صلاح شعيب

هناك قليل من الصحافيين الذين جمعوا بين الصحافة الأدبية والسياسية، ومن ضمن هؤلاء الصحافي المخضرم صديق محيسي الذي حرمت الغربة الأجيال الجديدة من معينه الثقافي الذي لا ينضب. وكثيرا ما أجد شبهه في أستاذنا معاوية حسن يسن الذي جمع بين الصحافة السياسية، والفنية، والعمل الإذاعي الذي توجه نجما في البي بي سي، إذ كان يأتينا الأثير حتى منتصف التسعينات بصوته الرخيم عبر نشرة السادسة صباحا. ومعاوية، إذ هو أيضا أحد خبراء الإعلام، فإن موهبته في عزف العود جعلته عارفا بخبايا التاريخ الفني للأغنية السودانية، ولا يفتى أفضل غير معاوية عن جيل الخمسينات والستينات الذي حمل مشعل الأغنية، فأرخ لرموزها عبر مجلدات قيمة.
أما محيسي الذي سبق معاوية بعقد تقريبا من الزمان فيملك ذاكرة فوتوغرافية عن مراحل تطور الأدب السوداني في الستينات بما لا يجارى في هذا المجال. فهو بدأ محررا متفرغا خلافا للكثيرين الذين أشرفوا على الملاحق الثقافية للصحف، والذين كانوا يمارسون مهنا أخرى بجانب الصحافة. ولكن محيسي صاحب الأسلوب الصحفي الشيق بدأ بكل مراحل التحرير الصحفي، وملأ مغارات ذهنه بفن الصحافة والأدب. وحتى موعد مغادرته السودان قبل انتفاضة إبريل كان عنصرا فاعلا في الوسط الصحفي والثقافي. ولم يكن مجرد متابع لأخبار الأدب، ومحررا يغطي المناسبات الثقافية، وإنما كان ناقدا كبيرا عارفا بالاتجاهات النقدية القديمة، والجديدة، ومؤرخا لأهم مرحلة من تاريخ الصحافة السودانية عموما، والثقافية خصوصا. توثقت صلته بالمجال لمعاصرته النهضة الثقافية العربية أيضا في الستينات، إذ كانت بيروت، والقاهرة، تتصدران الكتابة، والنشر، وتصل منتجات المركزيتين الثقافيتين إلى السودان حتى عُرف حينذاك أن السودانيين من أكثر شعوب المنطقة قراءةً.
ومن حظوظ محيسي أنه صادق معظم المثقفين الذين توهجوا في خرطوم الستينات التي كانت غنية بلياليها الثقافية، وحيوية رموزها، وأجواء ليبراليتها الوارفة. وشهد الفتى كل الجلسات الأدبية التي كانت تعقد في الخرطوم، وأمدرمان، وبحري. ولم يفارق منتدى عبدالله حامد الأمين بأمدرمان الذي كان يعقد الندوة الأدبية لسنوات طويلة. ينسرب محيسي الشاب النحيل وسط عمالقة الفكر، والأدب، والثقافة، والفن، أمثال صلاح أحمد إبراهيم، ومنير صالح عبد القادر، والزين عباس عمارة، والحويج، وتاج السر الحسن، وإسماعيل خورشيد، وغيرهم. وبعد أيام يقدم خلال صفحته الثقافية رصدا لـ”ندوة الأربعاء” التي كانت من آيات أمدرمان المتعددة. وعند الوجوديين بقيادة بشير الطيب تجد محيسي هناك مستمعا، ومحاورا، وراصدا، لحلم هذه الجماعة الثقافية التي أرادت أن ترسخ المعرفة بالوجود، والخطو نحو تلمس الفكر الإنساني. وفي أبادماك كان محيسي موجودا لينقل للقارئ رصيد هذا التجمع الثقافي.
الحقيقة أن وجوده في الصحافة الثقافية جعله حلقة الوصل بين هذه التجمعات الحداثية الذي ينشر نتاجها، وبينه وبين الكلاسيكيين الذين كان يزاور ملتهم. وهنا تجده يهتم بأدب عبد الله الشيخ البشير، وعبدالله الطيب. وحين يأتي الفيتوري، ومحيي الدين فارس، من مقامهم في الأسكندرية لأول مرة، يجدون محيسي أقرب من يقتربون إليه فيقطنون معا ليقضوا ليالي الأنس، والأدب في مجالسهم الخاصة. يصادقهم مستمعا بقصائدهم التفعيلية التي كسرت عمود الشعر، ويقدمهما للقراء، ناشرا إنتاجهم، ويحاورهما بأسئلته الذكية التي تثير إجاباتها حفيظة الجيل السابق فتمتلئ الصحف بالردود القيمة التي تعطي الملاحق الأدبية نكهة السجال.
أما من ناحية صحافة محيسي السياسية فإنه من ذلك الصحافيين الذين لا يكتفون بكتابة الخبر، أو إدارة قسم صحافي، ثم يذوبون في عوالمهم الخاصة حتى يفضلون الحياد. كان صحافيا ملتزما. ولعل ذلك يعود لمواقفه القومية تجاه القضايا السودانية والعربية. يكتب مقاله السياسي بكثير من الجرأة النقدية، ولا يخشى شيئا، وكثيرا ما تعرض للاستجواب من جهاز الأمن. وفي وقت فراغه تجده عنصرا فاعلا في نقابة الصحافيين مدافعا عن حقوق عضويتها، ومعبرا عن إسهامها في قلب الأحداث بوصفهم طليعة ثورية مؤثرة.
-2-
أصدر محيسي في الفترة الأخيرة كتابين مهمين جدا. الأول بعنوان “الصحافة السودانية والأنظمة الشمولية: قراءة في سيرة الاستبداد السياسي”. هذا الكتاب يعد إضافة ثرة للمكتبة السودانية. ولا بد أن يستمتع القارئ بما حوى من مادة ثرة عن المتاريس التي وضعتها الحكومات المركزية أمام الصحافة حتى تكون رديفا لمخططاتها الشمولية منذ زمان بعيد. فكتاب الصحافة حوى سبعة عشر فصلا، فضلا عن ملاحق بلغت نحو سبعة عشر أيضا، وكلها تضمنت قوانين الصحافة منذ سنة 1930 حتى آخرها. ويقول زميله الصحافي في مقدمة الكتاب عمر جعفر السوري: “كتاب صديق محيسي مجهود مقدر يلقي ضوءً على ما كان مبهما، أو غائبا في هذا الصدد. ورغم شح المصادر التي اعتمد عليها إلا أن تجربته الشخصية، وشهادته على ما جرى تسدان عن غياب المراجع، بل تشكلان المصدر الأهم في مثل هذه الأحوال، فمن رأى ليس كمن سمع، أو قرأ. أحسب أن هذا الصحفي المخضرم سيتبع هذا المجهود الجبار بمرجع آخر عن الظروف التي حاقت بالصحافة المتخصصة، من صحافة عمالية، وأخرى نسائية، وثالثة صدرت للمزارعين، أو الكبار، أو الصبيان، أو محو الأمية، وغيرها”.
اما كتاب محيسي الثاني: “حروب الترابي، الشيخ حسن: سياسي محترف أم مفكر إسلامي؟، فقد قدم من خلاله قراءات بانورامية لسيرة الترابي، إذ ضم خمسة 25 مقالا، رصد عبرها ملامح شخصية زعيم الحركة الإسلامية السودانية، وتقلبات سيرته، منذ نشأته مرورا بدوره في حل الحزب الشيوعي، وفترة مايو، إلى علاقته بالجمهوريين ثم الاعتداء عليه في كندا، إلى علاقته ببن لادن، وهناك مقاربة بينه والخميني. وكذلك تناول الكتاب علاقة الترابي بانقلاب الإنقاذ ودوره إبان محنة كارلوس في الخرطوم، وموقفه من المذكرة التي رفعها له تلاميذه الإسلاميون، وغيرها من المواضيع التي تضيء الجوانب الخفية عن الترابي، بأسلوب صحفي متمكن.
وقدم الكتاب الدكتور الوليد آدم مادبو والذي قال: “في هذا السفر القيم يتتبع الصحفي المتميز الأستاذ صديق محيسي تضاريس الوهم الإخواني الذي أصبح أكثر أهمية من الخريطة الأرضية، كما أمست عزائم الإفك الإسلامي أعلى شأوا من المسلم نفسه، علما بأن الله قد من على الإنسان بالعقيدة ليحفظ بها كرامته، وبالفكر ليحقق به كفايته، وبالحرية ليصون إرادته..”.
والكتاب عموما حوى تحليلا شيقا لكل هذه العوامل المتصلة بشخصية الترابي. واستطاع محيسي أن يقدم وصفا صائبا، وعميقا لمرجعية الترابي الفكرية، فيقول عنه: “”بالرغم مما يظهره من حداثوية خاصة به تميزه عن المفكرين الإسلاميين الآخرين، بل وتجعله يتفوق عليهم فقهيا وأكاديميا، إلا أن أثر الأفكار السلفية تبرز عنده من وقت لآخر. فهو يرى في الأصولية منبعا لا يمكن القفز فوقه، كما يرى أن التجديد عليه أن يخضع لمرجعية إسلامية يحكمها القرآن والسنة. كما أن أيديولوجية الحاكمية الواحدة التي أعلنها ونادى بها المفكر الهندي الباكستاني أبو الأعلى المودودي، ثم تسلم فكرتها من بعده سيد قطب، تأخذ مكانا خفيا في وجدان الترابي”.
-3-
تاريخ محيسي حافل بالمساهمات الصحفية، ويملك عدة كتب ستنشر قريبا، وبحوثا تحت الطبع، تتعلق بالمجالات النقدية الأدبية، والسياسية. لقد عمل في صحف الأيام، والسودان الجديد، والتلغراف، والأحرار، وكالة أنباء أفريقيا، ثم رئيسا لقسم التحقيقات، وسكرتيرا للتحرير، في وكالة السودان للأنباء. وفي الثمانينات التحق بصحف الاتحاد، والوحدة، في الإمارات العربية المتحدة، ثم هاجر إلى قطر ليعمل في صحيفة الراية، والشرق، رئيسا للقسم السياسي، والأخبار. فضلا عن ذلك فقد كان مديرا لتحرير “الفجر” المعارضة التي كانت تصدر من لندن عامي 1997 و1998، ويعد من المتخصصين في قضايا القرن الأفريقي وله دراسات وبحوث عن الثورة الإريترية، والتركيبات القبلية في الصومال، وجيبوتي. ومن خبراته أنه عمل صحافيا في قناة الجزيرة في قطاع ضمان الجودة، والمعايير التحريرية.
ما يحزن له أن هذه التجارب الإعلامية والثقافية التي حصل عليها الأستاذ صديق محيسي ظلت بعيدة عن تلقي الأجيال الجديدة في مجال الصحافة السودانية. ويكاد وجوده خارج بلاده يقترب من الأربعة عقود قضاها صحافيا، وكاتبا. فقد نشر العديد من المقالات التي تناولت القضايا العربية، والأفريقية، والعالمية، بالإضافة إلى مشاركته في تأسيس الكثير من الصحف، والمشاركة في العديد من المؤتمرات الإقليمية، والدولي، التي تبحث قضايا الحريات الصحفية في العالمين العربي، والأفريقي، بجانب عضويته في اتحاد الصحافيين العرب. ولئن حرمت الأجيال من خبراته، وخبرات المئات من الصحافيين السودانيين الذين حققوا نجاحات باهرة على مستوى الإعلام العربي والدولي، فإن ما يحمد لمحيسي الكتابة المنتظمة عبر مواقع الإنترنت في الشأن السوداني.
وما يزال يواصل كتابة مقالاته المهمومة باسترداد الديموقراطية، ومواجهة الاستبداد الإسلاموي، كما هو شأن قلمه منذ الستينات. ومن ناحية يتناول التاريخ الأدبي السوداني الذي عاصره بكثير من التشويق، والمعارف، التي يجهلها الكثيرون عن كواليس الأدباء والشعراء. هذه الكتابة العجلى لا تفي حقا بتناول مضمون الكتابين الجديدين، أو مساهمات الأستاذ صديق محيسي الذاخرة بقدر ما هي محاولة للاحتفاء بنشاطه المتواصل، وسيرته الصحفية العطرة التي خلفها إبان وجوده في السودان، وكذا السمعة الطيبة التي حققها للصحافيين السودانيين في الخليج بجانب عدد هائل من أبناء جيله الذين كان لهم وجود بارز في الإعلام السوداني، ولكن مجريات السياسة الشمولية أبعدتهم من تقديم خبراتهم للأجيال. وما يؤسف له أكثر أن في الثلاثة عقود الأخيرة ظلت هجرة الخبرات الإعلامية المميزة مستمرة بسبب تهميش دور الصحافة، وحصر فاعليتها في التسبيح بحمد المشروع الحضاري الذي انتهى بالبلاد إلى كارثة. والأمل أن يعود جيل الأستاذ صديق محيسي، وكل الصحافيين المميزين يوما للبلاد حتى يساهموا في بناء صحافة حرة تخدم البلاد، وتنور المواطن، وتتيح المجال للأصوات الإبداعية.