رشا عوض

“إصلاح التعليم” بصورة شاملة وجذرية من  القضايا الاستراتيجية المرتبطة عضويا بنهضة البلاد في كل المجالات، وذات الارتباط الوثيق  بنجاح أي مشاريع للتنمية الاقتصادية والبشرية، وقبل ذلك هو من أهم شروط تكريس العقلانية والاستنارة في المجتمع ومن ثم تعزيز فرص التحول الديمقراطي.  

التعليم في السودان الآن من أكثر المجالات التي تعاني من الانهيار، وانعقدت ندوات ومؤتمرات عدة تناولت هذه المعضلة، وقدمت بشأنها توصيات تناولت الأبعاد الفنية والإدارية والاقتصادية والفكرية، ولكي يتم تدشين مشروع نظام تربوي تعليمي بديل للنظام المعطوب الماثل الآن، لا بد من وجود سلطة لها إرادة سياسية لإصلاح التعليم، وهذا يعني أن إصلاح التعليم رهين لنجاح مشروع للتغيير السياسي، بشرط أن يمتلك النظام السياسي الجديد “سياسات بديلة” تضع التعليم في قمة أولوياتها.   

ولكن، هناك من يرى عدم الوقوف موقف المتفرج من مسلسل انهيار التعليم وانتظار التغيير السياسي لحل هذه المعضلة، بل يجب أن تتكون “جبهة لتحرير التعليم” – على حد تعبير الاستاذ عبد العزيز حسين الصاوي- وأن تناضل هذه الجبهة بشكل يومي في سبيل إصلاح ما يمكن إصلاحه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عقول جيل المستقبل.

جريمة النظام الحاكم في حق التعليم لا تقتصر على تخلف المناهج، وحشوها بآيدولوجيا “الإسلام السياسي” عبر مناهج التربية الإسلامية والبدع الجديدة في المواد الدراسية مثل”الإنسان والكون” و”نحن والعالم المعاصر” وغيرها، بل تتجلى الجناية على مستقبل الأجيال الشابة في النسبة المخجلة المخصصة للتعليم من ميزانية الدولة(أقل من 2%) وما ترتب على ذلك من إذلال الطالب والمعلم، وتصاعد أعداد الفاقد التربوي بصورة مخيفة، فضلا عن تفشي الأمية. وهذا معناه أن التعليم الموجود رغم ضعفه ورداءته غير متاح ولا عدالة في الوصول إليه، إذ يصدق عليه المثل العربي القديم(أحشفا وسوء كيلة؟)!! فالحشف هو التمر الردئ جدا، ويضرب هذا المثل لمن يجمع بين منقصتين: رداءة البضاعة والغش في الوزن!!

وهذا ينطبق تماما على التعليم في السودان، الذي يعاني اختلالا بائنا في مناهجه القاصرة عن إنشاء وتنمية العقلية العلمية النقدية، وعن استكشاف المواهب والقدرات والمهارات الكامنة وتطويرها، وعن ربط الدارس بمعارف العصر في منابعها الأصلية،  وصولا إلى تخريج كفاءات علمية وتقنية وأكاديمية ذات ميزة تنافسية في سوق العمل محليا وعالميا، وذات قدرة على المساهمة النوعية في تنمية البلاد.

والوجه الآخر للخلل هو عجز المناهج التعليمية عن تعزيز ثقافة احترام الآخر والاحتفاء بالتنوع والتعددية في المجتمع السوداني، فمن ضمن ما يتعلمه طلاب المدارس والجامعات في مناهجهم أن الديمقراطية شرك والاشتراكية كفر والعلمانية مذهب هدام وضال! وان المرأة وغير المسلم ليس من حقهم أن يحكموا البلاد!

 ورغم كل هذا التردي في نوع التعليم فهناك ملايين محرومون منه تماما حتى في مرحلة الأساس! وهذا من الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان، لأن حرمان شخص من “التعليم الابتدائي” وتركه عاجزا عن القراءة والكتابة معناه الإمعان في عزله وتهميشه ومصادرة فرصته في التطور والترقي اجتماعيا واقتصاديا!  

 

وانطلاقا من ذلك يجب أن تتضمن أجندة النضال السياسي اليومي ضد نظام الاستبداد والفساد تنظيم حملات ضغط نقابية وجماهيرية قوية  لاجبار الحكومة على الوفاء باستحقاقات مبدأ”مجانية وإلزامية التعليم الأساسي” المنصوص عليه  في دستور السودان الانتقالي لعام 2005 والذي ما زال ساريا حتى الآن! ماذا يقول الدستور والمفترض أن يكون “أبو القوانين” عن “الحق في التعليم”؟

 

تقول المادة 44- (1) من وثيقة الحقوق في دستور السودان الانتقالي :” التعليم حق لكل مواطن وعلى الدولة أن تكفل الحصول عليه دون تمييز على أساس الدين أو العنصر أو العرق أو النوع أو الإعاقة.

 

(2) التعليم في المستوى الأساسي إلزامي وعلى الدولة توفيره مجاناً.”

رغم هذا النص الصريح نجد تهميش التعليم في موازنات الحكومة لدرجة تجعلنا نجزم بأن هناك مؤامرة لتجهيل الإنسان السوداني!

فمجانية وإلزامية التعليم الأساسي نص يزين الدستور  شأنه شأن كل نصوص وثيقة الحقوق!! ولكنه حبر على ورق! مجرد نص ميت! ولذلك يجب أن يعمل الحادبون على التعليم والراغبون والراغبات في الاصطفاف في “جبهة تحريره” على إحياء هذا النص بمختلف وسائل المقاومة الشعبية!

يجب ان يعلم كل مواطن وكل مواطنة أن التزام الحكومة بدستورها يقتضي الآتي:

كل طفل سوداني وكل طفلة سودانية من حقه ومن حقها دراسة سنوات التعليم العام مجانا دون دفع مليم واحد للمدرسة مع توفير كل مستلزمات الدراسة من كتب وكراسات وأقلام ومساطر وبرايات ومساحات وادوات هندسية وألوان وطين صلصال بالإضافة للزي المدرسي(ملابس واحذية) وصابون لغسل ملابس المدرسة أسبوعيا ، كل ذلك مجانا! وإذا كان الوصول للمدرسة يحتاج لركوب مواصلات فيجب إلزام المركبات العامة بتوصيلهم مجانا والمقابل تدفعه الحكومة في شكل دعم لأسعار الوقود أو تخفيض رسوم الترخيص أو الضرائب إلخ..

ولأننا في بلد فقير جدا يجب ان توفر المدارس وجبة غذائية كاملة للطلاب والطالبات!

هذا عن المجانية، أما الإلزامية فمعناها أن أي أسرة تمتنع عن إدخال طفلها أو طفلتها لمدرسة الأساس أو تحرمه\ها تكون مرتكبة لمخالفة قانونية وتتعرض للمساءلة والعقاب بعد أن تتولى الجهة الحكومية المختصة إدخال الطفل او الطفلة إلى المدرسة وأخذ تعهد من الأسرة بعدم عرقلة مواصلته/ها للتعليم، وتكون هناك خطوط اتصال سهلة ليتمكن  أي طفل أو طفلة يعاني من ضغوط أسرية لحرمانه من التعليم   .

وعنصر الإلزامية هذا، أي فرض التعليم بقوة القانون وسلطة الدولة مهم جدا ولا سيما بالنسبة للبنات المحرومات من التعليم بسبب العادات والتقاليد، ويجب تطبيق مبدأ إلزامية التعليم بصورة مستنيرة، بمعنى إجراء الدراسات الاجتماعية في كل منطقة من مناطق البلاد لتحديد الأسباب الحقيقية التي تجعل الأسر تحرم أطفالها من التعليم، فإن كانت محصورة في الفقر فحل المشكلة هو “مجانية التعليم” على النحو المفصل أعلاه، وإذا كان الفقر مدقعا لدرجة أن الأسرة تحتاج “لعمالة الأطفال” فالحل يجب ان يكون تعويض الأسرة عن فقدها للعائد من عمل أطفالها مع إصدار القوانين الصارمة التي تمنع عمالة الأطفال وتلاحق بجدية كل من يشغلهم حتى يصبح هذا الخيار، أي الارتزاق من عمل الأطفال، غير متاح عمليا بسبب التضييق القانوني، وفي حالة أن تكون الأسباب مرتبطة بالعادات والتقاليد  يجب تكثيف جرعات التوعية بأهمية التعليم وانه ضرورة حياة للأولاد والبنات على حد سواء، ويجب ان يكون رأس الرمح في الجهد التنويري في هذا المجال الشخصيات المستنيرة ذات النفوذ والاحترام  في المجتمعات المحلية، وفي حالة عدم وجودهم، يجب ان يتوفر لدى من يصممون  الخطاب الإعلامي للتوعية معلومات كافية عن عادات وتقاليد وتاريخ وثقافة كل منطقة، حتى لا تكون الدعوة للتعليم “رطانة” مستعلية على المستهدفين، فتجعلهم أكثر نفورا. هذا هو معنى “مجانية وإلزامية التعليم” وإذا امتنعت الدولة عن الوفاء به  فيجب انتزاعه منها انتزاعا! وإذا لم يستطع المواطنون انتزاع حقهم في التعليم فيجب ان يتحول هدفهم إلى انتزاع السلطة من نظام الحكم الذي يبدد مليارات الدولارات في الإنفاق على ترف النخبة الحاكمة ويترك أجيالا غارقة في ظلام الجهل والأمية.

اتمنى أن يرسم لنا أهل القانون والفقه الدستوري خارطة طريق للتحرك في هذا الملف، ماذا يفعل آلاف الآباء والأمهات حين يذهبون لتسجيل أطفالهم في المدارس فتطالبهم إداراتها بدفع رسوم؟ ماذا يفعل من ليس في مناطقهم مدارس أصلا؟ هل من حق أي مواطن أو مواطنة حين رؤية مجموعة من الأطفال خارج المدرسة ويعملون لإعالة انفسهم وأحيانا أسرهم رفع دعوى أمام المحكمة الدستورية؟ وضد من يجب ان تكون؟

هذه ليست رومانسية تتجاهل الواقع المحبط في كل المؤسسات العدلية في البلاد بما فيها المحكمة الدستورية، وتحسن الظن بنظام حكم يتعمد مع سبق الإصرار والترصد تخريب التعليم لصالح مشروعه الاستبدادي الذي يخشى العقول الحرة القادرة على التحليل والنقد والتمرد والعصية على الإخضاع والتنميط، فالهدف من تنظيم مثل هذه الحملات وربطها بهموم السواد الأعظم من المواطنين  هو نفخ الروح في الحراك الجماهيري ومراكمة خبرات ومهارات العمل الجماعي من أجل تحقيق المصالح العامة وفي هذا السياق حتما سوف تنفرز قيادات المستقبل وتنمو المهارات والثقافة السياسية في رحاب خدمة الجماهير لا في دهاليز المؤامرات من أجل التسيد على الجماهير!