خالد فضل

كان اختيارا موفقا فى تقديرى تزامن انعقاد مؤتمر تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل فى قرية (معيجنة مصطفى) مع ذكرى ثورة أكتوبر المجيدة، وللمكان والزمان دلالتهما الرمزية الواضحة، فالقرية هى موطن الزعيم النقابي المعروف المرحوم الأمين محمد الأمين والذى تولى إحدى الحقائب الوزارية فى حكومة ثورة أكتوبر المجيدة، كممثل للمزارعين وحركتهم الثورية التى قادت النضال من أجل نيل مكتسباتهم الطبيعية وعلى رأسها حقهم فى التنظيم النقابي عبر اتحاد المزارعين، لم يكن الأمر يسيرا وقد كانت البلاد تحت الحكم الاستعماري وقتذاك فى منتصف الأربعينات من القرن الماضي، وقد خلد التاريخ أسماء تلك القيادات البارزة شيخ الأمين،يوسف أحمد المصطفى، عبدالله برقاوي….. الخ، وإذ اذكر ان جدنا المرحوم محمد أحمد ود الزين، وكان ممن يجيدون النظم قد أورد ابياتا فى احدى قصائده الجياد لم تمح من ذاكرتى بعد : سموك اللمين واسم اللمين حقيتو ياقمر السبعتين يا الكل البلد ضويتو الآن وقد انصرمت عقود على ثورة أكتوبر، وادلهمت دروب العمل النقابي والثوري، وتبدلت أحوال وظروف،حتى صار مشروع الجزيرة وامتداد المناقل الى ماصار إليه الآن مما بات معلوما للقاصى والدانى، وإذا كانت الشركة الانجليزية هى صاحبة الامتياز الأول فى محصول القطن الذى ينتجه المشروع، وسادت علاقات إنتاج غير متكافئة جعلت المزارعين فى عداد الفقراء الأمر الذى تطلب من قياداتهم الواعية طرق دروب النضال السلمى لرد الحقوق السليبة ونصرة قضايا المزارعين، والتعبير عن تطلعاتهم المشروعه، إذا تم كل ذلك فى زمن الاستعمار الانجليزى، فإن الاستعمار ( الاخوانى) وتحالفه المريب مع الطفيليين، وبعض الارزقية من أبناء الجزيرة أنفسهم قد اودى بالجمل بما حمل،بقي من الجزيرة بجانب الذكرى المؤلمة، الأرض الزراعية والترعتان الرئيستان والترعة الفرعية، حتى جاء زمان أطلق فيه الرئيس البشير عبارته القاسية التى تناقلتها كل وسائط الإعلام (مشروع الجزيرة عبء على الدولة)،وللمرء أن يسأل عن أى دولة يتحدث رئيسها؟اهى الدولة التى انسحبت كليا عن أداء دورها فى الرعاية الاجتماعية لشعبها وفى تقديم خدمات التعليم والعلاج وماء الشرب والصحة، وهى أبسط الحقوق التى يجب ان يحظى بها اى مواطن حتى يصح القول بأن هنالك دولة، أم هى الدولة التى اشتهرت بالجباية وكنز الأموال وتضييق سبل العيش على شعبها لتصرف صرف من لايخشى الفقر على جيوش المتبطلين ممن يوصفون بالدستوريين، وفيالق الامنيين الذين يتكسبون من حمايتهم لسلطة القمع والفساد.

فى الواقع لم يصبح مشروع الجزيرة عبئا على الدولة بل صارت الدولة فى طبعتها الانقاذية هى العبء الأكبر على كل مرفق من مرافق الحياة فى السودان حطت فيه باوزارها فهشمته تهشيما، ومشروع الجزيرة من أكبر الشواهد على ذلك،من يصدق أن كل البنية التحتية للمشروع قد تم تدميرها عمدا وعلى ايدى أشخاص معروفين، ولعل في تقرير لجنة بروفيسور محمد عبد السلام مايشيب من هوله الولدان، تم تدمير بنية ونظام الرى الانسيابي الذى اعتبر معجزة إنسانية فى زمانه، تم تفكيك نظام الإدارة المركزية الحاذقة لأكبر مساحة زراعية يمكن إدارتها بتلك الدقة المشهودة لمشروع الجزيرة، تم تفكيك سكك حديد الجزيرة التى كانت تمتد كالاوردة والشرايين فى الجسد، تم تحطيم البحوث الزراعية وهى رافعة التطوير والتحديث فى تقانة المحاصيل مثلما حطمت الهندسة الزراعية بثقلها وآلياتها وورشها وخبراتها المتراكمة، بل تم تشليع مكاتب الغيط المنتشرة فى كل المساحات الزراعية، وصارت مكاتب مديرى الأقسام وتبدلت أحوالها من جنان يانعة الزهر والثمر الى اقبية من الاطلال والحزن والكآبة، وأصبح تبعا لذلك مزارع الجزيرة كاليتيم فى مأدبة اللئام تتقاذفه أمواج ضيق ذات اليد وإدارة المشروع البائسة التى لاتهش ولا تنش، وأرباح البنك الزراعي المركبة وجشع وطمع شركات الشره التى تروم ابتلاع الأرض وسحل الإنسان وتكبيله باغلال رأس المال الطفيلي، كل ذلك ومذياع الدولة وتلفازها ينقل فى الأحاديث البائرة عن النفرة والنهضة وعن التقانة وزيادة الانتاج وتنويع المحاصيل وآفاق البستنة وأسواق الصادر وهلمجرا.

يعرف المزارعون لون اللص الرابض للقطعان، كما فى مقطع لشاعر أكتوبر محمد المكى إبراهيم، يعرفون العدو من الصليح لذلك جاء مؤتمر تحالفهم هذه المرة باذخ المعانى وهو يستلهم روح المناضلين الأبرار الذين ماوهنوا ولا ساوموا حتى تحقق مطلبهم العزيز وتكوين اتحادهم رمز وحدتهم والمنافح عن حقوقهم،وكان جديرا بالتنويه أن جاء ختام المؤتمر مؤكدا على الحق فى عودة الاتحاد وبطلان قرار حله، وللسير قدما فى خطواتهم الثورية لاستعادة الحقوق السليبة وعودة الهيبة للمزارع فى المشروع ومن ثم الشروع فى عودة المشروع نفسه وماضاع حق وراءه مطالب.