كمال الجزولي

 

(1)
كنَّا كتبنا، الأسبوع قبل الماضي، عن معضلة الاستفتاء الذي أجرته حكومة كردستان في 25 سبتمبر المنصرم، بهدف (تقرير مصير) الإقليم، والمخاطر التي ستحتوش هذه القضيَّة، حتماً، وأقلها التَّدخلات الأجنبيَّة، حال تعاطت معها بغداد بضيق أفق. لكن مخاوفنا تحقَّقت، للأسف، بأن هيَّأت بغداد، وسط كلِّ هذه المخاطر، مناخاً يتيح التَّدخُّلات، واستخدامات العنف، ويفجِّر، قبل أيِّ شيء، خلافات الأكراد أنفسهم، لدرجة إقدام نُّوابهم من حزب (الاتِّحاد الوطني)، في البرلمان العراقي، على التَّحريض، ليس فقط ضدَّ نوَّابهم الآخرين من (الحزب الدِّيموقراطي) الحاكم الذين آزروا الاستفتاء في الإقليم، بل وضدَّ رئيس الجُّمهوريَّة فؤاد معصوم نفسه، مطالبين بإقالته من منصبه، بحُجَّة حنثه بقسم اليمين على الالتزام بصون وحدة البلاد، دون أن يشفع له كونه، هو نفسه، كرديَّاً، دَعْ انتماءه إلى حزب (الاتِّحاد الوطني)، أو تحميله مسعود برزاني و(حزبه الدِّيموقراطي)، في كلمة متلفزة، كامل المسؤوليَّة عن الاستفتاء الذي استعادت، بسببه، القوَّات العراقيَّة، مؤخَّراً، بعض المناطق التي ظلَّ مسكوتاً عن ضمِّها من جانب سلطة أربيل، وعلى رأسها محافظة كركوك! وقد تلازم ذلك التَّصعيد مع تعليق بغداد (الحوار) الذي قبلت به أربيل على شرط إلغاء الأخيرة نتائج الاستفتاء، وإعلان التزامها بالدُّستور، ما اعتُبر محاولة لتركـيع حكومة برزاني أمام شعبها!
(2)
الأمر نفسه تكرَّر، نقل مسطرة وكربون، في (الحالة الكاتلونيَّة)؛ إذ تزامن مع تلك الأحداث، إقدام مدريد، كأنَّما تقتدي ببغداد، على تصعيد مماثل في مواجهة استفتاء آخر جرى هناك، أيضاً، مطلع الشَّهر الجَّاري، على (تقرير مصير) الإقليم، فاستخدمت القوَّة لاقتحام بعض مراكز التَّصويت، ومصادرة الصَّناديق، والتَّحفظ على البطاقات، بل ونشر الآلاف من عناصر الشُّرطة في شوارع وميادين برشلونة، حيث كان لا بُدَّ أن يقع الصِّدام المحتوم مع الجَّماهير، فاستُخدم الرَّصاص المطاطي، ما أسفر عن سقوط مئات المصابين، كما اعتقل، في السِّياق، ناشطون، على رأسهم قائدان شعبيَّان كبيران، بـ (تهمة) مؤازرة الاستفتاء، وذلك بموجب أمر قضائي إسباني أمهل حكومة الإقليم، برئاسة كارلوس بوغديمونت، أيَّاماً قلائل لإلغائه، والتَّراجع عن نتائجه، بعد أن حصد ما يفوق الـ 90% من الأصوات لصالح الانفصال عن إسبانيا، فما ازداد لهيب الشَّارع الكاتلوني إلا أوارا!
ويفاقم من هذه المواقف الحدِّيَّة أن حكومة مدريد، المدعومة برموز حزبيَّة وصحفيَّة وأكاديميَّة، تتمسَّك بتفسير لدستور 1978م يرى أن كاتلونيا ليس لها سوى أن تتمتَّع بـ (الحكم الذَّاتي)، فقط، في إطار المملكة، ما ينفي أيَّ حقٍّ لها في (تقرير المصير) على أيِّ نحو مغاير!
وعلى غرار محاولة بغداد تركيع أربيل، صدرت مدريد، هي الأخرى، عن مواقف متصلبة، على لسان رئيس حكومتها ماريانو راخوي، بعد ما لا يزيد عن بضع ساعات من تمديدها المهلة التي منحتها لحكومة الإقليم لإلغاء الاستفتاء، وإلا فإن مدريد ستفرض (الحكم المباشر) على الإقليم، كليَّاً أو جزئيَّاً!
ومع أن راخوي قد يجد من حقِّه أن يستند، في (تهديده) هذا، إلى المادَّة/155 من الدُّستور، والتي تجيز لمدريد فرض (الحكم مباشر) على أيٍّ من أقاليم (الحكم الذَّاتي) إذا انـتـهـك الدُّسـتـور، مقـروءة مـع المـادَّة/2 منـه، والتـي تـنـصُّ عـلـى (وحـدة الأمَّـة الإسـبانيَّة)، إلا أن المـحـكَّ الحقـيقـي يكـمـن، هنا، في علويَّـة الرُّوح الدُّسـتوريَّـة (Constitutionalism)على المنطوق الحرفي المباشر لـ (النُّص الدُّستوري)، في حين ينطوي تهديد راخوي الصَّريح هذا على تجاهل فظ لهذه (الرُّوح الدُّستوريَّة)، برغم دعوة بوغديمونت له للتَّفاوض لإيجاد حلٍّ ودِّي للأزمة، خلال شهرين؛ وتعليقه، في سبيل إنجاح هذه الدَّعوة، وثيقة (الإعلان الرَّمزي للاستقلال) التي تقضي “بإنشاء جمهوريَّة كاتلونيا كدولة مستقلة، ذات سيادة، تحترم القانون والدِّيموقراطيَّة والمبادئ الاجتماعيَّة”، والتي كان وقَّعها مع نوَّاب برلمان الإقليم، مع أنها لا تعتبر رسميَّة، لكون البرلمان نفسه لم يصادق عليها، وإنَّما تهدف، فحسب، إلى فتح قنوات (حوار سياسي) مع مدريد. غير أن حلفاء بوغديمونت هؤلاء ما انفكَّوا يضغطون عليه ليتحدَّى مهلة مدريد بتنفيذ (الوثيقة)، فعليَّاً، عن طريق الإعلان (الصَّريح) للاستقلال. ومن هؤلاء (حزب الوحدة الشَّعبيَّة) الذي دعا، من أقصى اليسار، قائلاً: “إذا أرادت مدريد مواصلة تهديدنا، وتكميم أفواهنا، فلتفعل ذلك لجمهوريَّة يكون قد تمَّ إعلانها بالفعل”!
(3)
راخوي ليس وحده في ممارسة الضَّغط على الرَّئيس الكاتلوني، إذ يقف، من ورائه، الاتِّحاد الأوربِّي بقضِّه وقضيضه. وقد لا تغيب عن البداهة حقيقة أن تعليق بوغديمونت تنفيذ (إعلان الاستقلال الرَّمزي) لم يكن بعيداً عن (تخويفه)، أوربيَّاً، من تداعيات (الانفصال) على القَّارَّة. ومن نماذج ذلك أن جان كلود يونكر، رئيس المفوَّضيَّة الأوربيَّة، أفصح، بكلِّ وضوح، ضمن خطابه الصَّريح بجامعة لوكسمبورج، في 13 أكتوبر 2017م، عن معارضة الاتِّحاد الأوربِّي لاستقلال كاتلونيا، حتَّى لا تقتدي بها أقاليم أخرى، كما قال، فيؤثِّر ذلك سلباً على ترتيبات الاتِّحاد، غامزاً، بطرف، ربَّما إلى أقاليم بعينها أبدت تململاً باتِّجاه الانسلاخ، كإقليم بافاريا بألمانيا، أو لومبارديا وفينيتو بإيطاليا، أو (الباسك) في أسبانيا نفسها، والذي سارعت، بالفعل، منظمة (غوري اسكو داغو) التي تدافع عن حقِّـه، هو الآخـر، في (تقرير مصيره)، إلى تأييد (استفتاء كاتلونيا)، بمظاهـرة، في بيلباو، لا يقـلُّ قوامها عن 35 ألف متظاهر!
وفي خطابه المشار إليه عبَّر يونكر عن بالغ قلقه إزاء النَّزعات الانفصاليَّة في القَّارَّة، وكشف عن أنه حثَّ راخوي على “السَّيطرة على الموقف!”، واستبعد، في نفس الوقت، وساطة الاتِّحاد الأوربِّي، من باب عرقلة الدَّعوة التي أطلقها الرَّئيس الكاتلوني للوساطة، مبدياً استعداده للَّتخلي عن كلِّ ما اتُّخذ من ترتيبات، إذا وافقت حكومة راخوي على مفاوضات تضمن إجراء استفتاء قانوني هادئ، ومتوافق عليه.
ومن جانبه قال راؤول روميغا، المتحدِّث باسم شؤون كاتلونيا الخارجيَّة، ضمن تعليقه على موقف الاتِّحاد الأوربِّي المؤازر للحكومة الإسبانيَّة، إن الاتِّحاد يفقد صدقيَّته بسعيه لفرض إرادة مدريد على الإقليم؛ وتساءل، في السِّياق، عن مستقبل الدِّيموقراطيَّة في الاتِّحاد إذا واصل انتهاج مثل هذه السِّياسة!
غير أنه ما من شكٍّ في أن لمخاوف الاتِّحاد الأوربِّي أسبابها الموضوعيَّة، فقد صار القلق يساور قادته منذ خروج بريطانيا منه، حيث أصبح عدد دوله 26 بدلاً من 27، وهيَّأ صعود اليمين المتزايد في القَّارَّة لحراكات أضحت تتزايد، هي الأخرى، من جانب الأقـاليم التي ما تنفكُّ تتململ، الواحدة بعد الأخرى، مطالبة بحقِّهـا في شتَّى أشكال (تقرير المصير)، سواء بالانفصال عن الدُّول الأم، والتَّحـوُّل إلى (دول قوميَّة) مستقلة، أو حتَّى بمجرَّد توسيع صلاحيَّات (حكمها الذَّاتي).
وكان قد سبق لمسؤولين أوروبيين أن أنذروا، صراحة، في ما يتَّصل بكاتلونيا تحديداً، بأنه، في حال انفصالها، سيتمُّ إقصاؤها من الاتِّحاد الأوربِّي! وفي السِّياق لم تستبعد بعض المصادر أن تلجأ مدريد، المستقوية بالاتِّحاد، إلى قوانين أخرى ربَّما تمهِّد لاعتقال بوغديمونت نفسه!
لكلِّ ذلك، لم يكن مستغرباً نزول مئات الآلاف من المتظاهرين، يوميَّاً، إلى شوارع برشلونة وغيرها من المقاطعات (جـرندة ولاردة وطـراغونة)، رافعين أعلام الإقليم، ومشدِّدين، على رفض التَّراجع عن قرار الاستقلال، لتزداد الأوضـاع سخونة وتعقيداً.
(4)
لكن، ولمَّا لم تكن هذه هي المرَّة الأولى التي يجري فيها الإقليم استفتاء على (تقرير مصيره)، حيث سبق أن حصد الاستقلال 80% من أصوات استفتاء أجري في 2014م، لولا أن مدريد لم تعترف به، لذا، فإنه من غير المتصوَّر أن تعود نفس مدريد هذه لتوافق، عن طيب خاطر، على استقلال الإقليم. فكاتلونيا الواقعة في الشَّمال الشرقي من إسبانيا تمثِّل، بالنِّسبة للمملكة، أهميَّة استراتيجيَّة واقتصاديَّة كبيرة؛ حيث تساوي مساحتها، البالغة 32.1 ألف كم مربع، مساحة بلجيكا؛ وتضمُّ المقاطعـات الأربع المار ذكرها؛ ويبلغ عـدد سكانها 7 مـلايين و500 ألف نسمة من إجمالي عدد سكان إسبانيا المقدر بنحو 47 مليون نسمة؛ ولديها حدود مع فرنسا؛ وساحل واسع على البحر؛ ويمثِّل اقتصادها رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو؛ وتنتج 20% من إجمالي الناتج المحلي لإسبانيا، مقارنة، مثلاً، مع ناتج اسكتلندا الذي يمثل 8% من إجمالي الناتج المحلي لبريطانيا؛ فضلاً عن أن الموانئ الكاتلونيَّة تصدِّر 25% من صادرات إسبانيا، في ما يعمل 50% من السُّكان بالمجال الصِّناعي والتِّجاري والخدمي، خصوصاً في قطاعات المصارف، والسِّياحة، والصناعات الغذائيَّة، والكيميائيَّة، والتكنولوجيَّة؛ وإلى ذلك كله يتمتع الإقليم بأوسع صلاحيَّات للحكم الذَّاتي من بين جميع أقاليم إسبانيا الـ17.
(5)
الأحداث تتلاحق بسرعة الضَّوء. وآخر ما بلغته حتَّى الآن اتِّفاق حكومة راخوي مع (حزب العمَّال الاشتراكي) المعارض على إجراء انتخابات إقليميَّة في كاتلونيا، خلال يناير القادم، في إطار حزمة إجراءات لحكم الإقليم مركزيَّاً لفترة مؤقتة، بناء على تفاهمات بينهما تصبُّ في ضرورة الوقوف في وجه النَّزعات الانفصاليَّة، وذلك بتمرير قرار تفعيل المادَّة/155 من الدُّستور، من خلال اجتماع استثنائي لمجلس الشِّيوخ تحدَّد له الخميس 6 أكتوبر الجَّاري، بعد أن انتهت مهلة مدريد لبويغديمونت دون أن يوافق على إلغاء ترتيبات حكومته باتِّجاه الانفصال!
…………………………
نخلص، في التقدير النِّهائي، إلى أنه ليس من اليسير لكاتلونيا، برغم الدُّعومات التي يمكن أن تسند حقِّها في (تقرير المصير) من جهة القانون الدَّولي العام، أن تبلغ مرادها في (الاستقلال) بدون ترتيبات تضمن لها تفاهمات واتِّفاقات دوليَّة شـديـدة القـوَّة والوسع بهذا الاتِّجاه؛ كما وأنه ليس من اليسير لمدريد، برغم إمكانيَّة إنفاذهـا للمادتين/2 ، 155 من دستورها، أن تجحد حقٍّاً أبلج يضمنه القانون الدَّولي العام لقوميَّة صغيرة في (تقرير مصيرها)، دون أن تؤذي سمعتها في أفق العـلاقات الدَّوليَّة، مهما برع محاموها في تقييد هذا الحقِّ بتفسيرات تنأى به عن أشواق التَّمايز الهويوي القومي، لتقصره على الشُّعوب المستعمرة، والأراضي المحتلة.
وعموماً، لم يحدث أن تعرَّض دستور 1978م، منذ صدوره، عقب رحيل الجَّنرال فرانكو ونظامه الدِّكتاتوري عام 1977م، لأزمة كهذه؛ أمَّا الآن فهو مهدَّد بالرِّدة الشَّاملة عن الدِّيموقراطيَّة إلى .. الفرانكويَّة، بسبب تصلب سياسات مدريد والاتِّحاد الأوربِّي، وافتقارهما لأبسط مقوِّمات الحكمة والتعقُّل حيال قضيَّة (تقرير المصير)!
***