نبيل أديب عبدالله

“الشخص الذي يدفعه ضميره لمخالفة قانون جائر، ويرضى عن طيب خاطر أن يعاقب بالسجن نتيجة لذلك، حتى ينبه ضمير المجتمع إلى ذلك القانون الجائر، يعبر في واقع الأمر عن أكبر درجة من درجات إحترام القانون” مارتن لوثر كنج

دار جدل كبير تداخل فيه القانونيون والصحفيون حول رفض الأستاذ عثمان ميرغني سداد الغرامة حين قررت محكمة الصحافة والمطبوعات إدانته بمخالفة المواد 62 و 64 من القانون الجنائي مقروءة مع المادة 35 من قانون الصحافة والمطبوعات وحكمت عليه بالغرامة، وفي حالة عدم السداد بالسجن البديل، ومن ثم فقد أصدرت المحكمة أمراً بسجنه حسبما نص عليه الحكم الصادرفي حقه.

سببت هذه الواقعة جدلاً وصل إلى أجهزة الإعلام، حيث رأى البعض أن ما قام به الأستاذ عثمان يقع في دائرة إزدراء المحكمة، لرفضه تسديد الغرامة مع قدرته على ذلك، وهو أمر لم ينكره هو، بل أقر في مادة منشورة في الصحيفة بأنه كان يحمل المبلغ في حقيبته ولكنه رفض تسديده دفاعا عن حرية الصحافة.

بالنسبة لي فإن المسألة واضحة لا يشوبها اي لبس، فما قام به الأستاذ عثمان ميرغني، هو عمل يجب الإشادة به لكونه من أعمال الإحتجاج المشروعة على قانون جائر .

إزدراء المحكمة

عدم سداد مبلغ الغرامة بواسطة المدان، في حد ذاته، لا يشكل سبباً للقول بوجود شبهة إرتكاب فعل من أفعال إزدراء المحكمة، لأن المادة 198 من قانون الإجراءات الجنائية تلزم المحكمة التي تصدر حكما بالغرامة أن تأمر بطريقة الأداء. والطرق الواردة في المادة كلها من سبل التنفيذ جبرا عن المدين، وقد إختارت المحكمة بالفعل سبيل السجن البديل، دون التقيد بالتسلسل الوارد في المادة، وبالتالي فإن ذهاب عثمان دون أي مظهر من مظاهر المقاومة، لا ينطوي على أي إزدراء للمحكمة. إزدراء الحكم بالنسبة لرفض تنفيذ أوامر المحكمة يظهر في أحد صورتين: الأولى أن يمتنع الموجه له الأمر عن تنفيذ أمر موجه له مباشرة. وهذا ينتفي هنا لأن الحكم لم يأمره بسداد الغرامة بل أمر بسجنه إن لم يسددها. والثاني أن  يخفي المدين أمواله أو يهربها بحيث لا تطالها يد العدالة، كان ببيع ممتلكاته بيعاً صورياً توقعاً لصدور حكماً ضده حتى لا يجد الدائن مالاً ينفذ عليه حكم المحكمة.

هذه هي الأفعال التي تشكل إزدراء المحكمة فهل ما قام به الأستاذ عثمان ميرغني يشكل أحدها؟ الإجابة الواضحة يجب أن تكون بالنفي لماذا ؟ لأن عثمان لم يقاوم حكم المحكمة ولكن المحكمة أتاحت له سبيلاً لتفادي العقوبة السالبة للحرية، بأن يسدد مبلغ الغرامة فرفض هذا الخيار. وبالتالي فإن ما قررته المحكمة في حق الأستاذ عثمان كعقوبة لم يلجأ هو لتفاديه، أو إمتنع عن تنفيذه، بل ذهب بطوعه إلى السجن بدون أي شكل من أشكال المقاومة. والسؤال هو هل ماقام به الأستاذ عثمان ميرغني ينم عن إستهانة بسلطة المحكمة؟ الإجابة عندي بالنفي لأن الأستاذ عثمان صدر في مواجهته حكماً بالغرامة يحمل في متنه طريقة أدائه، وهو قد إمتثل للطريقة التي أمرت بها المحكمة لأداء الغرامة، وهذا هو كل ما في الأمر. حسناً وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا صنفت عمل الأستاذ عثمان بإعتباره عملاً من أعمال الإحتجاج المشروع على سوء أحوال  الصحافة ؟ رأيت ذلك لأن الأستاذ عثمان بإمتثاله للحكم البديل رفع الورقة عن عورة القوانين التي تكبل الصحافة.

قانون الصحافة والمطبوعات لا الحكم القضائي

“حريتنا تعتمد على حرية الصحافة، وهي حرية لا يمكن أن نقيدها بدون أن نفقدها”

توماس جيفرسون

يحكم الصحافة عدد من القوانين تهدف، على عكس  ما يقرر الدستور، لتقييد عمل الصحافة والإعلام، وإخضاعها لجهات إدارية ورقابية وأمنية مختلفة، ولكن تولى كبرها قانون الصحافة والمطبوعات لعام 2009 والذي أجيز بإجماع الكتل البرلمانية، وفق صفقة وُصِفت بأنها تاريخية وذلك في صباح الإثنين 8 يونيو حين تمت إجازة قانون 2009م بالإجماع. وهو يوم حزين في تاريخ التطور الدستوري لهذه الأمة، بإعتباره اليوم الذي تم فيه الإجماع على خرق الدستور. فالقانون الجديد يحوي نفس الأحكام التي حملها القانون الملغي فليس هنالك فرق يمكن أن يُرى بالعين المجردة بين أحكام القانونين، وإذا كان هنالك فرقاً يبرز بإستخدام مكبرات الصورة فليبرزه لنا من يراه.

 الواضح إذن أن الأستاذ عثمان يحتج على القوانين التي حوكم بموجبها، وليس على قرار المحكمة في حد ذاته. فالحكم صدر وفقاً لسلطة المحكمة الأصيلة في الفصل في الإتهامات الجنائية، وقد أدانت المحكمة يموجبه الأستاذ عثمان ميرغني بمواد موجودة في القوانين السارية، وطبقت عليه عقوبة محددة في تلك القوانين فعلام إذن يحتج الأستاذ عثمان؟ إننا تعتقد أن ما فعله عثمان هو أنه وضع القانون وليس الحكم القضائي أمام أعين الجميع بصورته الحقيقة، وهو أنه قانون جائر. كيف فعل الأستاذ عثمان ذلك ؟ فعل ذلك بأن كشف زيف كل الوعود التي أطلقها واضعو القانون حين ذكروا وقت إصداره في عام 2009 أن القانون لا يحمل عقوبة السجن للصحفيين على الإطلاق. أثيرت ضجة كبرى آنذاك على إلغاء عقوبة السجن من قانون 2009، وأن الصحفيين لم يعودوا يواجهون تلك العقوبة، وهي فرية أراد الأستاذ عثمان ميرغني أن يثبت عملياً عدم صحتها، حين ذهب إلى السجن تنفيذاً لحكم صدر في مواجهته، فقط بسبب القانون الذي يحمله المسؤولية الجنائية عن أفعال الغير فقط بسبب موقعه كرئيس تحرير الصحيفة التي نشرت مادة متصلة برأي كاتبها.

ما قام به الأستاذ عثمان ميرغني ليس إحتجاجاً على حكم المحكمة بل  هو إحتجاج على القوانين التي ما زالت تكبل الصحافة بعد مرور إثنا عشر عاماً على صدور الدستور الذي تلزم مادته التاسعة والثلاثين في فقرتها الثانية الدولة بأن تكفل حرية الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى وفقاً لما ينظمه القانون في مجتمع ديمقراطي .

إنتقاد الحكم القضائي خارج المحكمة

“إن الظلم أياً كان يهدد العدل أينما كان ” مارتن لوثر كيمج

رغم أن الأستاذ عثمان لم يعلق على الحكم أصلا، إلا أن عدم إتفاقه معه ليس سراً، وهو ما يقودنا إلى بحث مسألة التعبير عن الخلاف مع الأحكام القضائية. لا يجوز لأي شخص أن يعلق على حكم المحكمة عند تلاوته داخل قاعة المحكمة، ولكن عقب رفع الجلسة يصبح الحكم خاضعاً لمراجعة الرأي العام، وقابلاً للنقد، وذلك دون تجاوز لما يتطلبه منصب القضاء من إحترام، وقد قدمت المحكمة العليا في الهند تفصيلاً موجزاً لذلك المبدأ ننقله فيما يلي:

ذكرت المحكمة العليا الهندية  في دعوى P.N. Duda v. P. Shiv Shanker [1988 (3) SCC 167 أن جهاز إدارة العدالة والقضاة بصفة عامة يخضعون لرقابة ونقد الرأي العام. كما ويخضع القضاة للمساءلة، وهي مساءلة تتم من خلال ضمائرهم، واليمين الذي أدوه ليتولوا مناصبهم. وهذا يلزمهم بالدفاع عن الدستور والقوانين دون خوف أو تفضيل. وبالتالي يجب على القضاة أن يقوموا بواجباتهم وفق ما ترشدهم إليه ضمائرهم. ورغم خضوعهم في ذلك لمساءلة الرأي العام، إلا أن أي انتقاد للنظام القضائي أو القضاة من شأنه أن يعرقل إقامة العدل، أو يضعف الإيمان بالنهج الموضوعي للقضاة، أويضع إدارة العدالة في موضع السخرية، لا يجب أن يُسمح به. ومثل هذه المحاولات هي التي تتم مواجهتها بالإجراءات المعروفة بإزدراء المحكمة ، ولكن انتقاد الأحكام يظل جائزاً ومشروعا. لا ينبغي أن يمتد نقد الأحكام القضائية لأن يعزى دوافع إلى القضاة، بخلاف تطبيق القانون، فهذا من شأنه أن يجلب سمعة سيئة لإدارة العدالة. إن الإيمان في إدارة العدالة هو أحد الركائز التي تعمل على تشغيل وإستمرار المؤسسة الديمقراطية. ينبغي في السوق الحرة للأفكار، أن يكون انتقاد النظام القضائي أو انتقاد القضاة أنفسهم موضع ترحيب، طالما أن هذا الانتقاد لا يضعف أو يعيق إدارة العدالة. وهذه هي الطريقة التي ينبغي للمحاكم أن تمارس بها الصلاحيات المخولة لها لمعاقبة شخص ما على ازدراء المحكمة، سواء أكان ذلك من تلقاء نفسها، أو بناء على طلب من خصم أو محام. ولذلك، ففي الديمقراطيات فإن القضاة والمحاكم على حد سواء يتعرضون للنقد، وإذا كان النقد مؤسسا على حجة معقولة، أو نقد بلغة محترمة ومقدم باعتدال ضد أي عمل قضائي، بإعتباره مخالفا للقانون أو للصالح العام، فإنه لا يجوز لأي محكمة أن تتعامل مع ذلك النقد باعتباره ازدراء محكمة.”

على ضوء ذلك يبدو لنا أن القواعد التي تحكم هذه المسألة تبدو كالتالي

أولا، في حين أنه من الشائع جدا أن يشتكي المتقاضون من حكم لم يأتي على هواهم  فإنه ليس  من المناسب أبدا الإستهتار بالحكم، أو بسلطة المحكمة التي أصدرته.

إنتقاد الأحكام القضائية بواسطة السياسيين

ثانياُ أن الخطورة الحقيقية بالنسبة لإنتقاد الأحكام القضائية يأتي من إنتقادها بواسطة السياسيين بالأخص أعضاء السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية. لما يمكن أن يقود إليه من تأثير سلبي على ثقة الناس في القضاء قد ينتهي إلى الإخلال بإستفلاله. ومع ذلك فليس هنالك مانعاً من أن يعبر السياسيون عن مخالفتهم في الرأي لآحكام قضائية طالما أنهم لم يتحدوا سلطة المحكمة في إصدارها، ولا قوة تلك الأحكام التنفيذية. لأنه من المعلوم أن الأحكام القضائية في أحيان كثيرة تمس مسائل ذات طبيعة عامة، وتتضمن مسائل قانونية ودستورية يكون للسياسيين أراء ذات طابع حاد حولها. ولذلك فقد أعطى الرئيس جورج دبليو بوش في تعليقه على قرار المحكمة العليا الذي يمنح معتقلي غوانتانامو الحق في الطعن في احتجازهم مثالا جيدا للتعامل مع الأحكام التي يعتقد السياسي أنها غير صحيحة. قال بوش “سنلتزم بقرار المحكمة”. واضاف “وهذا لا يعني انني اتفق معها”.

وقد دفع موقف الرئيس أوباما الرافض بشدة لقرار المحكمة العليا في دعوى Citizens United v. Federal Election Commission 558 U.S. 310 (2010) وهي دعوى دستورية هامة تتعلق برسم قواعد الإنفاق على الحملات الإنتخابية بواسطة المنظمات، والتي صدر قرار المحكمة العليا فيها قبل عدة أيام من خطاب أحوال الإتحاد عام 2010 والذي قضى بأغلبية 5 ضد 4 أن حرية التعبير تمنع الحكومة من تحديد مصروفات الجهات المستقلة على الحملة الإنتخابية سواء كانت من الشركات الربحية أو الهيئات غير الربحية ونقابات العمال وغيرها من المنظمات. دفع ذلك الموقف الرئيس للهجوم على ذلك القرار من خلال خطاب حالة الإتحاد، وهو الخطاب الذي يلقيه الرئيس في أول كل عام أمام المجلسين التشريعيين ويحضره كبار رجالات الدولة و يتناول فيه أحوال البلاد. لم يكن الهجوم في حد ذاته مثيرا للإستنكار، بقدر ما كان الموضع الذي إختاره الرئيس لتوجيه نقده مثيراً للدهشة. فقد قرر الرئيس أن يبدأ هجومه على قرار المحكمة العليا الذي لم يكن قد بلغ من العمر أسبوعا، من منصة الخطابة التي ينظر منها مباشرة إلى العديد من قضاة المحكمة العليا الذين صاغوا القرار والذين يجلسون أمامه مباشرة. أضاف السيد أوباما بضع كلمات لم تكن في النص المعد. ويبدو من التمهيد الذي إرتجله الرئيس حين قال “مع كل الاحترام الواجب لمبدأ فصل السلطات” أنه كان يمهد إلى إطلاق نيران كلامية على القرار في حضرة من أصدروه. لا يبدو أن القضاة قد إستمتعوا تماما بهذه المجادلات، ولكنهم لم يحتجوا عليها، وإن كان القاضي صامويل أ. أليتو الابن، أحد القضاة الخمس الذين شكلوا الأغلبية في القرار تحت الهجوم، قد هز رأسه عندما سمع ملخص الرئيس للدعوى، وظهر على شفتيه ما يبدو أنه ذكر “ليس صحيحا”.

ثالثا، من ناحية أخرى، يبدو أن الهجوم على قاض بالإسم يشكك في سلطة المحكمة ذاتها.
هناك فرق بين انتقاد الحكم والهجوم شخصيا على القاضي. ففي حين أن الرؤساء الأمريكيين الحديثين قد إنتقدوا بلغة أحيانا صارخة القضاة إلا انهم فعلوا ذلك وراء الأبواب المغلقة، ولكنهم تجنبوا تماما تقريبا الهجمات الشخصية العلنية  من ذلك ما قاله تيدي روزفلت عن القاضي أوليفر ويندل هولمز، حين قال” يمكنني أن أنحت من الموز قاض يتمتع بعمود فقري أصلب من ذلك”.

الدخول في دائرة المحظور

“إن جميع الحقوق المكفولة للمواطنين بموجب الدستور ليست أكثر من مجرد فقاعة لا تستحق شيئا، ما لم تكن تضمنها لهم هيئة قضائية مستقلة وفاضلة”
أندرو جاكسون

من التعليقات التي تدخل في دائرة المحظور ما حدث في أعقاب أزمة حل الحزب الشيوعي في الستينات، والتي لجا فيها أعضاء الحزب الشيوعي في البرلمان لرفع دعاوي ضد تعديل الدستور لإجازة قانون حل الحزب الشيوعي، والتي أصدر فيها صلاح حسن، قاضي المحكمة العليا، حكمه الشهير الذي أسسه على أن الحريات في المادة الخامسة في الدستور لا يجوز تعديلها. وبالتالي فقد ألغى التعديل وما ترتب عليه من إجراءات. فقد أصدر مجلس السيادة في أبريل 67 بيانا هاجم فيه القرار وفنده من الناحية القانونية، في حين صرح رئيس الوزراء أن الحكم “تقريري.” واعلن ان الحكومة غير ملزمة بتفيذ قرار المحكمة العليا.
وكنتيجة لذلك، استقال رئيس القضاء، بابكر عوض الله. وكتب في خطاب استقالته الى الرئيس الازهري: “عملت مافي وسعي لصيانة إستقلال القضاء منذ أن كان لي شرف تضمين ذلك المبدأ في ميثاق أكتوبر. ولا أريد لنفسي أن أبقي علي رأس الجهاز القضائي لآشهد عملية تصفيته، وتقطيع أوصاله، وكتابة الفصل المحزن الأخير من فصول تأريخه”

وعليه فإن حدود إبداء رأي مخالف لحكم قضائي هي مسألة مشروعة ومقبولة، بشرط أن لا تصل للإستهانة بالحكم، ولا عرقلة تنفيذه.

 نبيل أديب عبدالله

المحامي