على الفئات الجديدة من المثقفين الجنوبيين ذوى التأهيل الأكاديمي العالى فى قيادة الحركة، كما أنه لم يجد إستجابة كبيرة من قوى التقدم والإستنارة فى الشمال، ومع إختلال موازين القوى خارجيا أسهم كل ذلك فى إنسداد أفق القوميين الجنوبيين الذين عرّضوا الحركة لإنقسام خطير فى أغسطس ١٩٩١ كاد أن يقضى عليها وهى تخوض حرباً فى مواجهة إنقلاب عسكرى رجعى وفاشى فى مركز السلطة جسّد مصالح الراسمالية الطفيلية التى تستخدم الدين مطية لأغراض سياسية دنيوية محضة. تحالف القوميين الجنوبيين مع هذه القوى الرجعية بعد أن رفعوا فوق أسنة الرماح شعارات الإصلاح الديمقراطى وتبنوا حق تقرير المصير داخل الحركة الشعبية (وما أشبه الليلة بالبارحة). وهكذا وجد المركز، الذى يعرف القوميين الجنوبيين جيداً، فرصة سانحة لضرب الحركة الشعبية وتحالف معهم على الأرض وقاتلا سوياً فى الميدان ضد الخط الوحدوى الذى قاده قرنق. إلا أن قرنق بقدراته الفذة قاوم ذلك الإنقلاب وكان يدرك أهمية القوميين الجنوبيين الذين يشكلون قوة ضخمة فى صفوف الحركة ومقاتليها لذلك حاول أن يوائم بين الإحتفاظ بالقوميين الجنوبيين، وتكييف رؤية السودان الجديد مع الأوضاع الجديدة دون أن يترك دعوته لوحدة السودان وأصبح يتحدث عن الأسس الجديدة لها، وبناء سودان ديمقراطي علماني موحد وجديد على أساس القبول بحق تقرير المصير، ولاحقاً تحدث عن الوحدة الجاذبة. وكانت تلك هى المرة الأولي بعد تسع سنوات منذ نشأة الحركة أن أطلقت فيها هدفين مزدوجين لا هدفاً واحداً، بعد أن كانت تدعو لوحدة السودان وأصبحت تدعو لحق تقرير المصير ووحدة السودان. هذه الإزدواجية كان لها الأثر العميق على الحركة وعلى السودان وترتبت عليها نتائج وتداعيات خطيرة لاسيما بعد أن غُيّب قرنق عن المشهد السياسى.

أدى إنقلاب أغسطس ١٩٩١ الى إهتزاز على مستوى الرؤية والتركيبة الداخلية للحركة وبروز تيارات قبلية وقوى رجعية هددت وجود الحركة ورؤيتها، وصحب ذلك صحوة قوية للقوميين الجنوبيين فى جناحي الحركة الشعبية بقيادة قرنق مبيور ورياك مشار. مع ذلك إستمر الدكتور جون قرنق فى ملامسة آفاق جديدة للتقدم للأمام وعقد تحالفات واسعة مع قوى المعارضة فى كافة أنحاء السودان، وواصل النضال ضد مركز السلطة كخصم رئيسي حتى توّجت مجهوداته أخيرا بالوصول الى قوى إجتماعية جديدة من مهمشى المدن والريف تشكّل وعيها بمشروع السودان الجديد عبر سنوات الحرب، والتقى قرنق بهذه القوى الهائلة عياناً بياناً فى الساحة الخضراء يوم الجمعة ٨ يوليو ٢٠٠٥. كان ذلك حدثاً فريداً فى تاريخ السودان منذ استقلاله، وكم كان رائعا أن التقى قرنق ذلك الحشد التأريخى من المؤيدين لدعوته قبل رحيله الفاجع، فهو بحق قائد تلك الملايين من الفقراء والمقهورين.

جاء حشد الساحة الخضراء كنقلة نوعية، إذ لأول مرة إنتقل قرنق من حروب الريف التى شكل عقلها السياسي وقاعدتها الإجتماعية القوميون الجنوبيين، الى جماهير المدن التى تنتمى الى كل أنحاء السودان وهى أشد مراساً فى التعامل مع مركز السلطة كما أنها الأقرب اليه من حبل الوريد.

عند تلك اللحظة التأريخية الفارقة كان قرنق والذين آمنو برؤيته “من الغرباء” على أعتاب تشكيل حلف إستراتيجى جديد من جماهير الريف والمدن والإنتقال الى مرحلة نوعية مختلفة. وقتها، كانت الإمكانيات والموارد البشرية متوفرة لقرنق وهذا هو سر تنظيمه للحركة الشعبية فى قطاعين (جنوبى وشمالى). وإمتلك تصوراً واضحاً فى كيفية بناء الحركة وإستيعاب القوى الإجتماعية الجديدة ودمج القوتين، التى حاربت معه والتى إلتقى بها فى الساحة الخضراء، الى حين عقد المؤتمر الثانى للحركة، بعد أن يرفع قدرات القوى الجديدة وينظمها. وقد ناقش معى هذا التصور بالتفصيل حينما قدمت له تقريراً حول العمل السياسى فى مكتبه بمجلس الوزراء بالخرطوم فى يوليو2005 فى حضور الرفيق نيال دينق نيال الذى قاد وفد المقدمة. فالقطاع الجنوبى شكّل قاعدة الحركة التى خاضت الحرب فى ريف السودان بما فى ذلك جبال النوبة والنيل الأزرق وقد ضم قرنق المنطقتين الي القطاع الجنوبي حتي يبتعد من المفهوم التقليدي لتقسيم السودان شمالا وجنوبا وان يبرز الجانب السياسي من التقسيم علي أساس القوى التي خاضت الحرب والقوى الجديدة التي التقى بها في الساحة الخضراء، فقطاع الشمال يضم القوى الجديدة ومعظمها من جماهير المدن التى مثلها من ألتقوا به فى الساحة الخضراء. وبذلك التطور أصبحت الحركة أقرب الى تغيير بنية السلطة من خلال عمل سلمى وديمقراطى مدنى، وخلفها جيشها الذى أحتفظت به من خلال إتفاقية السلام الشامل (يناير ٢٠٠٥). كان من المؤكد أن يكون لهذا التصور الجديد تأثير على رؤيتها وإستخدامها لسلطة الدولة لتنفيذ برنامج إصلاحات واسع لمصلحة الجماهير العريضة بتنفيذ إتفاقية السلام فى ظل توازن قوى مختلف.

كان هذا التحالف بين فقراء المدن والريف والمثقفين الثوريين سيشكل القوة الفعلية لبناء حركة ديمقراطية تقدمية على نسق جديد بيدها جيش سياسى وعسكرى فى مواجهة فاشية الإسلام السياسى. فى تلك اللحظة المفصلية تم تغيّيب “المايسترو” عن المسرح السياسي.

غاب قرنق، لكن المهمة التى كان على أعتاب إنجازها لاتزال قائمة وواجبة الإنجاز. ولذلك لابد من إيجاد صيغ جديدة للوصول لذلك التحالف. وطالما إن نيران التهميش مشتعلة والمهمشين موجودين فإن تلك المهمة هى واجب الساعة. ولأننا نؤمن بجدوى وفاعلية ذلك التحالف الذى عبر عن نفسه فى الساحة الخضراء لذلك كان موقفنا ضد تصفية الحركة الشعبية فى السودان بعد إنفصال الجنوب. ولأن قاعدة التأييد الشعبى للرؤية قائمة وحيّة تمكّنت الحركة بالفعل من اعادة تجميع صفوفها فى السودان لتواصل مسيرتها. إن قضية التجديد أمر حيوي لبناء الحركة؛ واذا أردنا المضئ الي الامام علينا أن لا ننسي واجب التجديد. وهذه الأيام إنفتحت شهية الذين يحلمون بتصفية الحركة الشعبية والقوى التقديمة أكثر من أى وقت مضى.

 

ملامح من تكوين الحركة الشعبية فى السودان

 

صعدت الحركة الشعبية لأعلى مراقيها فى العمل السياسى فى الساحة الخضراء. إن تلك النقلة النوعية التى وصلت اليها والإمكانيات التى ذخرت بها للتغيير تجعل من الضرورة أن تبدأ عملها السياسى فى السودان بما وصلت اليه فى الساحة الخضراء، وما أعقبها من عمل فى كل ولايات السودان، وليس من تجاربها السابقة فى الحرب الأولى (١٩٨٣ -2005 ) وحدها. مما يجدر ذكره، أن الحركة الشعبية هى التنظيم الوحيد الذى إنتزع الفوز الإنتخابي بولاية خارج قبضة المؤتمر الوطنى ونظامه الإنتخابي المشوه وهي النيل الازرق، كما خاضت معركة إنتخابية متميزة فى جنوب كردفان/جبال النوبة ٢٠١١. يضاف الى كل ذلك إن رصيدها الضخم فى الإنتخابات الرئاسية فى ٢٠١٠ (حملة الأمل والتغيير) مثّل تهديداً فعلياً للمؤتمر الوطنى. كل هذه التجارب مضافاً إليها انتشار الحركة الشعبية فى مدن وريف السودان، وعملها السياسى الواسع فى الفترة الإنتقالية وإنضمام مئات الآلاف لصفوفها يؤهلها أن تبداء من نقاطها المتقدمة وأن لا تتراجع الى حركة إقليمية إثنية وتقزّم نفسها فى ظل إحتياج حقيقى لدورها وسط حلفائها الإستراتيجيين لتحقيق السودان الجديد.

عملية التجديد التى نحن بصددها يجب أن تضع نصب أعينها تجاربنا التى اشرنا إليها آنفاً مع تجارب الست سنوات الماضية التى أثبتت أن الحركة الشعبية – وبعد إنفصال الجنوب – ظلت عصيّة على الإنكسار وأبدت إمكانيات سياسية وعسكرية يعتدّ بها، ولم يهددها إلا إنقلاب مارس 2107 الذى خدم مصالح المركز أكثر من ما خدمت المركز بنادقه وسلاح طيرانه، رغم إن الدعاية التى صحبته قامت على الإدعاء بأنه قام لهزيمة المركز.

 

تكونت الحركة الشعبية فى السودان من ثلاث مجموعات فى ١٠ أبريل ٢٠١١ وهى، القطاع الشمالي وجنوب كردفان /جبال النوبة والنيل الأزرق. لم تلتق قيادة هذه المكونات إلا بعد إعلان نتيجة الإستفتاء على حق تقرير المصير فى الجنوب وبعد خطاب البشير فى مدينة القضارف (ما عرف بخطاب الدغمسة). تلى ذلك أن عَقد قادتها مؤتمر صحفى فى الخرطوم توج بإتفاق وإعلان عن ميلاد الحركة الشعبية فى السودان، وتم تكوين قيادة إنتقالية من المكونات الثلاث ويظل تطوير وإحترام توازن العلاقة بين المجموعات الثلاث لبناء حركة عضوية امراً لاغني عنه، وتم الإعلان عن لجنة لكتابة (المانفستو) الجديد والدستور، وبدأت خطوات فك الإرتباط مع الحركة الشعبية فى الجنوب سياسيا؛ وعسكرياً وإداريا، التى إكتملت لاحقاً.

بهويتها الجديدة وكحركة مستقلة بذاتها بدأت فى تعميق علاقاتها مع القوى السياسية والمجتمع المدنى والإقليم والعالم الخارجى فى وسط حملة شرسة من الحكومة وحزبها لتأليب الرأى العام ضدها والتمهيد لتصفيتها. فى وجه تلك المحاولة صمدت قيادتها ونفذت خطة مدروسة داخلياً وخارجياً لتثبيت جذورها فى أرض السودان، وإستطاعت فى زمن وجيز ان تشكل تحديا جديا للمؤتمر الوطني، وحولت إنتخابات جنوب كردفان /جبال النوبة الى معركة وطنية حيث توحدت معظم قوى المعارضة فى كفة ونظام المؤتمر الوطنى فى كفة أخرى. أيضاً تمكنت من تثبيت حكمها فى النيل الأزرق كإقليم وحيد خارج سيطرة نظام المؤتمر الوطني. و هكذا بدأت الحركة بداية فريدة فهى التنظيم السياسي الوحيد فى السودان وربما إفريقيا الذى له جذور تاريخية عميقة فى بلدين، وهذا الوضع يمكنها من تقديم مساهمة فعلية فى تطويرعلاقات إستراتيجية بين دولتى السودان قائمة على توازن المصالح.

 

فى نشأتها الجديدة إعتمدت الحركة الشعبية على مايزيد من فرقتين عسكريتين فى المنطقتين وهى بداية لم تتاح لأى حركة ناشئة. إمتلكت الحركة منذ بداية تأسيسها رؤية وجيش سياسى وعسكرى وعلاقات داخلية وخارجية مع قوى مهمة، وبدأت منذ إنطلاقتها كحزب جماهيرى ببنية تحتية مكتملة فى كل ولايات السودان. بهذه الميزات أصبحت الحركة أحد المهددات الرئيسية لنظام المؤتمر الوطني، ولذلك كانت – ولا تزال – المؤامرة ضدها داخلية وخارجية.

يضاف الى ذلك نجاح الحركة فى بناء تحالفات سياسية وعسكرية خارج المنطقتين. وأصبح لها جبهة سياسية وعسكرية عريضة ضد النظام جعلت من هزيمتها أمرا بعيد المنال. وكنتيجة لتلك الجهود الكبيرة تمكنت الحركة من توسيع جبهة المواجهة السياسية والعسكرية و إستطاعت أن تحرر مناطق أكبر من بلجيكا وغامبيا، وسيطرت على قطاع واسع من الحدود الدولية بين السودان ودولتى جنوب السودان وإثيوبيا.

وعلى الرغم من تدهور الوضع الإقليمي إلا أن الحركة حافظت على مناطقها المحررة وإستطاعت أن تحصل – بعد عمل دبلوماسي نوعى كبير ومتفرد – على قرار من مجلس الأمن هو بمثابة قانون دولى لمصلحتها كآخر القرارات التى تمت بموافقة روسيا والصين حول السودان وهو القرار ٢٠٤٦ حيث ذكر فيه إسم الحركة الشعبية بالنص مما أعطاها إعتراف دولى داوٍ.

 

وفى إطار حملتها للتعريف بقضية الشعب السودانى تمكنت من أن تجد موطئ قدم إقليمى وتوسعت علاقاتها إفريقيا ودوليا وتمت للمرة الأولى زيارة بلدان مثل كندا والبلدان الإسكندنافية وفتحت مكاتبها فى أكثر من ٢٢ بلداً. كما كسبت الحركة ايضاً أراضى سياسية جديدة عبر التفاوض بعد ان نجحت فى الربط بين قضايا المنطقتين وضرورة إحداث تغيير فى المركز والوصول الى حل شامل لا يهمل قضايا المنطقتين التى لن تحل فى كادوقلى او الدمازين، إنما بإجراءات جوهرية فى مركز السلطة فى الخرطوم. أيضاً استطاعت الحركة تدريجياً من بناء مؤسسات سياسية وإنسانية وعسكرية كان يمكن أن يتم البناء عليها وتطويرها لخدمة أهدافها بصورة أفضل فى المستقبل.

 

تمت كل تلك الجهود فى ظل مؤامرات النظام وضغوط المجتمع الدولى الذى لم يرض بأن تتصرف الحركة الشعبية بإستقلالية ورفضت أن ترضخ للضغوط وطرحت برنامج السودان الجديد كبرنامج وحيد دون التأرجح بين حق تقرير المصير والإنفصال كما حدث فى الماضى، وهى أحد أهم القضايا التى شجعت بسببها قوى خارجية الإنقلاب الذى قاده نائب الرئيس. فقد إتضح جلياً إن برنامج السودان الجديد القائم على وحدة السودان يقلق قوى هامة فى الداخل والخارج رأت إن ملامح الحركة الشعبية ونضجها السياسى قد أصبح يتبلور فى التمسك برؤية السودان الجديد كخيار وحيد.

يضاف الى كل ذلك ربط الحركة لقضايا المنطقتين بالحل الشامل فى (١٥) جولة من التفاوض. كما لعبت أدواراً رئيسية فى بناء التحالفات إبتداءً من الجبهة الثورية والفجر الجديد ونداء السودان، وبرز جيل جديد من القيادات السياسية والعسكرية ووفد تفاوضى متماسك واضح الرؤية إستعان بخبراء من كافة القوى الوطنية والديمقراطية والمبدعين. كما مدت الحركة يدها لبعض الإسلاميين الذين أبدوا رغبتهم فى التغيير، ومن المثير للإنتباه أن أحد قادتهم المطلعين على خبايا النظام ذكر لنا أن الحركة سيكون لها شأن كبير إذا حافظت على رؤيتها ووحدة قيادتها. وهكذا أضحت الحركة الشعبية قوة رئيسية فى السياسة السودانية.

 

بجانب الجهود السياسية والدبلوماسية فى الإقليم ومع المجتمع الدولى إستطاعت قيادة الحركة وعبر تأثير مهم فى السياسات الداخلية لبعض البلدان المانحة من توفير الطعام للنازحيين الداخليين فى المنطقتين عبر مجهود تضامنى فى داخل تلك البلدان من شخصيات مهمة قامت بالضغط على حكوماتها بعد أن رفضت الحكومة السودانية على مدى ست سنوات التوصل لإتفاق إنسانى. شكلت تلك المجهودات مجتمعة إنتصاراً ضخما فى ظل ظروف اقليمية ودولية بالغة التعقيد وأصبح من الواضح إن الحركة سوف تصل الى أهدافها مع كل القوى الوطنية وسيتمكن شعبنا من تحقيق التغيير وإن الأمر لم يعد سوى مجرد وقت.

وصل عمل الحركة الدبلوماسى الى قمته بإطلاق سراح أسرى الحرب عبر حدود بلدين من بلدان الجوار الإقليمي، كما تمكنت الحركة من قبل من إطلاق سراح العمال والفنيين الصينيين عبر عملية مباشرة أطرافها الصين والحركة الشعبية والصليب الأحمر فى مواجهة رفض من النظام الذى رضخ للضغوط الصينية، وتلقت قيادة الحركة رسالة شكر نادرة من قيادة الحزب الشيوعى الصينى. وهكذا أصبحت الحركة الشعبية قوة مهمة لإنجاز أهداف السودانيين فى التحرر والسلام العادل والمواطنة المتساوية والديمقراطية.

 

بعد ست سنوات فشلت فيها الحرب فى كسر شوكة الحركة إنتهت المآرب فى تقسيمها الى ضرب وحدتها من داخلها فى أعلى مؤسساتها القيادية، إختار نائب الرئيس توقيتاً كارثياً، ولم يكن مصادفة! وعمل على تقسيمها بعد أن ظل على مدى عامين خارج المناطق المحررة رافضا المساهمة الفعلية فى العمل السياسى والعسكرى والإمداد، وتقدم باستقالته ثلاث مرات وأعتقد – فى فترة وجوده فى الخارج – بعد إندلاع الحرب الأهلية فى جنوب السودان أن الحركة سيتم هزيمتها وسوف يبرئ نفسه من تلك الهزيمة. يشار أيضاً الى قيامه بزيارة خارجية أصبح يتحدث بعدها عن تقسيم السودان الى خمسة دول ويثير قضايا الإثنية فى داخل التنظيم مستلفاً كل أسلحة أعداء الحركة الشعبية ورؤية القوميين الإثنيين. ومضى أكثر من ذلك وقام بتقسيم القبائل فى المنطقتين خاصة فى جبال النوبة مستعيناً بالذين فشلوا فى تقسيم الحركة بالأمس. مؤخراً ذكر فى لقائه مع جريدة التيار بأن السودان إما أن يتجدد او يتبدد، وما أغفله عمداً إن ما قام به من تقسيم للحركة يقع فى إطار التبديد، وأن الحركة الشعبية وجدت لتحقق التجديد. وهكذا تطابق موقفه مع المركز فالإثنان يعملان للتبديد، وان نائب الرئيس السابق حينما يدفع فى اتجاه التبديد فهو متحالف مع “جلابة” المركز من حيث لا يحتسب، بينما يعمل دعاة السودان الجديد لمقاومة التبديد ولتغيير إتجاه السودان نحو التجديد.

لقد بٌذلت كل الجهود لتجنب تمزيق الحركة بما فى ذلك تنازل القيادة السياسية الحالية عن قيادة الحركة، وإختيار قيادة من الجيل الجديد للحفاظ على وحدة الحركة وتأسيس تقاليد التبادل السلمى للسلطة. ربما كانت تلك هي المرة الاولي فى تاريخ حركات الكفاح المسلح أن يتنازل قادتها طوعا عن مواقعهم لصيانة وحدة تنظيمهم، ولعله من المفيد أن نذكر أن قرار التنازل عن القيادة وتسليمها لجيل جديد تم عرضه على الرفاق (جقود مكوار، أحمد العمدة وأنور الحاج) فى سبتمبر ٢٠١٦، قبل أن تخرج الأزمة الى العلن فى مارس ٢٠١٧، لكن رغم كل تلك الجهود أصر نائب الرئيس على تمزيق صفوف الحركة. المؤسف فى ذلك أن الإنقلاب صاحبته دعاية مكثفة بأن الرئيس والأمين العام يريدان تصفية الجيش الشعبى. كانت هذه فرية لا تقف على قدمين؛ فالرئيس والأمين العام هما من بناة الجيش الشعبى وحافظا عليه طوال ست سنوات، وقد كان الغرض من تلك الدعاية هو التأثير على موقف الجيش الشعبى الذى وقف ضد الإنقلاب من مارس الى مايو ٢٠١٧، لاسيما فى جبال النوبة. سنتناول قضية الجيش بالتفصيل. فى حقيقة الأمر فرئيس الحركة ونائب الرئيس وأمينها العام هم من طالب بالإحتفاظ بالجيش خلال مرحلتين، الاولى هى تنفيذ الإتفاق الذى ربما نتوصل اليه، وهذه يتوقع أن تمتد على الأقل لخمس سنوات، والأخرى هى بناء جيش سودانى جديد بإعادة هيكله الجيش الحالى وحل المليشيات شريطة أن يعكس الجيش الجديد تركيبة المجتمع السودانى وأن يكون مهنياً وغير مسيس وان يتم ذلك بتجريد المؤتمر الوطنى – كأكبر حزب مسلح – من سلاحه. وستستغرق المرحلة من عشرة الى خمسة عشر سنة، يتم الإحتفاظ أثنائها بالجيش الشعبى مضافة الى الخمسة سنوات السابقة. تم عرض هذه المبادئ فى آخر جولة للتفاوض فى أغسطس ٢٠١٦ ورفضها النظام، رغم ذلك حاول نائب الرئيس إستخدامها فى دعايته لكسب الجيش الشعبى الى جانبه متعمداً تزوير الحقائق، وسيكشف المستقبل إن كان بإمكانه الحصول على أفضل من ذلك. إن هيكلة القطاع الأمنى وبناء مؤسسات مهنية لمصلحة جميع السودانيين ستأخذ على الاقل ١٥ عاما أو أكثر من واقع طرحنا، حور نائب الرئيس السابق ذلك المقترح ووصفه بالذي يرمي الى تصفية الجيش الشعبى على الرغم من موافقته عليه حينما تم التشاور معه سابقاً.

 

الحركة الشعبية والمناخ الوطنى والإقليمى والدولى

 

قاد تحكم الفاشية الإسلاموية على مدى ما يقارب ثلاثة عقود وتدميرها المنهجي للنسيج الإجتماعي والوطني والسياسي، وتخريب بنية المؤسسات الوطنية والإنتاجية، وإفقار الملايين من سكان الريف و المدن، وإضمحلال الطبقة الوسطى، وملايين النازحين واللاجئين، وترييف المدن، وإحلال الرأسمالية الطفيلية محل المنتجة، والإستعاضة عن غالب الطبقة الوسطى بطبقة المستفيدين من الرأسمالية الطفيلية، وعسكرة المجتمع، وبناء أجهزة الأمن المتضخمة، وانتشار العطالة وسط الشباب ، والفساد وتخريب المؤسسات الخدمية خصوصا التعليم والصحة، وإحتكار المال والسلاح والإعلام، والتزييف الممنهج والتشويه المتعمد لوعى المواطن، وسياسة التمكين فى مؤسسات الدولة، والدفع بالتناقضات الإثنية والدينية والقبلية كأداة من أدوات السيطرة وسياسة فرق تسد، قاد كل ذلك الى خلق واقع موضوعى للتشقاقات التى ضربت بنية المجتمع السياسى والمدنى. شملت الإنقسامات كظاهرة أغلب مناحى المجتمع وبنيته السياسية والمدنية والإجتماعية، حتى انقلب السحر على الساحر وضربت الإنقسامات السياسية الحركة الإسلامية نفسها وحزبها الحاكم. ترافق وتزامن كل ذلك مع إنحدار خطاب النظام الى درجة متدنّية، هذا على الصعيد الوطني.

أما على المستوى الإقليمي والدولي شهد العالم صعود الخطاب القومي والأثني والشعبوي والدينى والمحافظ ضيق الأفق الناتج عن الراسمالية المتوحشة والليبرالية الجديدة، وقسوة إقتصاد السوق وتداعياته على الفقراء، واتساع الفوارق وتهميش قوى مجتمعية كبيرة، مع أزمة إقتصادية خانقة فى البلدان المتطورة، وتراجع الراسمالية المنتجة لمصلحة الراسمالية المالية التى تركز همها على نهب مجتمعاتها ومجتمعات الجنوب العالمى. ترافق كل ذلك مع إنحسار مد حركات التحرر الوطنى وفشل كثيرمن تجاربها التى انتهى بعضها بصراعات على الحكم ودكتاتوريات لم تبق الا على الشعارات وانقلبت على شعوبها. فى هذا المناخ المضطرب صعد الإسلام السياسى الذى هو فى وجهٍ من وجوهه إنعكاس لأزمة الراسمالية العالمية لاسيما المجموعات الإرهابية التى تستغل الإسلام ولاتمتلك رؤية صائبة لتشخيص الأزمة العالمية، أو بديلا ديمقراطيا تقدميا يعالج تبعات وإنعكاسات تلك الأزمة، وكيفية خروج الشعوب الإسلامية منها.

فى هذا المناخ قامت الحركة فى السودان بالمحاولة الجريئة والشجاعة لبناء حركة ديمقراطية، فى مجمتع يعيش تحت قهر الإسلام السياسي. فبينما نجحت الحركة فى قضايا عديدة إلا انها فشلت فى تحقيق هدفها الرئيسي الذى جذب الملايين وهو “بناء سودان موحد علمانى ديمقراطى” على أساس من المواطنة والعدالة الإجتماعية ولمصلحة جميع السودانيين. علينا الأخذ فى الإعتبار أن الحركة في السودان قد نشأت فى ظل وضع إقليمى مربك ومرتبك. شهد تأسيسها إنفصال الجنوب وإرتكاب النظام لجرائم حرب وإبادة جماعية فى دارفور. فالإنفصال والإبادة الجماعية حدثين يستدعيان إعادة النظر فى كامل المشروع الوطني و يشمل ذلك إعادة النظر فى تجربتنا والإستفادة من الدروس التى إستقيناها، وإن أستدعى ذلك الرجوع الى الوراء لكى نتقدم الى الأمام. لذلك لا بد أن نحاكم تجربتنا على نحو نقدى لا يهدم إلا بالقدر الذى يبنى فى إطار من الإلتزام القاطع برؤية السودان الجديد، وهذا ما نحن بصدده تحديداً.

علينا الإعتراف بأخطائنا وأن لا نتحجج بالأوضاع العامة والإطار الموضوعي دون الغوص فى أسباب الاخفاقات الذى أصاب تجربتنا وأن نبحث عن الضمانات لعدم تكرار اخطائنا فى المستقبل، من هنا :-

 

العودة الى منصة التكوين ورؤية السودان الجديد

 

بعد مرور ما يزيد على ثلاثة عقود من طرح الشهيد الدكتور جون قرنق دى مبيور لرؤيته الداعية لبناء السودان الجديد وما أحدثته تلك الرؤية من قفزة فكرية وسياسية فى الفضاء السودانى، جذبت الملايين وقدم الالآف ارواحهم تحت رايات الحركة الشعبية الإطار التنظيمي الذى تحمّل مهام الدعوة لتلك الرؤية. كانت أعلى درجات التفاعل بين الكفاح المسلح والسياسي المدني وبين جماهير الريف والمدن وكانت نقطة الإلتقاء التاريخية الباهرة هى الساحة الخضراء حيث إلتقى السودانيون بتنوعهم فى تلك اللحظة التاريخية المشحونة بالمشاعر الإنسانية والآمال والتطلع الى مستقبل أفضل من الحرية والعدالة والمساواة. حينها برزت فرصة جديدة غير مسبوقة فى تأريخ السودان المعاصر لبناء إطار سياسى إقتصادى ثقافى جديد يحدث قطيعة مع ماضى الدولة السودانية ويقدم إجابات حاسمة لإدارة التنوع وقضايا المواطنة المتساوية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية.

الجماهير التى إستقبلت قرنق فى الساحة الخضراء كانت تتطلع لحلول لقضاياها المتمثلة فى السلام والطعام والمواطنة المتساوية والحريات وحقوق الإنسان والصحة والتعليم والمياه والسكن، وإنصاف النساء وتوفير فرص العمل للعطالة، اى تحسين شروط الحياة. تقع كل هذه القضايا فى صلب برنامج السودان الجديد. يمكن القول بكل ثقة إن قرنق كان على أعتاب تجاوز المطالبة بحق تقرير المصير بعد ان توفر له جمهور لتغيير كل السودان فى الساحة الخضراء.

وعلينا أن نعترف الآن أن برنامج السودان الجديد المستمد من الرؤية لم يتعد مرحلة الشعار ولم يخاطب “قفة الملاح” وهموم الحياة اليومية، رغم محاولات قرنق منذ وثيقة “بناء السلام عبرالتنمية” بالإنتقال الى برنامج تفصيلي. والآن وبعد مضى ١٢ عاما على رحيل قرنق لا تزال الحركة تحتاج الى الإنتقال من مرحلة الشعار والرؤية الكلية الى القضايا التفصيلية واليومية التى يتطلب بناء المجتمع الجديد مخاطبتها. وبالنظر للفرصة التى وجدتها الحركة فى سنيين حكمها لتحسين حياة المهمشين ولم تحسن استخدامها، أصبح من الضرورى إعادة تقييم التجربة والممارسة الفعلية لتوفير شروط النجاح فى المستقبل. وقد آن الأوان للحركة أن تتجه بتصميم وعزم لتجديد رؤيتها والإتجاه نحو بداية جديدة تستند على أساسيات رؤية السودان الجديد ولا تتردد فى الإعتراف بكافة الأخطاء وإدخال الإصلاحات المطلوبة على مستوى الرؤية وتقديم برنامج تفصيلى يجعلها جاهزة لمخاطبة الحاجات الفعلية للمجتمع. يجب أن يشمل ذلك بالطبع تجديد البنية التنظيمية ووسائل النضال والإنفتاح على الحلفاء الإستراتيجيين وتجاربهم والتعلم منها، وبناء كتلة تأريخية تحسم التردد بين النضال من أجل بناء السودان الجديد أو إنفصال مناطق الصراعات فى الريف كما حدث فى تجربة الجنوب.

تستمد رؤية السودان الجديد أهميتها من دعوتها لوحدة السودان فى إطار سياسي، إقتصادي، ثقافى منصف. و تفقد الرؤية مغزاها اذا أدت الى تفكيك السودان على أسس إثنية عبر حق تقرير المصير فى عملية تؤدى بدورها الى المزيد من التفتت على ذات الأسس، وذلك لان الأسس الأثنية لا تجاوب على اسئلة العدالة الإجتماعية والمواطنة المتساوية والديمقراطية، لأنها تأخذ الشكل دون المحتوى. إن رؤية السودان الجديد تعنى إدارة التنوع فى الوحدة بكل بساطة.

إن هذه الرؤية الجديدة بإنحيازها لوحدة السودان إنما تنحازكذلك لوحدة إفريقيا، وهو الإنموذج الذى تحتاجه إفريقيا اليوم للحفاظ على وحدة بلدانها ووحدتها فى وجه محاولات نهب خيراتها وهى الوسيلة الفاعلة والمجربة لمقاومة الإستعمار الجديد.

ويجب أن يأتى كل ذلك فى إطارٍ من المواطنة المتساوية والوحدة فى التنوع والعدالة الإجتماعية والديمقراطية. إنه لمن الصادم تراجع أسئلة وحدة إفريقيا ووحدة بلدانها وقضايا العدالة الإجتماعية والمواطنة المتساوية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول السلمى للسلطة عند الكثيرين ممن ينتمون الى الجيل الثانى من حركات التحرر الوطني الإفريقي.

 

الحركة: التأسيس والمانفستو

 

عند الإعلان عن تأسيس الحركة الشعبية فى ١٠ ابريل ٢٠١١ كان من أول قرارات القيادة الثلاثية تشكيل لجنة لصياغة المانفستو (الرؤية)، و فرغت تلك اللجنة من عملها ودفعت به لإعتماده وتبنيه بصورة نهائية. فؤجئنا بأن نائب الرئيس فى خطوة لم تكن مراميها واضحة يومها؛ كوّن لجنة أخرى لإعداد مانفستو مغاير دون التشاور مع زملائه فى القيادة، وتجاهل عمل اللجنة الأولى. واتضح لاحقاً إنه فعل ذلك لأنه يريد الزج بقضايا سبق وأن نوقشت معه ووافق – بعد نقاش طويل- إن تلك القضايا ستثير خلافات داخل الحركة لذلك قرر تركها وعلى رأسها حق تقرير المصير لجبال النوبة واستبعاد القوى التقليدية من قيادة اى تحالف للمعارضة. وكان نائب الرئيس السابق قد إقترح طَرح حق تقرير المصير أثناء مفاوضات إتفاق ٢٨ يونيو ٢٠١١ وتراجع عنه بعد مناقشة مع الرئيس والأمين العام اثناء زيارة “تابو أمبيكى” رئيس لجنة الوساطة الأفريقية، لجبال النوبة فى يونيو ٢٠١١، قبل توقيع الاتفاق أعلاه وذلك بحضور عدد من الضباط وتم الإتفاق على الموقف التفاوضى الذى وقع على ضوئه ذلك الإتفاق.

مما يجدر ذكره أن لجنة نائب الرئيس أعادت طرح حق تقرير المصير فى وثيقتها ورجعت بالحركة مرة أخرى للتأرجح بين هدفين يتعارضان فى كثير من الأحيان. هذا الطرح يتجاهل حقيقة هامة وهى أن رؤية السودان الجديد أعلى سقفاً من حق تقرير المصير لأنها تسعى لتوحيد السودان ببناء مجتمع جديد، أما حق تقرير المصير فيمكن أن يؤدى الى نفس المجتمع القديم، ويمكن أن يحافظ على السمات الإقتصادية والثقافية القديمة فهو فى جوهره آلية لا تقضي في حد ذاتها على أشكال الإستغلال بقدر ما أحيانا تعبر عن طموحات ومصالح نخبة اجتماعية صاعدة تريد أن تحل بديلاً للنظام القديم على رقعة جغرافية جديدة، يمكن أن تعيد تجارب مركز السلطة السابق بدعاوى إثنية جديدة وليس بالضرورة أن تؤدى الى قيام نظام ديمقراطى ومواطنة متساوية. إن طلاح قضايا الهوية والتنوع الثقافى فى تجاوز للعدالة الإجتماعية لا يؤد الى قيام مجتمع جديد. هذا من حيث التنظير.

 

أما من حيث الواقع، فتكوين المنطقتين لا يماثل تكوين جنوب السودان، فهو أكثر تعقيداً كما أن الحركة فى السودان تضم أطيافا من خارج المنطقتين ليس بإمكان غالبيتهم تكرار تجارب الماضى، إضافة لإختلاف الوقائع التاريخية داخليا وخارجياً فى كثير من جوانبها بين المنطقتين وجنوب السودان. يشار أيضاً الى تناقص وتزعزع السند الإقليمى والدولى لمطلب تقرير المصير، بجانب عدم وجود حدود جغرافية للمنطقتين مثل حال الجنوب فى ١١١٩٥٦. عامل آخر يجعل من المطالبة بهذا الحق أكثر تعقيداً وهى الوجود الكبير للقبائل العربية داخل المنطقتين مما سيؤدى الى إستقطاب إثنى حاد حول قضية تقرير المصير وأثناء الإستفتاء عليه، وسيقود كل ذلك الى إطالة أمد الحرب وتمكين المركز من التعبئة ضد الحركة ومناصريها من سكان المنطقتين.

عرض على نائب الرئيس السابق مرات عديدة أن تتم الدعوة لإجتماع تحضره القيادات السياسية والعسكرية والمدنية لسكان المنطقتين لإجراء حوار عميق حول حق تقرير المصير والوصول لقرار ديمقراطى صائب حوله، كذلك عرض عليه أكثر من مرة رئاسة وفد التفاوض، ولكنه تهرب من كل ذلك. هنالك رسائل داخلية متبادلة بين القيادة تثبت هذا الأمر، يمكن نشرها فى الوقت المناسب.

ولأن الحركة مدركة لتعقيدات واقع المنطقتين والمناخ الوطنى والإقليمى والدولى ولإلتزامها برؤية السودان الجديد لتوحيد السودان طرحت مطلب الحكم الذاتى فى المفاوضات؛ وهو شكل من أشكال حق تقرير المصير الداخلي، مع ترتتيبات أمنية قائمة على الإحتفاظ بالجيش الشعبى فى فترة تنفيذ الإتفاق والتى تم تقديرها من قبل قيادة الحركة بخمسة سنوات، وتم الإتفاق على المطالبة بجيش سودانى موحد جديد تعاد هيكلته وحل المليشيات وأن يكون مهنياً يعكس تركيبة المجتمع السودانى كما سبقت الإشارة. كل ذلك لتجريد المؤتمر الوطنى من سلاحه كأكبر حزب سياسى مسلح فى السودان كما ذكرنا ذلك أثناء التفاوض. قدرنا لهذه العملية فى حدها الأدنى عشرة سنوات وربما تمضى الى ١٥ عاما وأكثر لإعادة هيكلة كامل القطاع الأمنى على نحو جديد. تتيح هذه العملية الإحتفاظ بالجيش الشعبى كضمانة عضوية لتنفيذ أى إتفاق يتم التوصل إليه للإنتقال بالسودان ومركز السلطة الى إطار سياسى إقتصادى ثقافى جديد.

تلك فترة كافية لتمكن الحركة من الإنتقال السلس من الكفاح المسلح الى العمل الجماهيرى السلمى الواسع والتمدد سياسياً وان تكون الجماهير حصناً مادياً أميناً وقوياً لإحداث الإنتقال نحو السودان الجديد، وربط قضايا المنطقتين بإصلاحات جوهرية فى المركز ومعالجة الإختلالات البنيوية التى تسببت فيها أنظمة الخرطوم وبناء سودان جديد لمصلحة جميع السودانيين.

كانت تلك هى الإستراتيجية التفاوضية التى خرّبها نائب الرئيس السابق وضرب بها عرض الحائط بدعوى الإصلاح، محاولاً نقل تجربة الجنوب بالمسطرة على طريقة “أقطع وألصق” دون إمتلاك الدعم والسند والموارد التى حظى بها الجنوب داخلياً وخارجياً، ودون مراعاة فروق الوقت والإختلافات الجوهرية بين الحرب الماضية والحالية. هذا فيما يتعلق بموضوع تقرير المصير والجيشين. .

على الجانب الآخر وفيما يختص بالتحالفات السياسية مع القوى التقليدية طرح نائب الرئيس أن تقوم التحالفات على أساس برنامج السودان الجديد. ومن نافلة القول أن التحالفات السياسية بطبيعتها تقوم على برنامج الحد الأدنى وعلى توازن المصالح . وأكثر من ذلك طالب بأن تتولى قوى السودان الجديد قيادة تلك التحالفات. وكما هو معلوم يقتضى التحالف والعمل السياسى مع الآخرين الوصول لتفاهمات وفاعلية سياسية، وليس إستخدام مناهج إقصائية مثل ما يفعل النظام، فالذين قاوموا إقصاء النظام لن يقبلوا بإقصائهم فى المعارضة.

عدم الإتفاق على هذه القضايا إضافة لتعطيل نائب الرئيس لوثيقة المانفستو حتى يفرض وثيقته التى دفع بها بديلا لوثيقة اللجنة التى شارك فى تكوينها هو ما أخّر إجازة المانفستو. وكحلٍ وسط ، طلبنا من نائب الرئيس الإتفاق معنا على دمج الوثيقتين لكنه تماطل أيضاً، ومع كل ذلك يريد أن يحملنا عدم إعداد المانفستو!

ولأن الأشياء تعرف بثمارها، فإن ثمار برنامج الإصلاح الذى طرحه نائب الرئيس السابق واضحة للعيان. هل يستطيع اى شخص الإدعاء بأن الحركة الشعبية الآن أفضل مما مضى؟ نترك ذلك لفطنة وحكمة أعضاء الحركة وأصدقائها وكل من يعمل للتغيير فى السودان.

 

مراجعة رؤيتنا: من أين نبدأ ؟

 

يجب تقيّيم اى مشروع سياسى ونجاح وفشل قادته بالأهداف التى طرحوها والنتائج التى حصلوا عليها.

طرحت الحركة الشعبية لتحرير السودان مشروع السودان الجديد لتحقيق “دولة علمانية ديمقراطية موحدة جديدة”. لم يتحقق هذا الهدف الرئيسي لأسباب عديدة سنتناول أهمها. لذلك يتوجب على كل الذين ناضلوا تحت رايات المشروع وعملوا لعقود طويلة لتحقيقه ومن واقع إلتزامهم والوفاء للشهداء وللجرحى ولكل تضحيات شعبنا الإعترف بداية أننا لم ننجح فى تحقيق الهدف الرئيسى للمشروع. كما يتوجب علينا أن نبحث عن الاسباب التى قادت لذلك، وأن نصل الى تقييم شامل نقدي ودقيق لما جرى على مستوى الرؤية والممارسة، وأن تكون أعيننا مبصرة للمتغيّرات العديدة التى حفل بها عالمنا الوطنى والإقليمى وعلى أمتداد الكرة الأرضية، وأن نجرى مراجعة دقيقة وأمينة تضعنا على أعتاب بداية جديدة!

نرى أن البداية الجديدة التى نتحدث عنها يجب أن تشكل ميلاداً ثانياً لرؤية السودان الجديد، فوقائع الصراع فى بلادنا تثبت كل يوم أننا نحتاج لهذه لرؤية الثاقبة، حيث ثبت أنه من العسير جدا التوصل الى عملية بناء وطنى وتوحيد السودان فى تنوعه دون أخذ اساسيات مشروع السودان الجديد فى هذه العملية.

إصطدم مشروع السودان الجديد منذ بدايته بقوتين، قوى السودان القديم المسيطرة على مركز السلطة بأجنحتها المختلفة، وقوى القوميين الجنوبيين. ولاحقاً عند تأسيسها فى ١٠ ابريل ٢٠١١، إستمر إصطدام الحركة بنفس القوتين فى مناخ جديد وجفرافيا مختلفة. فى المعركة الأولى إنتصر القوميون الجنوبيون الذين إستخدموا رؤية السودان الجديد كآلية لفصل جنوب السودان، بدلاً من إستخدامها كرؤية لتغيير السودان وتراجعوا عن مقوماتها وعلى رأسها وحدة السودان، سيقود التراجع عن الرؤية – بعد التمكن من إستخدامها كآلية فى معركة تقرير المصير لفصل جزء من السودان- للتخلى عن مشروع السودان الجديد نفسه.

سعت الحركة منذ بدايتها لتكوين كتلة تاريخية مع القوى المستنيرة و الديمقراطية والتقدمية فى شمال السودان، ودخلت فى حوارات معها، ولكن لملابسات عديدة والتباعدات التى أفرزها التأريخ والسياسة والجغرافية والعمل التخريبي لمركز السلطة وسلبية القوميين الجنوبيين، وأحيانا تواطؤ وزهد مثقفى المركز، وإختلاف وسائل النضال و تدنى مستوى الثقة وغيرها من أسباب، لم تتمكن الحركة من الوصول لتلك الكٌتلة التاريخية مع المجموعات ذات المصالح الإستراتيجية المشتركة.

 

نتائج الممارسة والمتغيّرات الجديدة وتجديد الرؤية

 

دعنا نخلع جواربنا ونواجه الواقع على حقيقته بالموضوعية، وحكمة ما بعد الممارسة والعزم اللازم ونسمى الأشياء بأسمائها. فنحن الذين رفعنا رآية السودان الجديد لسنا بصدد إثبات أخلاصنا لأحد بقدر ما نود أن نلخّص تجربتنا تلخيصاً أميناً يساعدنا و القادمين على هذا الطريق أن نحقق نتائج أفضل من التى حققناها بالأمس.

رفعت الحركة الشعبية شعار تحقيق سودان جديد ديمقراطى علمانى موحد على قاعدة المواطنة والعدالة الإجتماعية ولم نصل الى هذه الأهداف، فالسودان لم يصبح جديداً بعد أو موحداً او علمانياً او ديمقراطياً، ومع ذلك نجحنا بالفعل فى هزيمة كثير من المفاهيم البالية والقديمة التى قامت عليها الدولة السودانية وربما يرجع تاريخ بعضها الى أكثر من ثلاث قرون، واعترفت حتى القوى الأكثر رجعية فى مجتمعنا بالتنوع التاريخى والمعاصر، حتى ولو على سبيل المسايرة او التصنع، وأضحت قضايا

المواطنة المتساوية والتنوع الثقافى وعلاقة المركز بالأقاليم والمظالم التاريخية والتنمية غير المتوازنة وقضايا ملكية الأرض والتوزيع غير العادل للثروة وإعادة هيكلة السلطة، والهوية وحق الآخرين فى أن يكونوا آخرين، قضايا يعترف بها الكل ولو نظرياً، وصارت بعض مقولات فكر السودان الجديد مثل مفهوم: “أن القضية ليست من يحكم السودان، بل كيف يُحكم السودان”، مقولات يرددها حتى أكثر القوى شراسة فى معاداتها لرؤية السودان الجديد ولو من باب العلاقات العامة. وأصبح شعار السودان الجديد تياراً جماهيرياً كاسحاً، ورفعت الجماهير رأيات الحركة فى المناطق النائية والمعزولة من ريفنا، دع عنك المدن. كما بات جلياً أن لتيار السودان الجديد سند جماهيرى يمكنه من الوصول منصة الحكم عبر صناديق الإنتخابات وإن بإمكان الحركة أن تنتقل من العمل المسلح الى العمل السلمى الجماهيرى الديمقراطي المدني، و صار ذلك أمراً واقعاً ومحسوساً. فالحركة الشعبية هى أول حركة من الهامش ذات أفق ديمقراطى وتقدمى تحتل هذه المكانة التاريخية فائقة الأهمية فى النسيج السياسي الوطني السوداني. فالحركة التى نشأت فى “بور” فى أكثر مناطق ريف السودان بعداً عن المركز تحولت الى حركة فى مركز وقلب الصراع الإجتماعى، بل تهدد مركز السلطة نفسه، ولعبت رؤية السودان الجديد دوراً حاسماً فى ذلك ولولاها لما حظيت بهذا الدور. فرؤية السودان الجديد هى أقوى اسلحة الحركة، أقوى وأكثر خلودا من المدافع والدبابات التى تمتلكها!ّ و هى أول حركة يقودها مهمشون وتصبح حركة جماهيرية منذ ثورة ١٩٢٤، بل هى فى وجه من وجوهها إمتداد لتلك الثورة. فقادة ثورة ١٩٢٤ هم مجموعة فريدة من القادة الذين ينتمون للشمال والجنوب معاً والذين أشرأبوا بفكرهم فوق جراحات تجارة الرق وإنتموا للسودانيين ضد محاولات التقسيم الكولونيالي التى شربت من تناقضات تاريخنا.

تمكنت الحركة على الأقل فى مناسبتين هامتين يوم الجمعة ٨ يوليو ٢٠٠٥ فى الساحة الخضراء – حيث كانت الأمة مجتمعة- وفى انتخابات أبريل ٢٠١٠ (حملة الأمل والتغيير) ان ترسل رسالة هامة لأصدقائها وخصومها على السواء بأنها يمكن أن تحدث التغيير. و لاتزال الحركة تمتلك القدرة على إنجاز مهام التغيير الإستراتيجي بالعودة لمنصة التكوين وزيارة تجربتها السابقة ورؤيتها مرة أخرى والتزود بهواء نقى بغرض التجديد واستيعاب المستجدات التى تمخضت عن تجربتها التاريخية بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود وإستيعاب دروس هذه التجربة وتمثّلها للمضى الى الأمام، مما يستدعى إعمال العقل النقدى لمراجعة هذه التجربة الهامة التى قامت واستندت على تضحيات الفقراء والمهمشين من أبناء شعبنا.

ومن الجانب الآخر تحتاج الحركة للإنفتاح على الحلفاء الإستراتيجيين وتجاربهم ورؤاهم لتأخذ منهم وتعطى فى إطار عملية التجديد الذى يشمل الرؤية وكامل الإطار التنظيمي للوصول الى بدايات جديدة غير معزولة من مصادر قوة الأمس. كم يجب أخذ ما هو صالح وفالح من تجربتها التاريخية دون أن تتخلى عن أساسيات رؤيتها وما حققته من نجاحات، بل يجب أن تبنى على ذلك للخروج من دائرة الجمود وسلبيات الماضي بإعتراف كامل بأخطائها ولجذب قوى إجتماعية جديدة تشترك معها فى المصالح.

يجب أن نبنى حركة تحرر وطنى فى ثوب جديد آخذين التجارب البشرية والتطور التكنولوجى الهائل الذى يقتصر كثير من مهام البناء الصعبة فى الماضي. فالتيارات والأحزاب الحديثة يمكن أن تبنى على قوى إجتماعية جديدة إذا إستوعبت وفق برنامج جاذب التحولات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية العميقة فى المجتمع مثل تجربة “جيرمى كوربن” فى بريطانيا و”بيرنى ساندرز” فى الولايات المتحدة الأمريكية و”ماكرون” فى فرنسا، الذين صعدوا فوق موجة تيارات إجتماعية جديدة ناهضة على رأسها الشباب.

ومن هنا علينا طرح بعض أمهات القضايا بغرض معالجتها جماعياً، فالمنظمات الحديثة تعتمد على العمل الجماعى أكثر من الأفراد الملهمين، والحركة الشعبية اليوم ربما لن تجد قائداً بقدرات الدكتور جون قرنق ولكنها ستجد الملايين الذين هم على إستعداد لإنجاز مشروع واحلام قرنق.

القضايا التى سنطرحها تحتاج الى نقاش اساسه مشاركة القواعد ثم يتصاعد الى أعلى الهياكل التنظيمية، وهونقاش مفتوح لمساهمات شعبنا وحلفائنا الإستراتيجيين وأصدقائنا للإدلاء بدلوهم فى كامل قضية التجديد، ومواصلة البناء فى ظل المتغيرات الوطنية والخارجية. غرضنا هو فتح نقاش حقيقي دون حجر او إدعاء بامتلاك الحقيقة وناصية المعرفة وسيغتني هذا النقاش بالمساهمات المشتركة والجماعية وتطوير الرؤية والهياكل التى ستظل عملية مستمرة بعد أن نضع الأساس السليم لها.

 

إشكاليات قديمة متجددة كيف ننجح فى حلها

 

هنالك إشكاليات قديمة ومتجددة واجهت الحركة منذ بدايتها تشكل الملامح الرئيسية لمسرحها السياسى، وبحلها ستفتح الباب لماعداها من قضايا وهى إشكاليات مطروحة لكل من ساهم فى تجربة الحركة الشعبية مباشرة وخاض فى الوحل ورهق البحث عن التغيير، او تابع هذه التجربة من موقعه الخاص. فهنالك أسباب معقدة ومتشابكة أدت الى عدم وصول الحركة الشعبية الى أهدافها النهائية. ماهى هذه الاسباب بشكل اكثر تحديداً إضافة لتلك التى تم ذكرها سلفاً حتى نساهم فى طرح الحلول لها، و نحسن التعامل معها فى المستقبل؟ ما الذى نحتاجه لتأمين النجاح هذه المرة دون ان نحوّل أنفسنا وشعبنا الى حقل تجارب؟ ودون ان نستمرئ جلد الذات، ولذا سأتطرق فى هذه المساهمة لبعض القضايا الهامة التى ساهمت فى عدم وصول الحركة الى أهدافها النهائية. من الصعب لفرد واحد تقديم الإجابة المطلوبة لكن سنقترب من الإجابة الصحيحية بالجهد الجماعي، وهو الغرض من فتح هذا المناقشة الإستراتيجية لأعضاء واصدقاء الحركة.

القضايا التى تتطرق لها هذه الورقة والتى ساهمت فى عدم وصول الحركة لأهدافها النهائية يجب أن يضاف اليها تَغّييب الدكتور جون قرنق من المسرح السياسى فهو فرد يساوى فرقة من الرجال والنساء الاذكياء والشجعان.

 

دعنا الآن نتناول بعض الإشكاليات والقضايا الهامة:-

 

الرؤية من الشعار الى البرنامج

 

رؤية السودان الجديد رؤية باهرة للبناء الوطنى وتوحيد السودان لإحداث تحول نوعى وحاسم بمعالجة المعوقات التى أقعدت السودان القديم من النهوض ووسمته بالحروب والديكتاتوريات والإستغلال الإجتماعي الإقتصادي والإضطهاد القومي والثقافي الذى اودى بملايين الضحايا. وهى لا تزال البضاعة الصالحة فى دور عرض المدينة.

ظلت الرؤية تحتاج الى عمل تفصيلى ينقلها من الكلّيات والعموميات والشعارات الى برنامج يخاطب قضايا الحكم والديمقراطية والمواطنة المتساوية وتحسين ظروف الحياة المعيشية والتعليم والصحة والسكن والمياه النقية والزراعة والأرض “ونقل المدينة الى الريف، لا الريف الى المدينة” وهى قضايا وأسئلة التهميش المؤرِقة. دون ذلك لن تتحول الرؤية الى واقع ملموس ومحسوس فى حياة المهمشين ولن توفر الحياة المعيشية اللائقة بهم. هذا الأنتقال من فضاء الشعار الى واقع حياة الناس الذين يبحثون عن تغيير جوهرى فى”قفة الملاح والدوكة وصاج العواسة والبرمة” هو السودان الجديد بالنسبة لهم.

والحقيقة أن الحركة الشعبية لم تمتلك برنامجاً تفصيلياً لهذه القضايا قبل مشاركتها فى الحكم؛ واعتمدت على تنفيذ نصوص إتفاقية السلام. وقد بذلت محاولات لوضع برامج فى قطاعات مختلفة ولكن ذلك لم يرق الى مستوى البرنامج الشامل.

لا تزال هذه القضايا تحتاج الى إجابات باعتبارها أول قضايا التجديد وعلينا أن نمتلك هذا البرنامج التفصيلى.

ومن المفيد أن نذكر أنه بعد تأسيس الحركة الشعبية فى عام ٢٠١١ شرعنا فى ٢٠١٢ فى البحث عن كيفية إعداد البرنامج التفصيلى، وقامت لجنة من عدد من المختصين والأكاديميين أصحاب الكفاءآت العالية ممثلين لهامش ومركز السودان رُوعى فى تكوينها معالجة قصور الماضى حيث كان غالب المختصين فى إعداد السياسات يأتون من المركز، حتى أصبح ذلك نمطاً من أنماط تقسيم العمل الذهنى واليدوى بين الهامش والمركز، وهو واحد من القضايا التى غادرتها رؤية السودان الجديد مبكراً، حيث كان مفكرها من هامش السودان. عقدت هذه اللجنة إجتماعات هامة وغير معلنة فى فنلندا وباريس وجنوب إفريقيا، وكادت أن تفرغ من مهمتها إلآ أن إحدى القضايا التى أخرت عملها تلكوء نائب الرئيس السابق فى تقديم التصور حول الترتيبات الأمنية من زاوية رؤية السودان الجديد بدعاوى ومخاوف تجعل من رؤية السودان الجديد رؤية إثنية وجغرافية محدودة لا تعالج كل قضايا السودان. وقد ظل نائب الرئيس السابق يتخوف من الإنفتاح على المثقفين من خارج الهامش؛ وعاجز عن المساهمة فى أجندة جديدة لكل السودانيين وهى جوهر فكرة السودان الجديد وجرأة مفكرها الذى عندما إكتشف أن التهميش لم يكن ماركة تخص جنوب السودان وحده، تحدث عن التهميش فى كل السودان.

ولكى تنجح رؤية السودان الجديد فقد آن لها الآوان أن تخرج من حيز الشعار وتسير بقدمين فى القرى والمدن والأسواق، وتعالج الحياة اليومية للناس العاديين، وأن تحل قضايا الخبز والمواطنة والتحرر والسلام العادل، وأن تساهم فى التطور والرقى المادى والروحى للناس، وأن تدفع بعملية البناء الوطنى التى يحتاجها شعبنا، وأن لا تتوقف فقط عند الحديث عن التهميش، بل تمتلك برنامج ينقل المهمشين الى فاعلين فى عملية التنمية والبناء وانتاج الثروات حتى تكون هى السلاح الفاعل فى النضال لتغيير واقعهم، والوصول لهذا البرنامج من أمهات قضايا التجديد.

 

الكفاح المسلح ورؤية السودان الجديد

 

لعب الكفاح المسلح الدور الرئيسى فى ترسيخ ونشر رؤية السودان الجديد، وقدم الآلاف من خيرة أبناء وبنات شعبنا ارواحهم تحت رايات الحركة الشعبية. ولم يكن الكفاح المسلح خياراً مثل قائمة الطعام يختار الإنسان منها ما يناسبه، ولكنه كان نتاج صيرورة تأريخية إجتماعية وإقتصادية سياسية ثقافية معقدة. وكان الوسيلة التى إقتضتها الضرورة التأريخية فى جنوب السودان وإمتدت الى مناطق أخرى شاركت الجنوب نفس ظروفه. عزّز من مشروعية هذه الوسيلة طبيعة أنظمة القمع فى الخرطوم لاسيما أكثر تياراتها رجعية وفاشية “الحركة الإسلامية” التى إستولت على الحكم فى يونيو 1989.

بعد مضى أكثر من ثلاثة عقود من الكفاح المسلح فى ريف السودان حان الوقت لمراجعة التجربة على نحو نقدى صارم دون تهييج العواطف أو تصدير الإتهام والإتهام المضاد. لأن من مصلحة المهمشين الوصول الى تقييم رصين لتجربة الكفاح المسلح فهى تجربة باهظة الثمن والكلفة الإنسانية. لن يقلل التقييم من حقيقة أن تجربة الكفاح المسلح لعبت دورا تأريخيا هاماً ولا تزال تمثل أهمية فائقة فى التصدى لأنظمة القمع خصوصاً النظام الحالي. وحينما نتحدث عن تقييم التجربة لا نطالب أحداً بأن يقذف بسلاحه الى المجهول؛ بقدر ما نريد ان نقييم كل الأسلحة النضالية المتوفرة لدينا الآن وأيهما أكثر مضاءة فى تحقيق التغيير! ربما تكون هنالك أكثر من وسيلة لذلك، فكيف لنا أن نقيّم هذه الوسائل فى تكاملها او أهمية كل منها والإنتقال من وسيلة الى أخرى فى الوقت المناسب او الجمع بين أكثر من واحدة فى نفس الوقت؟

 

من الواضح أنه بعد عقود من حروب الريف تغيرت تركيبة الريف والمدن معاً لاكثر من سبب. فمدن اليوم ليست هى مدن عقد الستينات التى كان قلبها ينبض بالطبقة الوسطى، فقد تريفت المدن وهى ظاهرة إفريقية وعالمية لا سيما فى بلدان الجنوب العالمي وانتقل الملايين من سكان الريف للمدن، خصوصاً الشباب.

تمكنت الحركة الشعبية القادمة من الريف من توصيل رؤيتها الى سكان المدن ولامس خطابها كثير من أشواقهم. وبرهنت إتفاقية السلام وتجربتىّ الساحة الخضراء وانتخابات ٢٠١٠ على ذلك.

وفى الوقت الذى أدى فيه القوميون من المناطق الريفية الذين يبصرون فى حدود الحاضنات الإثنية للكفاح المسلح دوراً مميزاً ولكن لم يتمكنوا من إلتقاط تلك اللحظة التاريخية فى الدمج بين نضالى الريف والمدن لتغيير السودان. ولم يعطوا التغيير فى تركيبة المدن الإهتمام الذى يستحقه.

أيضاً لم تتم دراسة نقاط القوة والضعف فى تجربة الكفاح المسلح الذى جذب قطاعات جماهيرية عريضة من الريف، لكن هذه الجماهير عانت من هشاشة التركيبة الداخلية وضعف الوعي السياسي مما أدى الى نجاح الكثيرمن الألاعيب التى يحيكها مركز السلطة فى الخرطوم ضدها، وقد إستطاع النظام فى الخرطوم صنع كثير من الحروب الداخلية فى الهامش والتى ارتكبت خلالها إنتهاكات واسعة لحقوق الإنسان من نفس الذين يرفعون شعارات التحرير، وهى مفارقة ستنتقل لاحقاً عند اى محاولة لبناء مجتمع جديد وعند الوصول الى الحكم، فالاساليب القديمة لا تبني مجتمعا جديدا، وقد لاحظ الكثيرون قدرة العمل المسلح على هدم المجتمعات القديمة مع تناقص فعالية قواه فى بناء المجتمعات الجديدة.

فى تجربة الحركة تميز هيكلها السياسى التنظيمى بالعسكرة والتراتيبية العسكرية مما قلص مساحة الديمقراطية الداخلية ومرّكز بشدة إتخاذ القرار واحتكاره وفقا لها، وساهم فى خلق مناخ موات لإنتشار الفساد الذى بدأ فى التلاعب فى الإمدادات وعدم توزيعها بعدالة وانتقل الى أجهزة الإدارة والسلطة قبل وبعد الوصول الى الحكم. وقد غابت المحاسبة والديمقراطية التى إقتصرت فى كثير من الأوقات الى مفهوم سائد من مفاهيم حركات التحرر الوطني “أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” وأن يتم التركيز على الأعداء الخارجيين، وقد ترك ذلك مساحة للوحوش الداخلية لتنموا، مضافا اليه عدم ثقة قوى الريف فى مناضلى المدن الذين ينضمون الى نفس الحركات وعدم مساواة العضوية التى تناضل بوسائل غير الكفاح المسلح فى الحقوق والواجبات. أدت كل تلك الظواهر وغيرها الى تكلس وتجمد الكفاح المسلح فى الريف وانحصاره فى إستخدام الوسائل الخشنة فى غياب تام لوسائل العمل الناعم مما أدى الى نتائج سالبة للكفاح المسلح نفسه، وساهم فى محاولات المركز لاحتواء نتائجه وبذر بذور الشك والريبة وسط جمهور المدن تجاه الكفاح المسلح لاسيما أن التناقضات الإثنية والدينية أستخدمت بكفاءة من قبل المركز لإظهار الكفاح المسلح كعلامة تجارية تخص إثنيات بعينها، ولاتعنى الآخرين. بل حاول المركز إثارة الرعب والإنقسام الإثنى فى صفوف غير المنتمين الى الكفاح المسلح. وتجربة أمثالنا الذين خاضوا الكفاح المسلح والعمل السلمى – وفى حالتى لمدة “39” عاماً ” -توصولوا الى صعوبة كسب معركة الكفاح المسلح فى بناء مجتمع جديد دون تنظيم جماهير المدن.

إن المصاعب والإشكاليات والأخطاء التى إرتكبتها معظم حركات التحرر الوطنى التى إعتمدت على الكفاح المسلح فى بناء مجتمعات جديدة وديمقراطية لإحداث التنمية المستدامة، قد زرعت الشك عند المثقفين الثوريين بجدوى الكفاح المسلح نفسه. يضاف الى ذلك إن المتغيرات الإقليمية والدولية أثّرت سلبياً على الكفاح المسلح فى السودان وفى العالم.

فى غياب الديمقراطية الداخلية والمحاسبة الصارمة على الأخطاء التى أرتكبت فى حق الجماهير وحق التنظيم فى تجربة الحركة ولد آثاراً سلبيةً تحتاج الى إجتراح طرق جديدة فى معالجتها. إن كل ما ذكرناه آنفاً لا ينف أهمية الدور الحاسم الذى لعبه الكفاح المسلح لاسيما فى مواجهة نظام فاشى مثل النظام الحاكم فى الخرطوم الذى يقوم على العنف وإحتكاره. إن الحركة تحتاج أن تدرس بعمق الأثر السلبى للقبلية كأيدلوجيا والفساد وتأثيرهما على التجربة. سأتناول هذ القضية الهامة بشكل تفصيلى فى وقت آخر.

 

ولمجمل الأسباب التى أشرنا اليها آنفاً فمن الواضح إننا فى مرحلة مختلفة تستدعى مراجعة تجربة الكفاح المسلح ورد الإعتبار الى العمل السلمي الجماهيرى دون ان يعنى ذلك بالضرورة التخلى عن الكفاح المسلح. وعلينا الوصول لإستنتاجات سليمة لتصحيح الفهم الخاطئ بإن رؤية السودان الجديد لا يمكن تحقيقها إلا عبر الكفاح المسلح. إن الإنسداد الحالي فى أفق العمل المسلح فى تحقيق أهدافه الإستراتيجيه بتغيير مركز السلطة لا يمكن تجاوزه إلا بأن تتوصل قوى الكفاح المسلح الى إستنتاجات سليمة حول أهمية العمل السلمي الديمقراطي فى داخل المدن وتسعى بصورة حثيثة لإستنهاض جماهيرها داخل المدن.

التقليل من أهمية العمل السلمى الجماهيرى وتغليب العمل العسكرى لم يساعدا الحركة الشعبية فى الإستفادة من الرصيد الكبير للوسائل الناعمة والعمل السلمى الجماهيرى، وكان بالإمكان دمج وتكامل وسائل العمل المسلح والعمل السلمى كجناحي طائر كما حدث فى تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي وتجربة “شين ڤين” فى آيرلندا، وقيام حركة حقوق مدنية ديمقراطية فى المدن مثل ما حدث فى الولايات المتحدة الأمريكية فى الستينيات من القرن الماضى. هذا الأمر جعل من سكان المدن قوة مهملة لا دور لها إلا فى الإحتفال بإنتصارات المعارك العسكرية للجيش الشعبى وأفقد الحركة وسيلة مهمة للتحليق فى فضاء السياسة السودانية بصورة أكثر فاعلية بالنظر للرصيد الضخم الذى تتمتع به وسط سكان المدن.

أننا اليوم نحتاج فى الحد الأدني الى أدوات ووسائل متنوعة وأن نرد الإعتبار على أوسع نطاق للعمل السلمى الجماهيرى وللنضال الخالي من العنف ودوره فى تحقيق السودان الجديد. ومن اللافت للنظر ونحن نتحدث عن هذه القضية الإستراتيجية إن الإستقالة الثالثة لنائب رئيس الحركة الشعبية السابق قد ذهبت عكس هذه الوجهة وصبت مزيد من الإستخفاف على العمل السلمي الجماهيري والقوى الناعمة واللاعنف فى مقارعة الأنظمة، وحصرت نفسها بشكل كامل فى قضية الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة. وحتى الكفاح المسلح نفسه يطرحه نائب الرئيس السابق بصورة غاية فى التقليدية، فالكفاح المسلح يحتاج الى تحديث عملياتى ونوعى ليصبح أكثر تأثيراً على مركز السلطة.

يجب الإعتراف الذى يتبعه العمل أن وسائل الكفاح السلمى ذات أثر ايجابى فى مدى ديمقراطية مشروع السودان الجديد أكثر من العمل العسكرى، مع تأميننا التام إن العنف الذى أستخدمه مركز السلطة هو الذى ولد العنف المضاد فى الريف، وإن الكفاح المسلح كان رداً طبيعياً على عنف حكومات الخرطوم الذى لا يمكن مقارنته نوعاً وكمّاً بعنف حكومات المركز المعتدية، وإنه وسيلة من وسائل الدفاع عن وجود وثقافات الهامش ورغبات أهله فى التحرر، وإن جماهير الريف دفعت ثمنا باهظا فى تصديها الباسل لعنف المركز.

 

رهق المسافات الطويلة والكفاح المسلح كلفة حروب الريف

 

آخذين الوضع الجغرافوسياسى (جيوبولتك) للسودان وبُعد المركز الجغرافي عن الهامش وسياسة فرق تسد لأنظمة الخرطوم ومحدودية أفق القوميين فى حركات الهامش، فإن حركات الريف التى تقطع صلتها بنضالات المدن ولاتبنى حصونا قوية وسط العمل المدني والسلمي السياسي فيها، ترهقها حروب الريف الطويلة والتضحيات الممتدة لعقود لذلك تلجأ للإتفاق مع نفس حكومات المركزالتى قاتلتها لعقود، أو للإنفصال مثل حالة الجنوب، أو بإتفاقيات سلام تحافظ على الأمر الواقع وعلى النظام القديم ولا تؤدى الى التغيير مثل ما حدث مراراً. لقد تمرّس النظام الحالى فى إرهاق حركات الهامش وإستيعابها فى التركيبة القديمة، وإستخدام المهمشيين ضد بعضهم البعض إثنياً، وقد وقّع النظام الحالى أكثر من (٤٣) إتفاقاً عبر صيغة تقاسم الثروة والسلطة، وبالضرورة تقاسم النظام القديم. ولكيلا ترث الحركة النظام القديم أدخلت التحول الديمقراطي فى إتفاقية نيفاشا ٢٠٠٥ للإنتقال الى نظام جديد وهى أكثر البنود التى عمل النظام على تفاديها الى درجة تقسيمه للسودان ثمناً لبقائه فى الحكم. ومن خلال الإتفاقيات التى وقعت فيما عدا نيفاشا عمل النظام على الإبقاء على حركات الهامش كقوى هامشية فى داخل النظام.

 

فى “15” جولة من المفاوضات خلال الستة أعوام الماضية ربطت الحركة فى السودان بين إنهاء الحرب والوصول لإتفاق سلام شامل حتى تصل الى إنتقال ديمقراطى مع قوى سياسية أوسع وأن لا تنته على هامش النظام الحالى وهذا هو جوهر الصراع الذى دار بين نظام الخرطوم والحركة التى تمسكت بالربط بين قضايا المنطقتين وإجراء تغيير فى مركز السلطة وحل شامل يؤدى لإنتقال ديمقراطي، مع تمسك النظام فى حصرها فى المنطقتين بل كل منطقة على حدة، مع ضغوط هائلة من المجتمع الدولى ضد موقفها. ولا غرو إن الإنقلاب على قيادة الحركة أصبح مصدر سعادة الخرطوم وبهجتها لأنه سيؤدى فى خاتمة المطاف الى تقزيمها.

إن إستخدام القوى الناعمة وبناء حركة جماهيرية ديمقراطية سلمية فى المدن تربط عضوياً بين نضالات الريف والمدن وبين قضايا الخبز والتحرر والسلام العادل هى وحدها التى يمكن أن تحقق أهداف المهمشين فى سودان جديد وتنهى محاولات إلحاق حركات الهامش بالنظام القديم. هذه الحركة الديمقراطية هى التى بإمكانها وحدها توحيد الوجدان السياسى لجماهير المدن والريف لاسيما وإن الريف نفسه قد أصبح متواجدا بكثافة داخل المدن، وقد أضحى الربط العضوى لنضال الريف والمدينة شرط رئيسى لأنتصار الثورة السودانية والعبور الى ضفة السودان الجديد.

 

الكفاح المسلح وسلبيات العلاقة مع الخارج

 

تبذل حركات الكفاح المسلح مجهودا كبيراً فى الوصول لمعادلة قويمة للحفاظ على إستقلاليتها فى التعامل مع العالم الخارجي وايجاد موطئ قدم إقليمي وعالمي لابد منه لمواصلة الكفاح المسلح فى ظل تناقضات إقليمية ودولية إزدادت إتساعاً على الدوام لاسيما بعد ظهور قطب عالمي وحيد ورحيل المعسكر الإشتراكي. وبعد أن أضحى الكفاح المسلح وحمل السلاح يختلط مع الإرهاب ضد المدنيين وإنتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب. مع ملاحظة إن حركات الكفاح المسلح فى إفريقيا تحمل هشاشة التكوينات الإجتماعية فى القارة، والتأثير المستمر للحكومات فى محاولات اضعاف العلاقات الخارجية لحركات الكفاح المسلح. ولعل أحد أهم الأشكاليات التي واجهها الدكتور جون قرنق كانت بسبب إصراره على الحفاظ على موقفه المستقل.

تأثير العامل الخارجي على الكفاح المسلح يحتاج لمراجعة وتأمل للإستفادة من تجارب الأمس وتعزيز مواقعنا اليوم و المضى الى المستقبل.

 

الكفاح المسلح وبناء الكتلة التأريخية والتحالفات

 

من واقع تجربتها الطويلة فى الكفاح المسلح وبدرجة أقل السلمي؛ راكمت الحركة الآن خبرات طويلة وإستوعبت كثير من التناقضات الكبيرة التى يحفل بها المجتمع السودانى وتأريخه والمخاوف العميقة المتبادلة بين حركات الهامش والقوى السياسية فى المركز، التقليدية والتقدمية منها. إستخدام المركز هذه التناقضات وتوظيفها بغرض وقف التغيير ومنع الوصول الى كتلة تاريخية بين قوى السودان الجديد. بالإضافة لذلك إرتكبت كافة هذ القوى المعنية بتشكيل التحالفات و الكلتة التاريخية أخطاء بما فى ذلك الحركة باعدت بينها وبين إنجاز تلك المهام. وأدى الإختلاف فى الوسائل التى تستخدمها مكونات التحالفات السياسية، بجانب تأثير العمل المسلح ومفارقات الجغرافيا والتأريخ الى إرتباك التحالفات وصعوبة تشكيل الكتلة التاريخية.

آخذين كل ذلك فى الإعتبار، علينا أن ندرس تحالفاتنا بين واقعية المصالح والأيدولوجيا والحاجة لعلاقات إستراتيجية وكيفية الربط بين ما هو تكتيكي وأستراتيجي والإستمرار فى تطوير هذه التحالفات وتفعيلها. يشمل ذلك التحالفات الواسعة اللازمة لإسقاط النظام، وإدراك علاقتها الجدلية بالكلتة التاريخية التى تضم القوى المؤمنة بتحقيق السودان الجديد.

هذه القضية كانت واحدة من قضايا الخلاف الذى عصف بالحركة مؤخراً وقد كان موقفنا فى هذا الجانب من الحركة إننا نحتاج للإنفتاح فى ثلاث جبهات. الجبهة الأولى أن نكون على إستعداد للإندماج والعمل فى تنظيم موحد مع كافة الراغبين فى بناء حركة تحرّر وطنية ديمقراطية جديدة، والجبهة الثانية أن نكون على إستعداد لبناء كتلة تاريخية مع كافة قوى السودان الجديد مع إحتفاظ كل طرف بتنظيمه المستقل، أما الجبهة الثالثة فهى التحالف الواسع الذى يضم القوى التقليدية ويشمل ذلك حتى الإسلاميين الراغبين فى التغيير. وهذا تحالف هدفه الأساسى إسقاط النظام واحداث التغيير بالضربة القاضية او بالنقاط.

حادينا فى ذلك الإبتعاد عن المحاولات غير الممكنة لإقصاء القوى التقليدية لإدراكنا التام أن لهذه القوى مصلحة فى التغيير ووقف الحروب والسلام والتحول الديمقراطي وتحسين شروط الحياة لجماهيرها التى لاتزال تعانى من وطأة ونير النظام. وهذا كافٍ لقيام تحالف بيننا وبينها. فى كل ذلك علينا أن نتمتع بالوضوح السياسي الكامل حول طبيعة كل تحالف وقضاياه، وان نفرق بين المهام التى نطرحها فى كل جبهة من الجبهات الثلاث ونحسن الربط بين ما هو تكتيكي وإستراتيجي دون تفريط ودون مزايدة فى قضايانا الإستراتيجية. كانت هذه القضايا نقاط خلاف جوهرية مع نائب الرئيس السابق الذى يخلط بين المهام المختلفة لهذه التحالفات ويعتقد أن بإمكانه عزل القوى التقليدية من عملية التغيير والتحالفات. إن هدفنا النهائي هو التحول الى كتلة تاريخية قابلة للإنتخاب والمنافسة ديمقراطياً، وأن لا نفكر مطلقاً للوصول الى السلطة بوسائل غير ديمقراطية.

 

التحالفات الإستراتيجية وبناء حركة جديدة

 

حديثنا عن التحالفات الإستراتيجية ينطلق من محاولة تجديد الحياة السياسية السودانية فى عمومها والمساهمة فى تجديد حركة التقدم والإستنارة فى بلادنا على وجه الخصوص. ولهذا فإن التحالف الإستراتيجى لبناء حركة واحدة مع قوى السودان الجديد او بناء كتلة تاريخية بإعتماد صيغة تنظيمية تراعى الوجود التنظيمي المستقل لكل طرف فى تحالف ذي مهام طويلة المدى هما الخياران الذان نطرحهما فى عملية التجديد.

إن بناء الكتلة التاريخية مهمة أكثر تعقيداً من حاصل جمع التنظيمات الموجودة حسابياً وسنتطرق لذلك.

نحن الآن نجرى حوارات مع قوى يمكن أن تربطنا معها شراكة إستراتيجية؛ ومن الممكن ان نشكل معها تنظيماً واحداً او تحالفاً إستراتيجياً يحتفظ فيه كل طرف بهويته التنظيمية كما هو الحال فى جنوب إفريقيا. هذه القضية تحتاج الى نقاش واف مع القوى التى ترغب الحركة التوصل معها لتنظيم واحد او تحالف أستراتيجي بقيادة موحدة لحكم السودان ببرنامج جديد.

التحالف الإستراتيجي الذى ندعوا له هو الذى سينهى إنسداد الأفق السياسى لحركات الهامش ويساهم فى نقل رؤية السودان الجديد الى مرحلة أخرى وبناء منظمة عضوية او مظلة فى عملية تمتد فى الريف والمدن.

 

الإنتقال السلس من الكفاح المسلح الى السلمى

 

يبقى الكفاح المسلح مهما طال وقته مرحلة مؤقتة وآلية ذات هدف ووقت معلوم تابعة للمنظمة السياسية المعنية، فحتى الحركات التى وصلت الى السلطة عن طريقه تحولت أجنحتها العسكرية الى جيوش نظامية، وإن احتفظت بطبيعتها الثورية.لا يعنى هذا الإستسلام والخنوع بل الوضوح حول مهام وطبيعة الكفاح المسلح، فالكفاح المسلح ليس آلهة لتعبد، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية بعينها.

إن الكفاح المسلح فى مناطق الهامش يجب أن لا يعن بشكل من الأشكال تبديل الضحايا بضحايا جدد على أساس أثنى، وألا يسعى لإنهاء شكل من أشكال الأستغلال وإستبداله باشكال اخرى. إن هدف الكفاح المسلح هو الوصول لمساومة تاريخية لبناء مشروع وطنى مغاير يجد الإجماع الكافى.

لذلك متى ما توفرت وسائل أقل كلفة لتحقيق نفس الأهداف يجب أن نضعها فى الإعتبار. علينا أن نتذكر أن الكفاح المسلح فرضه عنف الدولة وتمت مواجهته بعنف مضاد حتى إن لم يكن مساوياً له. حاليا تشهد بلادنا و العالم تحولات كبيرة، على قوى الكفاح المسلح أن تضعها فى الإعتبار، ولعل تجربة حركة “الفارك” فى دولة كولومبيا وإبرامها لإتفاق سلام فى “هافانا”مؤخرا والذى انهى حرباً إستمرت لأكثر من خمسين عاما جديرة بالتأمل من زاوية المتغيرات الداخلية والإقليمية والعالمية.

قاد الكفاح المسلح المجموعات المسلحة لنتائج مختلفة وصل بعضها عن طريقه للسلطة كما هو الحال فى إثيوبيا وارتريا، ووصل بعضها لإتفاقيات سلام كما هو حال المؤتمر الوطني الإفريقي والحركة الشعبية فى ٢٠٠٥، ومنها ما إنتهى الى فشل تام مثل حالة “نمور التأميل” فى سيرلانكا.

من المعلوم أن العمل المسلح الحالي فى بلادنا يستمد أهمية خاصة من طبيعة نظام الإنقاذ الفاشى الذى يحتكر أدوات العنف. ومع إدراكنا لأهمية الكفاح المسلح والدور الذى لعبه ومازال يلعبه والظروف الموضوعية التى قادت اليه لاسيما دوره الرئيسى فى وضع قضيتنا فى الأجندة السياسية الوطنية والإقليمية والدولية، لكن علينا أن ندرك أن القوة الحقيقية للحركة تكمن فى العمل السياسي ومخزون النضال الجماهيرى السلمي. وبما أن توازن القوى الحالي لا يمكّننا من تغيير المركز بالكفاح المسلح وحسم المعركة عسكرياً مثل ما حدث فى إثيوبيا وارتريا فإن ذلك يستدعى تفعيل النضال الجماهيري السلمي للوصول للتغيير الذى ننشده.

إن أحد أهداف الكفاح المسلح هى نقلنا الى رصيدنا الأكبر وهو النضال الجماهيري السلمي بترتيبات أمنية تضمن تحقيق هذا الهدف. ولذلك تظل قضية إنتقال حركتنا من الكفاح المسلح الى النضال السلمي الثوري الذى يرمى للتغيير الجذري فى المركز؛ وكيف نزاوج بين الوسيلتين فى فترات ما قبل الإنتقال وبعده قائمة. لمخاطبة هذه القضية يتوجب علينا طرح أسئلة على شاكلة: هل بإمكان الحركة تكوين حزب سياسى سلمي فى المدن والريف قبل إنهاء الكفاح المسلح؛ مثل ما حدث فى آيرلندا الشمالية وجنوب إفريقيا وتجربة الأكراد فى تركيا؟ هذه قضية فى غاية الاهمية تحتاج الى حوار عقلانى يأخذ كل الأبعاد فى الإعتبار لكى نصل الى قرار صائب حولها.

لا شك إننا نحتاج لتفجير وتوظيف الطاقات الكامنة فى النضال السلمي الجماهيري ووسائل اللاعنف وجذب ملايين المهمشين والفقراء وعلى رأسهم النساء والشباب للنضال من أجل تحسين شروط الحياة والمعيشة ومن أجل الحقوق الطبيعية والمدنية وبناء دولة المواطنة بلا تمييز، حتى لا نعود الى المربع الأول مثل ما حدث فى إكتوبر ١٩٦٤ وابريل ١٩٨٥ فمجرد قيام إنتفاضة – رغم أهميته- اليوم غير كاف لإحداث التغيير الجذرى.

ما نسعى له هو إستخدام رصيدنا من الوسائل الأخرى حتى لا ينتهى الكفاح المسلح نفسه الى شكل من أشكال الإستسلام و المساومة والإندماج فى النظام القديم بدلاً من إحداث التغيير. نخطط لذلك آخذين المتغيرات الواسعة فى المدن والريف السوداني اليوم، فهنالك تحول ديموغرافى وطبقى إجتماعى وثقافى كما نعلم أيضاً أن الإنتقال الى العمل السلمي عملية مستمرة لا تنتظر وقف الحرب وتحتاج الى إبتداع اشكال جديدة من النضال. نعلم أيضاً إن المتغيرات الإقليمية والعالمية ذات أثر بالغ على الكفاح المسلح ويمكن القول بإطمئنان إن الكفاح المسلح على مستوى العالم يمر بمرحلة جديدة تستدعى إعمال الفكر. كما أن الإستناد الى قوة الجماهير بضاعة لا تنفد ودائمة الصلاحية.

 

حق تقرير المصير ورؤية السودان الجديد

 

إرتبط حق تقرير المصير بالنضال ضد الإستعمار بكافة أشكاله. ولحق تقرير المصير أشكال ومضامين متعددة بما فى ذلك الحكم الذاتي كأحد أشكال حق أشكال حق تقرير المصير الداخلي. تكمن قيمة الحركة الحقيقية فى أنها لم تمض فى طريق حركة الأنانيا الأولي (١٩٥٥ -١٩٧٢) فى جنوب السودان التى كانت أول من رفع شعار حق تقرير المصير فى الستينات من القرن الماضى.

منذ بدايتها إتخذت الحركة الشعبية مساراً مغايراً غير مطروق وأعلنت عن عزمها لتوحيد السودان على أسس جديدة مما جعل طرحها متميزاً وجاذباً. لم تتوقف عند مظالم الماضي بل طرحت أجندة مشتركة لمستقبل المضطهدين فى كل السودان، ومن كافة القوميات، وهذا هو ما أعطاها مكانتها المتفردة. اتسق ذلك مع طبيعة الحركة كحركة تقف مع وحدة إفريقيا التى قسمها الإستعمار. ولكن مفارقات التاريخ والجغرافيا والسياسة ومركز السلطة فى الخرطوم تعارضا مع هذه الأجندة الجديدة؛ وترافق ذلك لاحقاً مع المتغيرات الإقليمية والدولية فى تسعينات القرن الماضى. كل ذلك ، مع اسباب أخرى جعل “مجموعة الناصر” بقيادة الدكتور “رياك مشار” ترفع شعار حق تقرير المصير لجنوب السودان فى أغسطس ١٩٩١ منهيةً تسع سنوات من العمل المثابر للحركة فى الدعوة لوحدة السودان دون خلطها مع هدف آخر مثل حق تقرير المصير.

اثبتت التجربة إن شوفينيّ المركز وقوميّى الهامش رغم تقاطع اجندتهم ظاهرياً -سرعان ما يلتقون؛ وبالفعل توصل نظام الخرطوم لإتفاق، وللمفارقة ليس مع دعاة وحدة السودان بل مثل مفارقات سياسية كثيرة فى تاريخ السودان وأنظمة حكمه مع مجموعة الناصر التى تطالب بالإنفصال ولكنها لا تحارب من أجله. فالذى جمع “مجموعة الناصر” والخرطوم هو العداء لفكرة السودان الجديد الموحد الديمقراطي العلمانى.

إحتل القوميون الجنوبيون دائما مكانة بارزة فى صفوف الحركة الشعبية ولذا فإن طرح مجموعة الناصر يدغدغ أحلامهم واشواقهم الدفينة فهم لم يقتنعوا فى يوم من الايام بجدوى النضال من أجل وحدة السودان حتى وإن كانت على أسس جديدة. هنا أصبح قرنق فى مفترق الطرق بين رؤيته وحلمه بالسودان الجديد الموحد وبين الضرورة العملية التى تقتضى الحفاظ على القوميين الجنوبيين الذين يشكلون عظم الظهر بالنسبة للحركة ، لاسيما إن الشمال لم يتجاوب مع رؤيته فى الزمان والمكان المناسبين. ولمعالجة ذلك التناقض إستخدم قرنق مقدراته وسحره وذكائه المعهود وحاول