نبيل أديب

في محاولة لإجتذاب أصوات المؤتمر الشعبي في المجلس الوطني للإصلاح القانوني الذي أدعو له، إستعرت عنوانا لمقالي اليوم من تعبيرات الشيخ حسن الترابي البالغة الإغراق في غريب اللغة، ولكن رأيت أن اضع عنواناً مجاوراً اكثر فهماً للقارئ العادي .

حق المعتقل في أن يطلب إطلاق سراحه والذي يعرفه الفرنجة بالتعبير اللاتيني Habeas Corpus  كنا قد تعرضنا  له من قبل في عدد من  المرات من زوايا مختلفة ونعود اليوم له من زاوية جديدة، وهي إلزام السلطة بعرض المعتقل على سلطة قضائية في أسرع وقت دون حاجة لأن يطلب المعتقل ذلك. ما يجعل نقاش هذه المسألة مهماً هو وجود مستجدات سياسية وقانونية تستدعي الطرق على الحديد وهو ساخن. فمن الناحية السياسية فإن قرار المجلس الوطني بأن ينقل ما عرف بمقترحات الترابي من الدستور للقانون، لفرط غرقها في التفصيلات، أو كما قالوا، يجعل من المستحسن مناقشتها الآن قبل أن ينسى المجلس الوطني، أو يتناسى ما قرره حول  إدخال مخرجات الحوار الوطني في دائرة التنفيذ عن طريق تعديل القانون .

من الجهة الثانية فإن صدور حكم المحكمة الدستورية في دعوى أبو عيسى ومدني ضد جهاز الأمن والخابرات بما إشتمل عليه من إلغاء الفقرة العاشرة من المادة 50 من قانون الأمن يعتبر خطوة هامة في الطريق لتبني الحق القانوني للمعتقل في مراجعة قانونية إعتقاله أمام محكمة مختصة، وسنرى حالاً أن ذلك لا يكتمل إلا بتعديل القانون.

ضرورة أن يخضع كل أشكال الحبس للسيطرة الفعالة لسلطة قضائية

الأصل في هذه المسألة هو المبدأ القانوني المقبول دولياً، والذي يتطلب أن تتم جميع أشكال الإحتجاز، أو الإعتقال، أو السجن، بناءاً على أمر من السلطة القضائية، أو أن تخضع للسيطرة الفعالة لسلطة قضائية. وهذا الأمر واضح من نصوص دولية عديدة نكتفي هنا بالإشارة إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بالإضافة للتفصيلات الواردة في القرار 65/205 للجمعية العامة للأمم المتحدة والقرار 15/18 لمجلس حقوق الإنسان ولكنه يعود أصلة إلى أزمان بعيدة لعل أقربها إلى الصياغة القانونية الدستورية تبدو في ال Magna Carta في فجر التطور الدستوري الإنجليزي .

بالنسبة لدستورنا الحالي فإنه تبناه  في عدد من النصوص، ولكنه على وجه الخصوص يلتقي بنص المواد 8 و 9 و10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 9 (3) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وقد تم ضم مجمع نصوص الوثيقتين للدستور الإنتقالي بواسطة المادة 27 (3) منه. تنص الفقرة 3 من المادة 9 على ما يلي:

3) يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء.
وهي مادة فصلت أحكامها عدد من القرارات الدولية، وأحكام محاكم حقوق الإنسان الإقليمية، والدولية. والغرض من وضع الإعتقال تحت إشراف القضاء هو حماية الحق في الحرية والأمان، وضمان تطبيق المبدأ القانوني الذي يقوم على إفتراض البراءة، ولكنه أيضاً يهدف إلى منع وضع المعتقل تحت رحمة السلطة التي تحتجزهم بشكل حصري منعاً للتعذيب وغيره من ضروب إساءة معاملة المعتقلين .

الحاجة لتدخل تشريعي عاجل في قانون الأمن

الفقرة (3) التي أوردناها حالاً تتحدث عن حق المعتقل في أن يقدم سريعاً لسلطة قضائية، والسؤال هو ما هو المقصود بكلمة سريعاً؟ أو ما هو الزمن الذي يجب خلاله تقديم المعتقل للسلطة القضائية؟ تبدو الأهمية القصوى لتحديد المعنى المقصود من ذلك لمواءمة أحكام القوانين مع الدستور، ومع مخرجات الحوار فيما يتعلق بمحور الحريات، وبالأخص أحكام الإعتقال في قانون الإجراءات الجنائية. والأهم من ذلك قانون الأمن الوطني والذي كان يسمح بزمن متطاول للإعتقال، يزيد عن ثلاثة أشهر، يتم التجديد خلاله بواسطة سلطات أمنية،  دون أن يكون الجهاز ملزما بتقديمه لسلطة قانونية، بل ودون أن يكون للمتهم الحق في تحدي  قانونية ذلك لدى سلطة قضائية. وقد كانت الفقرة العاشرة من المادة 51 تسلب المعتقل ذلك الحق بمفهوم المخالفة، إذ تنص على أنه “يكون لاي محتجز الحق في اللجوء للمحكمة اذا بقي في الحجز او الاعتقال اكثر من المدد المحددة في المادة 50″بما يعني أنه لا يجوز له اللجوء إلى المحكمة قبل ذلك، ولكن المحكمة الدستورية في حكمها في دعوى أبوعيسى ومدني قررت عدم دستورية هذه الفقرة وألغتها، وبالتالي فإنها لم تعد موجودة إلا في قنوات التاريخ، حسب تعبير مولانا الجهبذ بابكر عوض الله، ولكن ذلك لا يؤدي لحل الإشكال تلقائياً، لأن المحكمة الدستورية تقف سلطتها عند إلغاء النص المخالف للدستور، ولكنها لا تملك سلطة إصدار تشريع بديل. ويلاحظ هنا أن المادة الملغاة كانت تتحدث عن حق الطعن ولكن ما نحن بصدده هو تقديم المقبوض عليه تلقائيا، ودون الحاجة لطلب منه للقاضي في أسرع وقت. لذلك فقد كان يجب على الهيئة التشريعية أن تتدخل لتقديم معالجة متكاملة للعوار الدستوري الذي مازال يلحق بالمادة 51، لأن المادة بعد إلغاء النص ما زالت لا تتضمن ذلك الحق بل وحتى عاطلة عن الإعتراف بحق القبوض عليه في تحدي قانونية إعتقاله أمام محكمة مختصة، من حيث أنها لا تحدد ذلك الحق على الوجه المطلوب دستوريا حسبما سيأتي لاحقا.

صحيح أن المادة (16) ج من قانون المحكمة الدستورية تمنح المحكمة سلطة فحص طلبات إطلاق سراح المقبوضين أو سلطة ال Habeas Corpus ولكن المحكمة الدستورية من حيث الإمكانيات المتاحة لها والتي اشرنا من قبل لنقصها المريع، لا تستطيع أن تفصل في تلك الطلبات بالسرعة المطلوبة، ولعل المثل الأكثر وضوحاً في هذا المجال هو أن دعوى أبو عيسى ومدني نفسها، والتي قررت فيها المحكمة الدستورية بطلان الفقرة 10 من المادة 51 إستغرق نظرها عامين كاملين وكان قد قُدِم فيها طلب تحت المادة 16 ج من قانون المحكمة الدستورية لإطلاق سراح الطاعنين، ولكن المحكمة لم تفصل فيه حتى تم لإطلاق سراحهما بقرار جمهوري، وهي طلبات يلزم الفصل فيها فيما لا يزيد عن أيام معدودة وإلا أصبح الحكم مجرد حروف ميتة في نص بغير جدوى .

إذاً فإن المسألة تحتاج لعلاج تشريعي يلزم الجهاز بعرض المعتقل أمام قاضي على وجه السرعة بالإضافة لما يتطلبه النص الدستوري من متطلبات حسب أحكام محاكم حقوق الإنسان الإقليمية ومقررات الهيئات الدولية، وهذا يستلزم شروط محددة في هذا الحق بالنسبة للمعتقل.

ما المقصود بعبارة على وجه السرعة

لم يتم تحديد الزمن المتطلب لمثول المعتقل أمام القاضي بشكل قاطع في النص الدولي والدستوري، وترك الأمر لكي يتم تحديده وفق ظروف كل دعوى على حدة، ولكن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ذكرت أن الأمر لا يحتمل سوى القليل من المرونة. أما لجنة حقوق الإنسان، فقد ذكرت أنه لا يجوز أن يزيد التأخير في هذا الأمر عن عدة أيام. وقد إعتبر في معظم القضايا التأخير لأكثر من 48 ساعة تأخيراً مفرطاً.

وقد أعربت لجنة حقوق الإنسان عن القلق بالنسبة للقوانين في بعض البلاد التي تسمح بإحتجاز الشرطة للمشتبه بهم لأكثر من 72 ساعة قبل عرضهم على القاضي، نذكر منهم أوزبكستان وأوكرانيا . أما في المكسيك حين تبين أن تعذيب المعتقلين يتم بشكل منهجي فقد أوصت اللجنة المعنية بمناهضة التعذيب، بتعديل القانون كي يتطلب تقديم المعتقلين للمحكمة خلال 24 ساعة من القبض عليهم، وأوصت بأن يكون القضاة حاضرون في جميع الأوقات للنظر في الإفراج عنهم.

أحكام الحجز رهن التحرى فى الإجراءات الجنائية

أجاز القانون إبقاء المقبوض عليه رهن الإحتجاز لأغراض التحري  لمدة 24 ساعة، وهذا لا يحتاج لأمر من أي جهة وإنما هي مدة ممنوحة للشرطة لكي تقوم بإستكمال تحرياتها، وأجاز القانون بعد ذلك لوكيل النيابة تجديد الحبس لمدة لا تجاوز ثلاثة أيام ،ويجوز للقاضي بموجب تقرير وكيل النيابة أن يأمر بحبس المقبوض عليه لأغراض التحري لمدة أسبوع ويجددها مرة واحدة فقط ،فإذا وجهت التهمة للمقبوض عليه يجوز للقاضي الأعلى أن يأمر بتجديد حبسه كل أسبوعين على ألا تتجاوز مدة الحبس فى جملتها ستة أشهر إلا بموافقة رئيس الجهاز القضائي المختص. وهذه الأحكام مخالفة لمتطلبات المادة حيث أنها تسمح بإحتجاز المقبوض عليه لفترة أربعة أيام قبل تقديمه لسلطة قضائية. وفي تقديري أن فترة 48 ساعة فترة أكثر من كافية يلزم بعدها تقديم المتهم تلقائيا للقاضي.

كذلك يجب أن يقرر التشريع أن يكون العرض تلقائياً وبمجرد الإعتقال ولا يتوقف على طلب من المعتقل وذلك منعاً للمماطلة، والتأخير غير المبرر، بالإضافة لأن هذا الحكم يوفر حماية للأقسام الأضعف من المعتقلين، مثل الذين لا يجيدون اللغة، أو أولئك الذين يعانون من ضعف عقلي ( انظر أكويلينا ضد مالطة ) .

شرط الحيادية أو الإستقلال

رغم أن المادة تشير إلى الحق في المثول أمام قاض أو مسئول قضائي آخر، إلا ان ذلك المسؤول يجب أن تتوفر فيه الحيادية، والإستقلال عن السلطة التنفيذية، لذلك فإن عرض المعتقل للنيابة لا يلبي إحتياجات المادة.

فقد قررت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان أن أعضاء النيابة العامة، والمحققين، وضباط الجيش، وقضاة التحقيق، لا يتمتعون بالأهلية اللازمة التي تؤهلهم للقيام بدور الموظف المخول له السلطة القضائية في هذا المقام حيث أنهم فاقدو الحيادية المؤسسية والموضوعية اللازمة للقيام بدور الموظفين القضائيين المنوط بهم أن يقرروا في مدى قانونية الإحتجاز بالنظر لكونهم مخولين صلاحية التدخل في الإجراءات اللاحقة .

في دعوى Brincat v. Italy لدى محكمة حقوف الإنسان الأوروبية دفع السيد برينكات أن وكيل النيابة المساعد الذي قابله بعد يومين من إعتقاله، وقرر إبقاءه قيد الإحتجاز، لا تتوفر فيه متطلبات الموظف القضائي الذي يتطلبه المبدأ، بالنسبة لأنه عضو في هيئة الإتهام، و أن سلطته في الإفراج مقيدة . وقد كان رد الحكومة الإيطالية على ذلك، أنه في إيطاليا يتمتع أعضاء النيابة العمومية بضمانات كافية تؤكد إستقلالهم وحياديتهم وفقاً للمبادئ الدستورية، والنظام القانوني الإيطالي، فالنيابة تتكون من اعضاء في الهيئة القضائية، كما وأنهم تحت قانون الإجراءات الجنائية لا يجوز إعتبارهم طرفا بالمعنى المقصود من هذا التعبير، بل جهاز عدلي يقوم بوظيفة موضوعية ومحايدة لصالح القانون فقط، وهم ملزمون بالتحقيق بنفس العناية في بينات النفي والإثبات على السواء.

وقد لاحظت المحكمة ان الطاعن لم ينازع في أن المدعي كان مستقلاً عن السلطة التنفيذية، كما وأنه لم يدعي أنه قد تصرف بتحيز لطرف في النزاع،  بل ينحصر النزاع في الواقع فقط في حياده الموضوعي.

رأت المحكمة أنه إذا ظهر أن الشخص المخول له بواسطة القانون أن يتولى وظيفة قضائية، قد يتدخل لاحقاً في الإجراءات كعضو في هيئة الإتهام، فهناك خطورة في أن تعتبر حياديته موضوعياً محل شك مبرر.

يجب أن يتمتع القاضي بالسلطة في الإفراج عن المقبوض عليه

يجب أن يتمتع القاضي الذي يعرض أمامه المعتقل بالسلطة في مراجعة قانونية إعتقاله والإفراج عنه، بعد سماعه. وقد قيل في شيسر ضد سويسرا Schiesser v Switzerland أن متطلبات المادة تضع على المسئول القضائي واجب إجرائي، وواجب موضوعي، فمن الناحية الإجرائية عليه ان يسمع المعتقل الذي يحضر أمامه، ومن الناحية الموضوعية عليه ان يراجع الظروف التي تدعو أو تمنع الإعتقال، وأن يقرر وفقاً للمعيار القانوني الواجب التطبيق ما إذا كان هنالك أسباب تبرر الإعتقال، وأن يصدر أمر الإفراج إذا لم تكن هنالك تلك المبررات. أنظر أيضاً Ireland v UK  .

في دعوى ضد مالطة لدى المحكمة الأوروبية، حين أقرت حكومة مالطة أن الموظف القضائي الذي عرض عليه المعتقل، لم يكن له سلطة على إطلاق سراحه إذا تبين له أن لا توجد شبهة معقولة بأنه قد إرتكب جريمة، كما وانه وفقاً للقانون المالطي كان يمكن للمعتقل ان يتقدم بطلب لإطلاق سراحه بالضمان قررت المحكمة أن الأمرين لا يلبيا مستلزمات الحق في الحق في المثول أمام قاضي وذلك لأن سلطة الأمر بإطلاق السراح إذا تبين عدم وجود شبهة معقولة بإرتكاب جريمة وأن الحق في المثول أمام القاضي دون حاجة لتقديم طلب هما من العناصر المهمة للحق في المثول أمام قاضي أو مسئول قضائي آخر .

أغراض إحضار الشخص المحتجز على وجه السرعة أمام قاضي أو سلطة قضائية أخرى تشمل :

1/ تقدير ما إذا كانت هنالك أسباب قانونية كافية للقبض على الشخص أو إحتجازه وما إذا كان ينبغي الأمر بالإفراج عنه .

2/ ضمان سلامة الشخص المحتجز .

3/ الحيلولة دون إنتهاك حقوقه .

ولذلك فإن جلسات السماع المتصلة بأمر مختلف لا تلبي متطلبات هذا الحكم ولذلك فقد رأت محكمة حقوق الإنسان الأمريكية أنه عندما كان الغرض من السماع هو إدلاء المحتجز بإفادة أولية دون معالجة قانونية إحتجازه أن ذلك لا يفي بمتطلبات ذلك الحكم

Bayyarriv v Argentina

سلطة إطلاق السراح يجب أن تشمل كل الجرائم

كذلك فقد رأت المحكمة حقوق الإنسان الأوروبية في دعوى S.B.CV.UK  أن الحق في المثول أمام قاضي يتضمن بالضرورة السلطة في إطلاق السراح، وبالتالي فقد رأت أن الحكم الوارد في قانون العدالة الجنائية والنظام العام 1994 الإنجليزي والذي يمنع الإفراج بالضمان بالنسبة للمعتقلين المشتبه في إرتكابهم جريمة خطيرة، والذين سبق لهم إرتكاب جريمة مماثلة من قبل بغض النظر عن الظروف لا يلبي متطلبات الحق في المثول أمام قاضي، لأن القاضي لا سلطة له في الأمر بالإفراج وهذا يتعارض مع ضرورة أن يكون للقضاء سلطة الإشراف الكامل على الإعتقال .

الجرائم التي لا يجوز الإفراج فيها بضمان في القانون السوداني

منع القانون الإفراج بالضمان فى الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو القطع حداً مقتفياً  أثر القانون الإنجليزى فى القرن التاسع عشر و الذى لم يعد متسقاً مع الفقه الحديث الذى إستقر على أن حبس المتهم السابق للإدانة يجب أن يعامل بإعتباره إجراءاً إستثنائياً، يؤدى بالضرورة إلى إنتهاك حرية المقبوض عليه الشخصية  والإخلال بحقه في المحاكمة العادلة، لأن بقاء المقبوض عليه في الحراسة يمنعه من تحضير دفاعه، بحيث يلزم حصره فى أضيق الحدود. لذلك فقد عدلت القوانين الحديثة عن الإفتراض القانوني بأن المقبوض عليه بسبب إتهام يحتمل أن يحكم عليه بالإعدام يجب أن يبقى قيد الحجز لحين محاكمته ،وذلك في مقابل النظر لكل حالة على حدة، فلم يعد مجرد وجود ذلك الإتهام حاجزاً بين المقبوض عليه وبين الإفراج عنه بكفالة. وقد كان للقضاء الإنجليزى فضل الريادة فى ذلك فحتى قبل إلغاء عقوبة الإعدام ،سمح القضاء بإطلاق السراح بالضمان حتى في حالة المقبوض عليهم فى جريمة القتل العمد. مهد ذلك لقانون عام 1976م والذي جعلت المادة 4 منه الإفراج بالضمان حقاً للمقبوض عليهم. وقد فسرت المحاكم الإنجليزية ذلك  بوجود إفتراض لصالح الإفراج بالضمان. وهذا يعني أن على الإتهام أن يثبت ضرورة الإبقاء على المقبوض عليه رهن الإحتجاز، و في حالة تساوي الإحتمالات يكون القرار لصالح الإفراج بالضمان، كما ويعني أن الحق في الإفراج بالضمان لا يتوقف على طلبه فعلى القاضي أن يقرر في حق المقبوض عليه في الإفراج بالضمان حتى ولو لم يطلب منه ذلك، بل وحتى لو وافق على  طلب الشرطة بتجديد حبسه ،لأن قبول المقبوض عليه للبقاء في الحراسة لا يلزم القاضي، والمعيار الوحيد هو ما إذا كان البقاء قيد الإحتجاز ضرورياً وفق القانون أم لا فإن لم يجده كذلك فإن عليه منح المقبوض عليه حقه ولو لم يطلبه .

الحبس لزمن طويل

كذلك فقد رأت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في Nemeieter V Australia أن عدم منح القضاء سلطة إطلاق سراح المحبوس  في إنتظار المحاكمة حتى في حالة إستمرار حبسه لزمن غير معقول، يتعارض مع إفتراض البراءة . لأن المتهم يجب أن تفترض براءته حتى صدور حكم بإدانته، أما قبل ذلك فإنه يظل يتمتع بإفتراض البراءة ولذلك فإنه إذا تعذر على الإتهام لأي سبب من الأسباب أن يقدمه للمحاكمة فإنه يتوجب على القاضي إطلاق سراحه، فإذا كان القانون بالنسبة للإشتباه بإرتكاب أي جريمة، يجرد القاضي من سلطة إطلاق السراح لو إستمر الحبس بما يجاوز الزمن المعقول، فإنه يكون قد جرد المحبوس من حقه في تحدي قانونية إعتقاله .

وقد رأت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في عديد من الدعاوى أن الشك المعقول في أن الشخص المعتقل قد إرتكب جريمة ضروري لإستمرار إعتقاله، وأن ذلك الشك يفقد جدواه بمرور الزمن وعلى المحكمة أن نتظر فيما إذا كانت الأسباب المقدمة لإستمرار الإحتجاز كل هذا الزمن كافية ومناسبة. فإذا رات ذلك عليها أن تتأكد من ان السلطات قد أبدت حرص معقول على السير في الإجراءات، وإلا فإنه يتوجب على المحكمة ان تأمر بإطلاق سراح المتهم في إنتظار المحاكمة .

ولكن هنالك أحوال يجوز معها  إحتجاز الشخص في إنتظار المحاكمة والأسباب التي تجيز ذلك هي :

1/ وجود شك معقول بأن الشخص قد إرتكب جرماً  معاقب عليه بالسجن .

2/ مصلحة عامة حقيقية تطلب ذلك تفوق من حيث الأهمية الحرية الشخصية وإفتراض البراءة وهذه تتمثل في أسباب جوهرية في الإعتقاد ب:

أ/ أن الشخص قد يلوذ بالفرار .

ب/ سوف يرتكب جرماً خطيراً .

ج/ إحتمال أن يعبث بالأدلة أو بإجراءات التحقيق .

د/ إطلاق سراحه سيشكل تهديداً خطيراً للنظام العام ؟

ويشترط عدم وجود تدابير بديلة لمقابلة هذه الإحتمالات .

ويلاحظ أن الإبقاء قيد الإحتجاز يجب أن ينظر إليه كشكل إستثنائي لا يصح اللجوء إليه إلا في الظروف الإستثنائية بإعتباره تدبير وقائي الغرض منه تحاشي ضرر خطير أو عرقلة سير العدالة وليس عقوبة ولا يجوز أن يكون السبب فيه أغراض غير مناسبة أو يشكل إساءة إستعمال السلطة ولا يجوز ان يستمر أكثر من مما تقتضيه الضرورة . ويلاحظ أن إحتجاز الأطفال لا يتم إلا كتدبير أخير .

إن عدم إتاحة الفرصة لشخص محتجز بشبهة أنه إرتكب جريمة كي يمثل أمام محكمة مستقلة ومحايدة لتقرير إذا ما كان إحتجازه قانونياً والإفراج عنه إذا لم يكن هنالك سبب في إستمرار ذلك الإحتجاز يرقى لحرمانه من المحاكمة العادلة.

نبيل أديب عبدالله

المحامي