رشا عوض

فجر الدكتور أمين حسن عمر الأسبوع الماضي مفاجأة من طراز فريد في حلقة من برنامج حال البلدالذي يقدمه الأستاذ الطاهر حسن التوم  بفضائية السودانية 24″، عندما زعم أن توجه الحركة الإسلامية السودانيةاشتراكي!! وأنها تؤمن بالعدالة الاجتماعية! واسترسل في شرح ان مصطلحالعدالة الاجتماعيةالإسلامي أفضل وأشمل من مصطلح الاشتراكيةالغربي! وكأنما محور التفاضل في مثل هذه القضايا المرتبطة عضويا بمعاش البشر هو الدلالات اللغوية للألفاظ والمصطلحات! وليس المحتوى الوظيفي والنماذج التطبيقية المحسوسة على أرض الواقع!

إن ترديد مثل هذه الأكاذيب البلقاءيكشف مدى استخفاف الإسلامويينبعقل وذاكرة الشعب السوداني، كما يفضح أن طفيليتهمالمشهودة في عالم الاقتصاد هي منهج حياة كامل يشمل الفكر والسياسة والفن والرياضة وكل مجال طالته أذرعهم الاخطبوطية في هذا الوطن المنكوب!

ووفقا لهذا المنهج يصبح تبني أكبر وأخطر الأفكار بمجرد الادعاء! فامتلاك أي فكرة لا يكلفالإسلامويشيئا سوى التلفظ بها

إن أكثر المجالات التي تكشف إفلاس الإسلام السياسيفكريا وبرامجيا هو الاقتصاد، لأنه بطبيعته لا يحتمل التهويمات الإنشائية ولا تجدي معه نفعا استراتيجية ستر العجز بالهتاف والشعارات، فجرد حساب الخسائر في الاقتصاد السوداني يشهد بأن أكبر كارثة حلت عليه هي وقوع البلاد منذ 30 يونيو 1989 م في قبضة نظام لا يمتلك أي رؤية اقتصادية أو برنامج تنموي، والأخطر من ذلك أن مرجعيته الفكرية تهمش مع سبق الإصرار والترصد معضلة الفقر والتهميش الاقتصادي وكل أجندة العدالة الاجتماعية لصالح أجندة آيدولوجية هلامية لا تسمن ولا تغني من جوع مركزها أسلمة الدستور والقوانينلتطبيق ما يسمى ب الشريعة الإسلاميةالتي حتى لحظة كتابة هذه السطور ورغم مرور ثمانية وعشرين عاما على حكم أهل الإسلام السياسيلم نتمكن من القبض على تعريف جامع مانع لها يبين لنا ما الذي يعنيه على وجه الدقة تطبيقها في الحياة العامة بسياستها واقتصادها وعلاقاتها الخارجية وقوانينها الداخليةوهذا شأن أسهبنا فيه في عدد من المقالات المنشورة.

وبالتالي فإن من المخجل حقا ان يتجرأ أمين حسن عمر واخوانه على ادعاءات الاشتراكية والعدالة الاجتماعية في آذان شعب جردوه من كل مكتسبات دولة الرعاية الاجتماعيةالتي حافظت عليها كل العهود التي سبقتهم، ونزعوا منه ممتلكاته العامة ومشاريعه القومية ليس لصالح القطاع الخاص وعبر مناقصات معلنة في أجواء الشفافية وسيادة حكم القانون ومبدأ تكافؤ الفرص وهي أعمدة البيئة السياسية لأي نظام رأسمالي حقيقي بل لصالح القطاع الخصوصيفي أجواء معتمة وعمليات سرية تصب في تمكين العصبة الإسلامويةمن احتكار ثروات البلاد دون أي ضوابط لحماية المصلحة العامة، ولذلك من الظلم الفادح أن يطلق وصف الرأسماليةعلى ما فعله اخوان أمين حسن عمر بالاقتصاد السوداني! لأن الذي طبقوه بالفعل هو جريمة اقتصادية منظمةلا توصيف لها في مصطلحات علم الاقتصاد! ونتائجها ماثلة أمامنا ولا تقبل المغالطة: تدمير منهجي للقطاعات المنتجة، استيلاء على المشاريع الاستراتيجية بوضع اليد(وليس خصخصتها لأن الخصخصة عملية لها قوانينها وضوابطها)، تمكين الأجانب من ثروات البلاد ليس عبر صفقات استثمارية شفافة لصالح الوطن والمواطن بل عبرصفقات الأشباح التي لا يظهر منها إلا رأس جبل الجليد في شكل ثراء فاحش لقابضي العمولات من بيع وطنهم، وعندما تم تصدير النفط والحصول على 50 مليار دولار في أدنى التقديرات تم نهبها وتبديدها في أولويات تخص النظام الحاكم، وظلت البنية التحتية على هشاشتها، والإنفاق على الصحة والتعليم في ذات المستويات المخجلة(أقل من 5% من الميزانية لهذين المجالين الحيويين!!)، وحتى الطرق والجسور ذات المواصفات الرديئة والسدود سيئة الذكر لم يتم تشييدها من أموال البترول بل بقروض بفوائد(ربوية حسب منطقهم! حيث عطلوا شريعتهم المزعومة للحصول عليها)! فلم ينال المواطن السوداني من مليارات النفط إلا انتعاشة زائفة ومؤقتة، وها نحن نعود لنطالع يوميا أخبار (العار والفضيحة الكبرى) مثل : حصول السودان على قرض بمبلغ كذا مليون دولار لاستيراد القمح!! ونحن بلد ملايين الأفدنة الزراعية ويحكمنا من رفعوا شعار نأكل مما نزرع!   

وها هو المواطن السوداني تحكي عنه إحصائيات الأمم المتحدة: ثلاثة ملايين  طفل يعانون من الهزال والتقزم! وثلاثة ملايين امرأة سودانية في سن الخصوبة مصابة بالأنيميا! ويوجد بالبلاد تسعة ملايين أمي!

ما يعلمه  المواطن السوداني بحكم التجربة العملية لحكم الإسلامويينأن طريق التنمية والعدالة الاجتماعية يستحيل أن يمر عبرهم! لأن أهم أعمدة منهجهم في الحكم التمكينونظرية التمكين ترجمت عمليا إلى اختصاص قادة وعضوية التنظيم الإسلاموي الحاكم بامتيازات سياسية واقتصادية تضخمت لدرجة ابتلاع التنظيمللدولة بشكل شبه كامل خصما على عامة الشعب، فلو صدقنا مزاعم أمين حسن عمر حول أن مرجعية الحركة الإسلامية السودانية تحثها على الاشتراكية وان مفارقتها للعدالة الاجتماعية مجرد انحراف طارئ ، فالآن يوجد  عائق كبير جدا يجعل من المستحيل ان يتحدث الإسلامويون مجرد حديث عنها ناهيك عن تطبيقها ، لأن سنوات التمكين أنتجت شبكات مترابطة عضويا من المصالح الاحتكارية وعصابات الفساد وغسيل الأموال وستظل هذه الامبراطورية العملاقة التي استنزفت موارد السودان وما زالت متطلعة لاستنزاف المزيد عصية على التفكيك وغير قابلة حتى للإصلاحات الجزئية! لا سيما أن هؤلاء القوم ومنذ نعومة أظافرهم لم يتشربوا فكرا مركزه الإنسان ومحور عمله الارتقاء بمستوى حياته ورفاهيته! بل ظلت على الدوام قضيتهم المركزية أوهام آيدولوجيةلا تنظر إلى الإنسان إلا كوسيلة لخدمة الآيدولوجيا! وظهرت تجليات هذا المنهج في علاقة دولة الإنقاذ بالبشر! ابتداء من إلغاء مجانية العلاج والتعليم وتشريد الطلاب والطالبات من السكن وإرهاق الإنسان السوداني بالضرائب والجبايات كما لم ترهقة التركية ذات نفسها وفي المقابل لا توجد اي خدمات توازي هذه المبالغ التى تستقطع من لقمة الفقراء!

أما الجانب الوحيد الذي اهتمت به دولة الإنقاذ من الإنسان السوداني فهو نوع ملبسه وسلوكه الشخصي وأفكاره ومعتقداته فيما سمي بإعادة صياغة الإنسان السودانيولم تفعل ذلك بالتي هي أحسن بل خصصت قوانين ومؤسسات قمعية لهذا الهدف!

دولة الإنقاذ يأمرها دينها بجلد شاب وفتاة لوجودهما معا في شارع النيل في الساعة التاسعة مساء! ولكنها لا تلتفت إلى فتيان وفتيات موجودين في شوارع أخرى وفي الساعة الثانية صباحا لأنهم يسكنون الشوارع أصلا بسبب فقرهم المدقع

الحاكم الإنقاذي يستفزه منظر امرأة لا تضع غطاء على رأسها ولكن لا يستفزه منظر الأطفال العراة! ولا يلتفت لامرأة مريضة مطرودة من المستشفى لعدم امتلاكها لتكلفة العلاج! او لفتاة محرومة من التعليم!   

هذا ما تحكيه تجربتهم العملية في الحكم وهي انعكاس لبؤسهم الفكري! أضف إلى ذلك  هناك سبب سياسي قوي جعل التنظيمات الإسلاموية بعيدة كل البعد عن خدمة قضايا العدالة الاجتماعية  هو أنهم في فترة الحرب الباردة ارتبطوا بتحالف خفي مع المعسكر الغربي الرأسمالي وحصدوا من ذلك التحالف ثروات ومصالح كان مقابلها ان الخطاب التحريضي الصاخب لجماعات “الإسلام السياسي” ابتعد عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية وكأنه يتعمد إلهاء الجماهير عن عدم العدالة في توزيع الثروة وقضايا التهميش والفقر وحصرها في قضايا انصرافية مثل ملابس النساء والاختلاط  وصولا إلى أسلمة الدستور والقوانين.

فعن أي اشتراكية يتحدث أمين حسن عمر؟

يا راجل!