لؤي قور

أثار إعلان لحفل تقيمه فرقة عقد الجلاد الغنائية لصالح “اتحاد الشباب الوطني” التابع للحزب الحاكم، جملة تساؤلات عن ما يحدث داخل الفرقة من تحولات في مسارها الفني، حيث بدأت الفرقة أعمالها بالتغني بكلمات شعراء كان لهم من مقاومة الأنظمة الديكتاتورية وافر حظ ونصيب، وإن تجنبت الفرقة من أشعارهم ما يحرض على الثورة، وجنحت لشعر الغزل عندهم، والتغني بالمحبوب. ولما كانت الساحة خالية في جدب تسعينات القرن الماضي، فقد التف الشباب حول ما كانوا يسمعون من فرقة عقد الجلاد الغنائية من ألحان، وظن بعضهم من فرط حماسته أنها أشعار الثورة الصريحة، وصوت الشعب الرافض لكل ما أذاقه له إخوان السودان المسلمون بمختلف مسمياتهم وألوانهم ونسخهم من ويلات.

 وعليه فقد صار للفرقة جمهور غفير من المعجبين، تغنوا معها ورددوا خلف “شريف شرحبيل”، و”شمت محمد نور”، ألحان من قبيل “حاجة آمنة اتصبري”، و”باب السنط”، وغيرها من ألحان أثارت الحماسة، حين خلت الساحة من الصوت الفني المعارض، نتيجة التضييق على الفنان القامة “أبو عركي البخيت”، واشتراطهم أن لا يتغني ببعض أغنياته من قبيل أغنية “أضحكي”،  الشئ الذي رفضه “أبو عركي” عدة مرات، فلجأ فقهاء آخر الزمان إلى منع التصاديق عن حفلاته الجماهيرية، ليقاطع هو بدوره الأجهزة الإعلامية العامة والخاصة، المملوكة للحزب الحاكم بشكل أو بآخر.

ساحة خالية:

وعليه فقد خلت الساحة لـ”عقد الجلاد”، ورأى الناس في “طشاش” تناولها لبعض أشعار “محجوب شريف”، و”حميد”، و”محمد طه القدال” الغزلية، والجمالية الرمزية، غير تلك الواضحة اللحن والعبارة في التصدي لغلواء الديكتاتورية، رأوا فيها كامل البصر والبصيرة، وصار أفرادها رموزاً وطنية نالوا أنواط الوطنية التي منحها لهم الناس مجاناً، وعن طيب خاطر وهم يسمعون كلمات شعرائهم الفحول تتهادى مع اللحن في تلك الفترة الإستثنائية في تاريخ السودان.

وبعد سنوات تطفح الخلافات داخل الفرقة نفسها للعلن، وتثير عضوة الفرقة الفنانة “منال بدر الدين”، بعض التساؤلات الجادة حول الروح السائدة داخل الفرقة قبل أن تغادرها، وتتحول عقد الجلاد إلى “شركة”، ويُفصل منها بعض المغنين الذين ألف الناس أصواتهم. وفي وقت لاحق يتبين أن الفرقة تتدخل حتى في السلوك الشخصي لمغنيها، وبدا أن هناك ما يشبه “قانون النظام العام”، داخل الفرقة، يُنفذ من قبل المتنفذين فيها. وبدا الناس يشيرون صراحة لأحد أعضاء الفرقة المعروف بانتمائه للحزب الحاكم باعتبار أنه وبعد مغادرة رئيس الفرقة الموسيقار “عثمان النو”، في ظروف “غامضة”، صار عراب التدجين من الداخل، وبمزاعم على شاكلة عدم الخوض في السياسة، وأن الفن للفن، حتى سقطت ورقة التوت الأخيرة عندما رفضت الفرقة المشاركة في احتفالية لتكريم محجوب شريف كأحد أشهر سجناء الرأي في القرن العشرين. 

واليوم يبدأ قفز الشرفاء من سفينة “عقد الجلاد” الغارقة، إذ كتب الفنان والمغني بالفرقة “أنور عبد الرحمن” في صفحته على الفيسبوك :”ظهرت في الإعلان صورتي – يقصد إعلان حفل الوطني – وأنا عضو مؤسس، وامتلك أسهماً في شركة عقد الجلاد، وعضو مجلس إدارتها إلى الآن، لكني تركت مقعدي في آخر ظهور لي مع الفرقة في ديسمبر “2013”، وهذا الإعلان لا يمثلني ولا يمثل عقد الجلاد التي أعرف”.  

رسالية الفن:

عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني كمال كرار قال لـ”التغيير الإلكترونية” أن لكل فنان رسالة، وإذا كانت رسالته للناس وهم التغيير الإجتماعي للأفضل، سيسير في خطه دون أي تأثيرات سياسية، أما إذا كان يغني للمال والشهرة فستشهد مسيرته الكثير من التغيرات، وكثير من المغنين غنوا لأنظمة ديكتاتورية فغنى محمد وردي لديكتاتورية نوفمبر وديكتاتورية مايو في عهدها الأول، قبل أن يتحول لمعارضتها. وفي وقت سابق ظهر الفنان “محمد الأمين” مع “البشير”، لزيارة الفنان “حمد الريح”، فكان لها أثرها السالب عليه، لأن الظهور مع رموز هذا النظام هو مما ينتقص من قدر الفنان ومصداقيته ويشكك في انحيازه لشعبه، ومحمدالأمين هو من غنى لأكتوبر، وما كانت الملحمة لتكون لولا “محمد الأمين”، وهو غير محتاج للنظام، بل النظام هو من يحتاج “محمد الأمين”، وإذا لم ينتبه، سيكون سقوطه مدوياً أكثر من سقوط عقد الجلاد الحالي نفسه. ويأتي كل هذا تحت عنوان “الفن في خدمة الأنظمة الديكتاتورية”، فالديكتاتورية تجير الفن لخدمتها، ومن يجدون عنده الإستعداد للتعاون يفتحون له المنابر إسوة بالسياسيين الذين ليس لديهم مانع في التعاون معهم، وهناك مغريات بالطبع، منها فتح المنافذ، والعائد المادي، وسفر الوفود الفنية للخارج، وهو في مجمله تسويق للنظام وغني عن القول أن “اتحاد الشباب الوطني”، هو تنظيم سياسي يتحمل كافة جرائم الجهاز التنفيذي للحزب الحاكم.

سقطة لا تغتفر:

وقال “كرار”، أن عقد الجلاد لم تحسب على المعارضة يوماً، لكن كان لها اسلوب مختلف، وغنت لـ”محجوب شريف”، وغيره قصائد رمزية، تتحدث عن التغيير للأفضل، وجدت صدى وسط الناس، ولم يغنوا القصائد التي تنادي بإسقاط النظام، وغنوا برضا من النظام ومباركة منه، ولم تكن فرقة معارضة على الإطلاق. ويمكن القول أن فنان الممانعة الوحيد حتى الآن هو  الفنان “أبو عركي البخيت”، ودلل على ذلك بحرمانه من الإطلالة على جمهوره لعشرين عاماً، وحتى عندما ظهر على التلفزيون بشروط معينة تعرض حفله لمقص الرقيب.

وحول المزاعم بتأثير أحد أعضاء الفرقة عليها وجعلها تنحو هذا المنحى قال كرار أنه إذا كان هناك فرد يستطيع التأثير في الفرقة فلا معنى للحديث عن فرقة منتقداً موقف عضو الفرقة “أنور عبد الرحمن”، وواصفاً إياه بغير السليم باعتباره لم يقطع علاقته مع الفرقة نهائياً. ولافتاً النظر إلى أن عقد الجلاد تصعد لسفينة الإنقاذ بعد أن ابتدأت في الغرق. ووصفهم بالذي لم يستطع الصبر حتى “الضبيحة”، فرضي بأكل الميتة. مبيناً أن “عقد الجلاد” اليوم ليست هي “عقد الجلاد” في الثمانينات وقال:(اليوم انت تسمع عقد الجلاد دون أن تلاحظ أن هناك تجديداً في ألحانها والفرق كبير جداً في هذا المجال بين “عقد الجلاد” و”محمود عبد العزيز” على سبيل المثال، كما أن قومية الفرقة وقومية الفن هي كلمات حق يراد بها باطل، فحينما تكون على علم ودراية بأن النظام عميل وفاسد ورهن بلادنا للأجنبي وتغني مع ذلك في منابره فإنها تكون سقطة كبيرة ولا تغتفر).