تقرير: التغيير
تصاعدت الأصوات المطالبة بحق تقرير المصير في منطقتي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق إبان انقسام الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي توج بالمؤتمر العام الاستثنائي بكاودا في التاسع من أكتوبر 2017 والذي انتخب عبد العزيز آدم الحلو رئيسا وتضمن بيانه الختامي المطالبة بحق تقرير المصيرفيما شرع الجناح الآخر بقيادة مالك عقار وياسر عرمان في تأسيس حركة أخرى.
وعلى خلفية تجربة انفصال جنوب السودان عام 2011 ارتفعت وتيرة الخوف من تقسيم جديد للبلاد لو وجد مطلب تقرير المصير صدى إيجابيا لدى القوى الدولية النافذة وفرض على اي اتفاقيات سلام مقبلة .
حاولت”التغيير الإلكترونية” الوقوف على الاسباب الموضوعية لتنامي الأصوات الانفصالية في منطقة جبال النوبة بجنوب كردفان وكانت نقطة البداية السعي لاستنطاق مصادر من المنطقة حول “كيفية تعامل حكومات السودان المتعاقبة مع النشطاء السياسيين والمطلبيين في الإقليم قبل وبعد التمرد العسكري”: هل انتهاكات حقوق الإنسان من قتل واختطاف وتعذيب وتشريد وعقاب جماعي للسكان المدنيين كانت منهجا لتعامل تلك الحكومات مع المنطقة؟ وهل اختلفت الحكومات الديمقراطية عن الدكتاتورية في ملف”حقوق الإنسان”؟ وهل اقتصر عنف الدولة ضد السكان هناك على التنظيمات المسلحة أم شمل حتى التنظيمات المدنية مثل “اتحاد جبال النوبة” ثم “الحزب القومي السوداني” ؟
تمكنت الصحيفة من الاستماع لقصص عدد من ضحايا الحرب في الإقليم في عهود مختلفة(ديمقراطية وعسكرية) وحسب عدد من الروايات، واستنادا إلى تقارير منظمات حقوقية محلية ودولية هناك فظائع وانتهاكات مورست في حق المواطنين المدنيين من قبل الحكومة السودانية كما هناك انتهاكات من قبل الحركات المسلحة.
وكان السجل الأعنف على الإطلاق في تاريخ الحرب الأهلية هناك في عهد “الإنقاذ” إذ ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية حسب تقرير كاسبار بيرو الشهير منتصف التسعينات، وفي عام 2002 ونظرا لتفاقم المأساة الإنسانية تم توقيع “اتفاق سويسرا” لوقف إطلاق النار المراقب بقوات دولية، بين الحكومة والجيش الشعبي لتحرير السودان بوساطة أمريكية وسويسرية.
عدد من ضحايا الحرب الذين استطلعتهم “التغيير الإلكترونية” ذهبوا إلى أنه رغم تبدل الانظمة السياسية من ديمقراطية الى ديكتاتورية عسكرية ، فإن طبيعة حياة مناطق العمليات بقوانينها المعروفة، وعلى رأسها الاستباحة وامتهان الحياة الادمية لم تتغير وقد تجاوزت تلك الممارسات الاغتيالات السياسية الى القتل بالشبهة ولتصفية الحسابات الفردية.

ويقول احد أبناء المنطقة من الذين عاشوا ايام الديمقراطية الثالثة في كادوقلي، ان الصراع انتقل من سياسي الى قبلي.وان كثيرا من الكوادر من النوبة قتلوا باعتبار ان لهم علاقة بالتمرد. وقد حدثت تجاوزات كثيرة، وطال بعضها اناسا ليس لهم علاقة بمن يحملون السلاح. مثل قصة ابراهيم مرمطون، والذي تم اعتقاله واختفى نهائياً. وجيمس لاعب هلال كادوقلي. واخرين اتوا بهم من القرى ولم يظهروا مرة اخرى.
وكذلك الاستاذ عمر كمندان بليري من منطقة الشواية، وهو الآن عميد في الجيش الشعبي. فقد حضر من الاعارة في السعودية ، وكان الجيش السوداني يقوم بتمشيط لمنطقتهم وقد اخذ احد افراد القوة جهاز تسجيل من منزله اثناء غيابه ، وحين عاد ، وأخبرته زوجته بالقصة، ذهب الى الحامية ليستفسر فتم اعتقاله. قضى فترة في المعتقل، قرروا بعدها تصفيته. وحسب روايته هو شخصياً انه قد طلب منهم ان يتركونه يصلي ركعتين، فاختلفت المجموعة حول تصفيته، هو وشخص اخر. واخيراً سمحوا لهم، فصلوا في اتجاه، وكانت هناك مجموعة اخرى تمت تصفيتها في اتجاه اخر. وبعد الصلاة فر هو، لكن الشخص الاخر اصيب ومات. اما عمر فقد وصل الى الخرطوم. وقابل سيد احمد الحسين وزير الداخلية ورئيس مجلس الوزراء واخبره بالقصة. ثم قابل بكري عديل وزير التعليم، والذي وجه ادارة التعليم في كردفان بنقله لمنطقة بارا ثم إلى منطقة قريبة من ام درمان. وفعلا جاء يحمل خطابا من الخرطوم الى الابيض، وكان مدير التعليم في المنطقة حسن الامير، ومن هناك تم نقله لمنطقة متاخمة لام درمان. وتمت مخاطبة مكتب تعليم كادوقلي بتحويل اخر صرفية له. وقد حررها مساعد المدير الاداري للتعليم (ناربي كودي). ولكن حينما جاء الى بارا تسربت معلومات للسلطات الامنية وتم اعتقاله وطلبوا منه ارجاع الصرفية ، واخطر عمر ان هذا الموظف الان بالمعتقل لهذا السبب، فوافق على الاجراء ثم قرر الذهاب الى الحركة الشعبية.
وفي مدينة ابو جبيهة في الجبال الشرقية بداية عهد الانقاذ قال احد جنود قوات التأمين بالجيش الشعبي انه كان يعمل عتال(حمّال) بالسوق ، وقد اختلف مع احد التجار، فقام الرجل بإبلاغ الجهات الامنية بانه متمرد. اخذته قوة الى مكان مجهول وعذبوه حتى شارف على الموت ولكنه هرب منهم . وفي غيابه طلقوا زوجته غيابيا واخفوا عنه ابنه وابنته واللذين لا يعرف عنهما شيئاً وعن ما اذا كانا احياء او اموات .
ويقول اخر انهم وفي حي المدارس بالمدينة كانوا في حفل زواج فجاء جنود مخمورون واخذوا يتحرشون ببنات العائلة فتصدى لهم الشباب ، فما كان منهم الا ان ابتعدوا عن المكان وحصبوا الحضور بالقرانيت. فامتلأ جسم هذا الفتى بحديد القنبلة. ولم يوافق السلاح الطبي بالخرطوم على علاجه وقال ان الطبيب نزع الدرب من يده وطلب منه ان يغادر المكان تحت التهديد. وهذا الرجل لا يستطيع ان يمارس أي مهنة حتى التدريس لأنه لا يقوى على ان يقف على قدميه لأكثر من ساعة .
واخبرنا احد سكان كادوقلي ان عربات الجيش كانت تجر جثث ابناء المدينة وتستعرضهم في ميدان الحرية قبل ان تلقي بهم في خور العفن.
وحكت لنا سيدة من هناك انها واثناء تجدد الحرب الاخيرة لم تستطيع هى واخرون الخروج من المدينة، فجاءت قوة الى منزلهم واخذتها الى الخور المذكور ، لكن قبل اطلاق النار عليها ، جاء ضابط واخبرهم بانها ليست المقصودة وان هناك تشابه اسماء .
لم يتسن “للتغيير الإلكترونية” حتى الآن أخذ إفادات من مصادر في الجيش أو الاستخبارات العسكرية حول كل الاتهامات المنسوبة لهم في انتهاكات حقوق الإنسان في مناطق الحروب الأهلية، ويحدونا الأمل في أن يسطر بعض عناصر تلك المؤسسات شهاداتهم التاريخية حول هذه القضية وهل كانت تلك الممارسات تنفيذا لأوامر الجهات السياسية أم ان أمر الحرب كان متروكا للجنرالات ورجال الاستخبارات يديرونه كيفما اتفق، وخصوصا في العهود الديمقراطية، أما في العهود الدكتاتورية مثل العهد الحالي فتواترت الدلائل على ان شن الحرب دون الالتزام بضوابط القانون الدولي الإنساني سياسة دولة لا تجاوزات جنرالات، ولم يكن آخرها حديث أحمد هارون المسرب (أكسح امسح .. ماتجيبو حي.. لا نريد عبء إداري).
وقد وجدت “التغيير الإلكترونية” صعوبة في استنطاق كثير من الشهود على انتهاكات وفظائع في الإقليم نظرا للمخاوف الأمنية من النشر الصحفي ، وذلك مفهوم على خلفية الأوضاع في السودان.
يرى كثير من المراقبين أن السجل الكارثي لجرائم السلطة المركزية ضد المواطنين في إقليم جبال النوبة سيدفع النخبة السياسية وقطاعات كبيرة من الجماهير المتضررة إلى تبني خيار”الانفصال” أسوة بالجنوب، ولا يلوح في الأفق السياسي في السودان مشروع جدي قادر على ترجيح كفة “الوحدة” وبالتالي سيظل الأمر برمته رهين لعوامل دولية وإقليمية بالإضافة إلى التطورات السياسية والعسكرية في صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال بقيادة عبد العزيز آدم الحلو.