فايز السليك

  حين ألقى فريق بحث علمي تابع لإحدى الجامعات الأمريكية بخمسة قرود في داخل قفصٍ كبير، ثم علقوا في منتصف القفص سباطة موز كانوا يدركون مدى الارتباطات السببية والشرطية بين تصرفات القردة وفاكهة الموز مثلاً. وضع فريق العلماء تحت سباطة موزهم سلماً صغيرا، انتظروا فترةً قصيرة حتى صعد احد القردة الخمسة السلم بهدف التقاط الموز؛ إلا أن الفريق فتح ماءً بارداً على القرود الأربعة لحظة وضع القرد الخامس يده على الموز وبعد قليل حاول قرد آخر محاولة القرد الاول نفسها، ففتحوا خرطوم الماء البارد مرة اخرى على بقية القرود، فاضطرت القردة الى ضربه،  ومع تكرار التجربة كانت النتيجة أن أي قرد يحاول الوصول الى الموز  يتعرض لضرب القرود الأربعة الأخرى، ثم أخرج العلماء أحد القرود واستبدلوه بآخر  لم يعاصر عمليات ضخ الماء البارد تلك، والتي أوقفها العلماء،  و فور دخوله القفص انطلق الجديد واسمه جيمي نحو الموز بدافع فطري  إلا أن بقية القرود المرعوبة هاجمته وضربته دون أن يعلم السبب، وبعد اكثر من مرة ادرك جيمي علاقة الضرب ومحاولة قطف الموز فتوقف عن مسعاه المحموم.

 وبعد ادراك جيمي لمصيره المحتوم، استبدل العلماء قرداً من المجموعة التي عاصرت عملية ضخ المياه، بقردٍ آخر، وحين حاول القرد الجديد أخذ الموز حدث له ما حدث للقرد جيمي ، وكان الضرب تلك المرة بمشاركة جيمي ذات نفسه ، ثم استمرت التجربة، يخرج قرد ويدخل آخر، ومع محاولة الوافد الجديد التسلق لقطف الموز يكتشف أن الضرب مصيره، وهكذا استمر الحال برغم استبدال كل القردة وتوقف عمليات ضخ المياه.

واليوم؛ تمارس الإنقاذ معنا ذات عملية التدجين والتحكم في حاضرنا ومستقبلنا،  ومثلما يرى المفكر ناعومي تشاموسكي  فأن الأنظمة الاستبدادية تتخذ عدداً من الاستراتيجيات من أجل استمرار السيطرة على الشعوب، والإبقاء على تلك الشعوب في تيهها، وهنا من الواضح أن نظام الانقاذ من أجل تمرير “كذبة الانتخابات” بعد أكثر من عامين، ظل يطلق البالونات من حين لآخر حتى يوقف أي حراك سياسي أو جماهيري يهدف للإطاحة به، فبدأ البعض يعزف على مقطوعة ” الانتخابات ومنازلة النظام” وبالتالي تكون النتيجة تجميد كل الخيارات الأخرى، وكلما فكرنا في قضية استراتيجية حاصرنا بعضنا البعض بخراطيم المياه الباردة،  ويمضي  بعضنا أكثر مع استراتيجيات وتكتيكات النظام؛ بتسريب أخبار واشاعات عن قضايا؛ علي أهميتها، إلا أن بعضها يمكن أن يكون مسرباً من أجل الالهاء.

  ويرى تشاموسكي أن ” هذه الاستراتيجيّة عنصر أساسي في التحكّم بالمجتمعات، وهي تتمثل في تحويل انتباه الرّأي العام عن المشاكل الهامّة والتغييرات التي تقرّرها النّخب السياسية والإقتصاديّة، ويتمّ ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة”

وليس بعيداً عن كلامنا؛ قصص الاختطافات، وتسجيلات الواتساب، والمعارك ” الحنجورية” والبطولات الزائفة،  وحكايات النظام العام، وتسريب القصص الفضائحية  وغيرها من القصص التي تغرقنا في دوامة التفاصيل اليومية دون اهتمام بمعاركنا الاستراتيجية، وأهم المعارك هي مقاومة النظام، أما الدخول في مناقشة الانتخابات قبل ثلاث سنوات، وفي ظل هذه الشروط، فهي ذات المأساة  والاستسلام لأجندة النظام بعد عملية تدجين يشبه تدجين القردة، كي نتوقف عن أي تفكير خارج الصندوق.