فيما يلي تعيد “التغيير” نشر مقال الدكتور محمد زين العابدين الذي نشر بصحيفة التيار عام 2012 وبسببه صدر حكم بالغرامة أو السجن ستة أشهر على رئيس تحرير الصحيفة عثمان ميرغني، وبالسجن ثلاثة سنوات مع إيقاف التنفيذ على كاتب المقال الذي يتلقى العلاج خارج البلاد،

وصدر الحكم في القضية تحت المادة 62 (إثارة الكراهية ضد الدولة)

ورفض عثمان ميرغني دفع مبلغ الغرامة البالغ عشرة ألاف جنيه سوداني مفضلا الذهاب إلى السجن.

وتضع المنظمات المعنية بحرية الصحافة السودان ضمن أسوأ عشرة دول في العالم من حيث الحريات الصحفية.

وقفات مع لقاء الرئيس
‎د. محمد زين العابدين

‎ما كنت أظن أن اللقاء الذي أجراه الطاهر حسن التوم مع السيد رئيس الجمهورية في قناة النيل الأزرق مساء يوم الجمعة الموافق 3 فبراير 2012م ونقلته في نفس الوقت قناة التلفزيون القومية وقناة الشروق وأذاعة أم درمان، يمر مرور الكرام على الكتّاب الصحفيين والكتاب السياسيين وكذلك النخبة المتعلمة والمثقفة في بلادي،إذ كانت إجابات السيد الرئيس على كل الأسئلة التي طرحت عليه غير مكتملة وبعضها غيرموفق، علماً بأن اللقاء معلن له بوقت كافٍ والأسئلة معروفة للسيد الرئيس ولم تكن مفاجئة له. كما أن الأخ الطاهر الذي أجرى اللقاء لم يحاول أن يستولد أسئلة جديدة من إجابات الرئيس ويدفع بها إليه في مقابل إجابات السيد الرئيس. ولا أدري، هل الكتاب السياسيين الصحفيين قد أحجموا من تلقاء أنفسهم للتعليق على إجابات الرئيس زهداً أم خوفاً أم أنهم قد كتبوا ولكن مقص يد الرقيب كانت لهم بالمرصاد ومنعت ردودهم من النشر. وأني الآن متوكل على الله لأدلف تعليقاً على إجابات السيد الرئيس بالنقد الكامل بكل الجراءة وأتمنى أن تبتعد يد الرقيب عما أكتب؛ لأن وسائل النشر التي لاتتحكم فيها يد الرقيب كثيرة ومقروءة بأعداد كبيرة من القراء أكثر من الصحف اليومية،وأن الحكومة ليس لها المقدرة للتحكم فيها أو إيقافها، فالعالم قد صار قرية بفعل تطور ثورة تكنولوجيا الإلكترونيات. أجاب السيد الرئيس عن انتشار الفساد المالي في البلاد وخاصة من قبل المسؤولين، بأنه ليس هنالك فساداً يذكر ومعظم ما يقال عن الفساد فهو تهويل وأن الفساد المالي الذي تحصل عليه المراجع العام يساوي حفنة من ملايين الجنيهات وقد قام المراجع العام باسترداد الكثير منها. ولا أدري أنسى أم تناسى السيد الرئيس أن الفساد ليس كله في القطاع العام فجزء كبير منه في الشركات شبه الحكومية، وهي شركات الحزب وجهاز الأمن والجيش والشرطة وأن هنالك كثيراً من المال يجبى ويجنب ولا يدخل قنوات المحاسبة ولم تجبَ بأرانيك 15 وبذلك لا تمر على وزارة المالية ولا تخضع للمراجعة، وكذلك ما حدث في شركة أقطان السودان ليس ببعيد ومثلها كثر من شركات شبه القطاع العام. عن فساد الدستوريين والتنفيذيين والتشريعيين في حكوماته، قال الرئيس: إن كل من يتولى منصباً يودع إقراراً بإبراء ذمته قبل أن يباشر عمله. ويبقى السؤال: هل النائب العام تحقق من أن كل ما كتبه المسؤول في إقراره يملكه؟ أم كتبه احتياطى لينهب عليه؟ وهل حدث أن راجع النائب العام ممتلكات أي من المسؤولين بعد أن فارق المنصب ليتأكد ما إذا كان قد أفسد أم لا؟ والرئيس قال إنه شخصياً قد أودع إبراء ذمة عند النائب العام وفيه أقر أنه يملك منزلاً في كافوري وآخر بالمنشية وشقة بمجمع نصر ومزرعة كبيرة بالسليت. ويبقى السؤال: هل أودع هذاالإقرار بإبراء الذمة يوم أن استولى على السلطة في 30 يونيو 1989م أم بعد انتخابه أخيراً رئيساً للجمهورية. إذا كان إقراره هذا منذ عام 1989م، فالكل يعرف حاله وحال أسرته وأنه لا أكثر من ضابط بالجيش والذين في رتبته لا يملكون منزلاً حتى في أمبدة. وإذا كان أودع إبراء الذمة من قبل سنتين، من حقنا أن نتساءل من أين للرئيس كل هذا؟لا أدري لماذا أعتقد السيد رئيس الجمهورية أن الفساد عند العاملين في دواوين الحكومة فقط. وهذا اللقاء معلن منذ زمن، أليس للرئيس من مستشارين يساعدونه في الإجابة على هذه الأسئلة حتى يبدو أكثر حصافة وهم يعلمون أن الشعب السوداني شعب لماح وكما يقول المثل عندنا “يفهمها وهي طائرة ومخفية”. ولماذا لم يسأله مقدم البرنامج عن الفساد في انهيار مباني عمارات جامعة الرباط والتي كان المتهم فيها وزير داخليته وأحد أقربائه المقاول المهندس؟ وهي قضية تمت تسويتها بعيداً عن أعين الشعب ولم يحاكم فيها أحد وحتى وزير الداخلية تقدم باستقالته وقال الرئيس إن رفيقه قد ذهب في إجازة محارب وأتى به ثانية بعد شهور مترقياً كوزير للدفاع، حسبي الله ونعم الوكيل. إن كل قرائن الأحوال تقول إن أية إشاعة في السودان خصوصاً عن الفسادهنالك فيها جزء من الحقيقة، إذ المجتمع السوداني مجتمع مفتوح ومتداخل وكل صغيرة وكبيرة معروفة بين الناس وليست هنالك الخصوصية الشديدة بين أبناء المجتمع السوداني ويعرف أفراده بعضهم بعضاً جيداً، وعندما يرى الثراء الفجائي يتساءل ويبحث ويستقصى ولا يلقى بالقول على عواهنه ويصل للحقيقة التي يعتبرها البعض أشاعة. ألم يسمع السيدالرئيس أنه هو وأسرته متهمين بأنهم قد استحوزوا واستولوا على شريط الأرض الممتد في كافوري والذي ترك في المخطط ليكون للخدمات من مدارس ومستشفيات وغيره، وأن صاحب الملك عزيز كافوري لم يعوض عليه باعتبار أنه للخدمات وتبرع به وصار هذا الشريط عندالشعب السوداني يعرف بشريط حوش بانقا تهكماً كناية عن موطن الرئيس الأصلي بنهرالنيل، إذ امتلكته أسرة الرئيس ونسابتهم وشهدائهم مساجداً. أضافة إلى ذلك فأن إشاعات الفساد على كل الألسنة تلاحق أخاه عبد الله وزوجته وداد وحالها عند الشهيد إبراهيم شمس الدين والآن، وكذلك ما يحوم من شبهات فساد حول زوج أخت الرئيس. ليت مقدم البرنامج قد طرح هذه الأسئلة الشخصية على السيد الرئيس أو فتح البرنامج لأسئلةالمشاهدين. السيد الرئيس يطالب الشعب أو من يتحدثون عن الفساد بأن يقدموا المستندات والوثائق وهو شخصياً قد اعترف بالفساد ضمنياً عندما كون للفساد مفوضية أو آلية لمكافحة الفساد برئاسة أبوقناية، ومع ذلك يقول إن هنالك تهويلاً للفساد. فالفساد سيدي الرئيس جزء من التمكين الذي اعترفت به ومقنن بواسطة الدولة ومحمي بها وهو يضرب بأطنابه في معظم الدستوريين والتنفيذيين والتشريعيين وأقربائهم وأبنائهم وأصدقائهم وهو ظاهر للعيان في غابات الأسمنت وناطحات السحاب في السودان الفقير الذي يعيش معظم شعبه تحت خط الفقر المعروف عالمياً. كيف تحكم سيدي الرئيس؟! الفساد سيدي الرئيس تحسمه كلمة واحدة دونما أن تكون محتاجة إلى مستندات أو وثائق وهي: “من أين لك هذا؟” وهنالك قانون من أين لك هذا وقانون الثراء الحرام، فعّلهما واجعل عليهما أمناء هذه الأمة الذين شهدوا لهم بالأمانة والكفاءة والنزاهة لا يخافون في الحق لومة لائم. والثراء الحرام حتى ولو بالشبهة قد عرفه سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأرضاه في حادثتين. الأولى عندما رأى وهو مارٍ يتفقد الرعية أن هنالك جمالاً ونوقاً سمينة وملساء من الشحم واللحم ورأى بقية النوق والجمال ضعيفة وعجفاء، فسأل لمن هذه النوق والجمال فقيل له أنها لعبد الله بن عمر أمير المؤمنين. فنادى ابنه وقال له نوقك هذه قد أكلت كلأ الآخرين لأن الرعاة أفسحوا لها المراعي الخصبة لأنها أبل ابن أميرالمؤمنيين فصادرها منه وأضافها لبيت مال المسلمين. ومثل هذه الشبهة كثيرة عند كثيرمن مسؤولي حكومتك، فهل أخذت لنا بحقنا منك ومن غيرك؟ والحادثة الثانية هي عندما أتى سيدنا عمر الصحابي الجليل أبوهريرة (رضى الله عنهما) وكان قد ولاه على البحرين،أتاه في الديباج والحرير ومعه كثير من النعم، فسأله أمير المؤمنين عمر أن من أين ل ههذا؟ فقال أبوهريرة إنما أهدى إلي وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، فقال له سيدنا عمر هلا جلست في بيتك ليهدى لك فسلبه كل ذلك وأضافه لبيت مال المسلمين وعزل أباهريرة عن إمارة البحرين. فالسلطة العامة ليست فيها هدايا غيرمغروضة وبذا يكون فيها سمت من الفساد. أليس هذا هو سيدنا عمر سيدي الرئيس الذي تمت تسميتك عليه؟ لماذا لا تتشبه بمن سميت عليه؟ ومن تشبه بمن سمي عليه من أهل الصلاح فقد أفلح، والتشبه بالرجال العادلين فلاحة. أليس هذا هو الإسلام الذي تقول إنك تريدأن تقيم شريعته؟ والإسلام هو من صدق القول بالعمل. وأعلم أنك تعرف طريق عدالة الإسلام ولكنك تزيغ عنها هوى في النفس، وإلا ما الذي يمنعك أن تقيم عدل الإسلام فينا؟ وشعاركم “هي لله لا للمال ولا للجاه ولا للسلطان” فقد دلت التجربة أنكم قد كذبتم فيه وصار العكس هو الصحيح وصار صحبك ينطبق عليهم قول الرسول الكريم: ” أن ترى الحفاة العراة رعاة الشاه يتطاولون في البنيان”. أنظر إليهم إن كنت تتذكر حالهم قبل سلطتك فستعرفهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول.

تحدث السيد الرئيس عن مذكرة الإسلاميين والمعروفة بمذكرة “الألف أخ” والتي ينوون رفعها للحركة الإسلامية ولم يقولوا نريد أن نرفعها للمؤتمر الوطني وإن كانوا كلهم في المؤتمر الوطني؛ ولكن الحركة الإسلامية قامت على الفكر الإسلامي ولها مسارها الطويل قبل المؤتمر الوطني ولها تاريخها ومجاهداتها. لقد قام الرئيس باستعدائهم عندما قال إنه سيحاسبهم وإنهم منفلتون وهم أقلية بالنسبة لعضوية المؤتمر الوطني البالغة خمسة ملايين، وهو يعلم علم اليقين أن معظم هذه الخمسة ملايين كغثاء السيل مع السلطة أينما تميل ولن تجدهم عند الحارة وسينفضوا منك ويتركوك قائماً كما تركت عضوية الاتحاد الاشتراكي ذات الملايين المشير نميري في السهلة عندما جاءت الحارة. والسيد الرئيس يعلم أن مركزوقلب المؤتمر الوطني هم الإسلاميون من الحركة الإسلامية أو الذين تربوا في حركة الأخوان المسلمين وبدونهم لن يكون هنالك مؤتمراً وطنياً تعتد به. أنسى السيد الرئيس أو تناسى لا أعلم أن هذه السلطة هي سلطة الحركة الإسلامية وهم أهل الحل والعقد فيها وهم الذين نفذوا الانقلاب في 30 يونيو بكوادرهم أكثر من ضباط وأفراد القوات المسلحة، وأن الرئيس نفسه لم يكن له ضلع في التخطيط لهذا الانقلاب ولم تكن له كتيبة تابعة له في سلاح المظلات، وقد أتى به ليكون على قيادة الانقلاب بعد استشهاد مختارحمدين رئيس التنظيم العسكري الإسلامي داخل القوات المسلحة، وقد أتى الرئيس من الجنوب وهو يجهز للسفر لبعثة إلى جمهورية مصر العربية، هل نسى السيد الرئيس كل هذاالتاريخ القريب؟ إن من حق الإسلاميين أن يرفعوا مذكرة لتنظيمهم إذا أحسوا أن مشروعهم ودولتهم التي بنوها قد صارت ظالمة وأن مشروعهم الإسلامي قد ضاع هباءً منبثاً مع سلطة فسدت وأفسدت وأضاعت الوطن والعباد؛ ولذلك لا بد من تصحيح المسار. والسيد الرئيس يعلم علم اليقين أن البقية الباقية معه من المنتمين فكراً وثقافة لمشروع الحركة الأسلامية لو رفعوا أيديهم عن النظام اليوم لسقط هذا النظام غداً ولن تنفعه عضوية المؤتمر الوطني المليونية، ولأن هذه الملايين لم تنفع المشير نميري عندما استعدى نميري الإسلاميين ورمى بقياداتهم في السجون. الإسلاميون سيدي الرئيس هم الذين ثبتوا هذا النظام وهم الذين قدموا الشهداء في حرب الجنوب وهم الذين سهرواوحركوا مسيرات التاييد وهم الذين خدعوا الشعب السوداني باسم الدين طوال السنوات الماضية؛ ليستمر حكم الأنقاذ أكثر من اثنين وعشرين عاماً، ولن تنفعك القوات المسلحةحتى ولو كانت معك على قلب رجل واحد؛ ولكن فيها الكثيرين الذين يأتمرون بأمر الحركة الإسلامية وليس بأمر القائد العام أو الأعلى.