لبنى حسين

عليّ الاعتراف، فقد فشلتُ تماماً في ايجاد تفسير او تأويل أو تخمين: ما السبب الذي يجعل اسلاميي السودان يتعاملون بعنف امام أي همس او علاقة بالتراضي بين شاب و فتاة بالغين راشدين؟ .. بينما يتعاملون بتراخ و تساهل كأنه تشجيع ان كان هذا التقارب بين الرجل و المرأة بالغصب و الاكراه و الاجبار، بالاغتصاب أعني ؟ .. أن درجة حساسية “ولاة الامر ” لاختلاء الذكر و الانثي جعلتهم منذ منتصف التسعينيات يقطعون اشجار اللبخ و فروعها الوارفات و يعكسون اتجاه المقاعد الخشبية المطلة على النيل الازرق لتطلّ على الاسفلت الاسود و الضوضاء و الحركة الصاخبة بحيث يعطي الجالس وجهه للاسفلت و ظهره للنيل .. بدلاً عن الاطلالة الرومانسية على النيل و شواطئه المفعمات بالخضرة و انعكاس اشعة الشمس الذهبية عليه شروقاً و غروباً و بزوغ الهلال و انبلاج البدر.. ذلك أن الجالسين على المقعد ان كانا شاباً و فتاة من الممكن لاصابعهما ان تتشابك ، بينما الاطلالة على الاسفلت تسد الذرائع و تدرء المفاسد التي تجلبها الجلسة الرومانسية المطلة على النيل و الماء و الخضرة و الوجه الحسن !..
و الامر هكذا يا صديق .. و قياساً على عقوبة الجلسة النيلية الرومانسية التي هي الجلد و السجن و الغرامة في القانون الجنائي السوداني تحت مادة ” الافعال الفاحشة ” طالما أعطى العاشقان وجهيهما للنيل و ظهريهما للاسفلت ، فما تظن مقدار عقوبة المغتصب لطفل او طفلة او فتاة بمسجد او دور عبادة ؟ مؤبد؟ اعدام في ميدان عام ؟ سحل و سحق بمفرمة اللحمة ؟ ام اربع عشرة سنة في السجن كما كان يقضي قانون الاستعمار البريطاني ” الكافر ” ؟ كلا ، لا هذا و لا ذاك .. ففي دولة الشريعة سوابق عجيبة .. شهر سجن لامام مسجد اغتصب طفل في العاشرة من عمره .. سنة سجن لمغتصب مراهقة هي ابنة زوجته و ربيبته التي حبلت منه بعد اغتصابها و انجبت طفل أكدت فحوصات الدي ان ايه ان زوج الام هو الاب البيولوجي للطفل و لكن القاضي قال لا .. لا تأخذ الشريعة بالادلة الطبية لاثبات الجرائم الحدية.
اصطكت اسنان المجتمع السوداني و هو يقرأ خبر إصدار الرئيس عمر البشير لعفو رئاسي بموجب القرار الجمهوري رقم 206/2013 عن الشيخ (ن. ع. ن) المغتصب الذي إغتصب الشابة “ر.ح” الطالبة بجامعة بخت الرضا بعد ان قام بتخديرها . المحاكم السودانية ادانت الشيخ المغتصب و حكمت عليه بالسجن مدة عشرة سنوات. تم تأييد الحكم في كافة مراحل التقاضي فتجاوز البشير عن كل ذلك و تجاوز القضاء واصدرعفواً رئاسياً عن الشيخ المغتصب .
.و ليس ذاك بعجيب ، كان أرزل “قواد” بجاهلية السودان قبل اغتصاب الاسلاميين للسلطة عام 1989م و أشراق نور المشروع ” الحضاري” يعترف ان ما يقدمه و ان كان بتراضي الاطراف “خطيئة”، و الآن أعلى “قائد” بدولة المشروع الحضاري يعتبر ان الاغتصاب الذى هو اكراهاً للطرف الضعيف: “فخر و شرف” .. (شرفاً للغرباوية ان ركبها جعلي). و العهدة على الراوي الذى هو الراحل الترابى مفكر و مهندس و امام المشروع الحضاري..أقسم الترابي بالله فى الفيديو المبثوث قبل مماته و لم ينف أو ينكر المتهم/المدعى عليه الذي هو الرئيس البشير ، بل لم تلاحق الاجهزة الامنية الترابي و تقيّد ضده شكوى قضائية مثلما فعلت مع البروفيسر محمد زين العابدين الذي كتب مقالاً يسال البشير فقط عن القصور و الفلل اتي اعترف بامتلاكها في لقاء تلفزيوني ، سأل الكاتب .. من اين لك هذا ؟ فحكم عليه بالسجن .. فلماذا لم يقدم جهاز الامن شكوى ضد الترابي أبان حياته ليساله عن الكلام الخطير المنسوب للرئيس ؟ هل لان الترابي لوّح بان شاهد الرواية على استعداد للأدلاء بشهادته على اليمين في المحكمة ؟: ( يعني الغرباوية دي وقت واحد جعلي ركبها دا شرف و أم اغتصاب دا؟ ) انظر الفيديو من الثانية 0:54 الى 1:30

القول المنسوب للبشير هو قول فج ، فقحب الفكر سمج لمج . أيهما برب البيت؟- ان صدق الراوي- ايهما أشد بغياً و أكثر وغداً ؟ قوّاد الجاهلية أم قائد المشروع الحضاري؟ و لفائدة القارئ غير السوداني : (دي تعني هذه /الغرباوية هي الفتاة او المرأة من غرب السودان / جعلي هو المنتمي لقبيلة الجعليين / .ركبها مفردة سوقية لممارسة الجنس/ دا تعني هذا). و ما سمعت من لسان البشير بأذناي اللتان سيملاهما التراب ، و لكن على نحو ما أشار الترابى وهو يقسم بالله على صحة النقل على لسان احد اعضاء اللجنة الوطنية لتقصى الحقائق حول ادعاءات انتهاكات حقوق الانسان بدارفور، الشهيرة باسم (لجنة مولانا دفع الله الحاج يوسف) في يوم أداءها القسم امام البشير
الناشطة صفية إسحق قد تم اعتقالها على خلفية مظاهرات في الخرطوم وتم اقتيادها لاحد مكاتب جهاز الأمن، وبعد إطلاق سراحها تقدمت صفية ببلاغ ضد جهاز الأمن بعد اجرائها للكشف طبي واستخراجها لاورنيك 8 الذي أكد تعرضها لعنف جنسي . الذي حدث بعد ذلك هو الزجّ بالسجن لمن ساندت الضحية من الصحفيات
تكفل أهل معلمتين تم اغتصابهما بعد اختطافهما بقوة السلاح من سكنهما بمدرسة عدار ولاية غرب دارفور فبراير من العام الماضي تكفل الاهل بدفع مصروفات ترحيل الجناة الاربعة الذين تناوبوا على اغتصاب المعلمتين قبل هروب الجناة الى ولايات شمالية حيث جرى توقيفهم . أحتفت مواقع التواصل الاجتماعي و الصحف بالحكم بالسجن 14 سنة و الجلد على الجناة ، لكن السؤال: ماذا أن لم يكن للضحايا و أهاليهم أجرة الترحيل ؟ ذات الاحد ، أغتصبت فتاة قاصر تبلغ من العمر ستة عشر عاما و اتهم والد الطفلة احد افراد قوات الدعم السريع و هي مليشيا حكومية بالاعتداء على أبنته وحلق شعر راسها أثناء حملة لجمع السلاح في مدينة كتم بولاية شمال دارفور . لا أدري هل سيعاقب الجناة ، أم سيقرأون سورة التوبة و خلاص؟ ليذهبوا طلقاء؟
لم أستند على تقريرالالفي صفحة الذي اعدته اللجنة الدولية لتقصي احداث دارفور التي عينها الأمين العام للامم المتحدة كوفي عنان في أكتوبر 2004 ، بتوجيه من مجلس الأمن .أن شئت ما رصدته التقارير الدولية و غيرها اليك ما وثقه الزميل القدير و المثابر عبد الرحمن الامين عن استباحة 110 بكارة بسكن مدرسي لبنات”طويلة” وتعرية 100 امرأة صباحا لزنا جماعي بوادي تينا
https://www.alrakoba.net/news.php?action=show&id=91553

و لم اتحدث عن “حملة ” الاغتصاب الجماعى بقرية ( تابت ) و التي تقول التقارير أنها طالت اكثر من (200) امرأة ، من بينهن ( 8 ) تلميذت بمرحلة الاساس، و( 72) قاصرة. و كذلك لم اتطرق الى تقرير لجنة مولانا دفع الله ، ذلك أنني تعمدت اختيار حالات الاغتصاب او التحرش الموثقة و التي حدثت بالخرطوم او بالمدن الآمنة و التي حدثت تحت سمع و بصر الدولة و أعين الاعلام بل و سلطة القضاء او الشرطة ، لا البعيدة المنكورة التي حدثت في مناطق النزاع المسلح في دارفور و غيرها ، و حتى أترك للقارئ الحصيف فرصة الاستنتاج: أن كان هذا يحدث تحت الضوء فماذا يحدث في الظلام ؟ تقرير لجنة مولانا دفع الله : http://www.tawtheegonline.com/vb/showthread.php?t=3045

أن كانت السلطة تتسترّ رغم كثافة الاعلام العالمي الراصد للخبر و لا تقبل رفع الحصانة عن دبلوماسييها الذين وضعوا وجوه السودانيين بالطين عند تحرشهم بالنيويوركيات في منتهاتن ، فهل سترفع حصانة الجندي او فرد المليشيا الحكومية الذي يغتصب سودانية في الظلام في قرية سقط لقط ؟ ولا من شاف و لا من درى ؟
أن كان وزير الخارجية يكوّن ” لجان ” و ليس لجنة واحدة للتحقيق مع دبلوماسي يشغل نائب رئيس احد لجان الامم المتحدة متهم بالتحرش و العنف الجنسي فجراً على فتاة واحدة ببار في منهاتن منذ قرابة الشهر و لجان غندور تقوم و تقعد و لا يخرج منها حق و لا باطل ، فكم ترى عدد لجان التحقيق المطلوبة لمئات و الاف الفتيات و النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب و التحرش في دارفور؟ و كم من الوقت تحتاج تلك اللجان لتصدر تقاريرها؟ حمدت الله أنني رفضت عفواً رئاسياً يستثنيني و كذلك رفضت الحصانة بل تقدمت باستقالتي حتى اتحاشى الأجراءات الطويلة للتنازل عن الحصانة في محاكمتي في قضية البنطال الشهيرة عام 2009م بالخرطوم و الا لتساويت مع مغتصب الطالبة الجامعية في منحة العفو الرئاسي أو مع دبلوماسي بار منهاتن في التستر بالحصانة .
منتصف هذا الشهر صدر أمر ملكي بأنشاء (مجمع الملك سلمان للحديث النبوي الشريف) آمل بحق أن يراجع مدى صحة الكثير من “القصص”. و من يراجع تلك القصص قد يفهم لماذا يتساهل الاسلاميون مع التحرش و الاغتصاب . ربما يستندون علي كتب الاحاديث في قصة نبهان التمّار صاحب الحانوت الذي استدرج زبونته الي داخل المتجر و تحرش بها رغم ممانعتها و فعل بها كل ما يصنعه الرجل عدا الجماع . و المرأة الأخرى التي اغتصبت في سواد الصبح وهي في طريقها إلى المسجد في زمن النبي (ص) . تخبرنا كتب الاحاديث أن الرجلين المتحرش و المغتصب تابا .. و خلاص القصة انتهت.. في حالة الاولى لم تتقدم الضحية بشكوى أما في الحالة الثانية فقد كانت هناك شاكية تظلّمت لم تورد كتب الاحاديث أنها عفت عن حقها او سامحت مغتصبها . المهم ، لست من يفتي و لكن أريد أن أفهم هل هذا ما يعتمد عليه اسلاميو السودان في التساهل امام الاغتصاب و التحرش ؟ فلربما تاب الجناة و المغتصبون في ” قرية تابت ” و غيرها و نحن لا نعلم، أما المتعدى عليهن فقد “غفر الله لهنّ”..
و بعد كل هذا ، ربما تكون قد فهمت لماذا يتساهل الاسلاميون مع الاغتصاب و التحرش .. و بما أنهم هكذا فلماذا بالعكس يتشددون مع الماء و الخضرة و الوجه الحسن و عاشقين يجلسان تحت شخرة اللبخ علي شط النيل وقت الغروب ؟ أستعصى علي الفهم ،فأن فهمت- عزيز/تي القارئ فلا تبخل عليّ و اشرح و ” جزاك الله خيرا”.

lubbona@gmail.com