لؤي قور

بعد تخرجه من كلية الفنون التي درس فيها التلوين والخط العربي، وبعد أن نال بكالريوس الفلسفة من جامعة القاهرة فرع الخرطوم، شد الدكتور “محمد عبد الرحمن أبو سبيب”، الرحال إلى جامعة الإسكندرية، ليحصل على الماجستير عن بحثه الموسوم بـ “أدوات الزينة عند الشايقية”، والذي صدر ككتاب فيما بعد، ومن ثم غادر إلى السويد، التي نال فيها درجة الدكتوراه من جامعة “أوبسالا”، وعمل بها كأستاذ لعلم الجمال، بعد أن تم تكليفه بتدريس بعض المقررات بالجامعة. واليوم يعود “د. أبو سبيب”، ليعمل بالجامعات السودانية أستاذاً للفلسفة، وعلم الجمال. وقد صدر مؤخراً كتابه “دراسة في السودانوية”، باللغة الإنجليزية، قبل أن يترجم إلى العربية، وخصص فيه فصولاً للبحث في مسألة الرقص في السودان، كهوية طالها النسيان في الفترة الأخيرة، ونالها من تقلبات السياسة والأيدلوجيا، ومحاولات “أسلمة الفنون”، والهجمة الشرسة على التراث السوداني الشعبي ما نالها.

الموسيقى .. الفن الطاغي:

وفي حديثه لـ”التغيير الإلكترونية” يقول أبو سبيب أن أي شعب، وأي مجموعة سكانية تنحاز بطبيعة الحال لعدد من أنواع الفنون، سواءاً كانت فنون بصرية، أوموسيقية، أو درامية، فتمارس كلها أو بعضها، لكن يظل هناك فن طاغي على ما عداه في ممارسة هذه الشعوب للفنون خلال حقبة معينة من الزمن. ففي الحضارة السودانية كان فن “النحت” هو الفن الطاغي، ويعبر عن الدولة وتوجهاتها وحروبها وشخصيتها، وهو ما يظهر في الجداريات والمنحوتات التي تصور طبيعة الحياة عند تلك المجتمعات.  تلتها حقبة كان الفن الطاغي في السودان فيها هو الموسيقى المرتبطة عضوياً بالرقص، إذ لا يمكن الحديث عن الموسيقى، دون الحديث عن الرقص. وحتى الأشعار المكتوبة كانت تأتي موقعة، وفي ذهن كاتبها “اللحن والرقص”، بحسب إيقاع المنطقة المعينة، والسؤال هو “ما دام الرقص هو الفن الأساسي عندنا، فلماذا تندر الدراسات السودانية في الرقص”؟

وقال “أبو سبيب”، أن كلية الفنون تأسست في الأربعينات بجهود من المستر “قرينلو”، ومؤسسة بخت الرضا، وأنه لولا جهود هؤلاء، لافتقدنا الكثير بالطبع. إلا أن تأسيس “معهد الموسيقى والمسرح”، جاء متأخراً، ولم يكتب له الإستقرارطوال سنواته، مشيراً إلى أنه انتبه لغياب الدراسات عن الرقص وندرتها، على الرغم من أن الرقص هو الفن الأساسي في السودان، سواء كان رقص المجموعات الإثنية الذي يعبر عن معاشها ومعادها وثقافتها ومعتقداتها، أو الرقص الحديث. ووجد أنه ليس هناك اهتمام به على مستوى الدراسات الموسيقية، الشئ الذي ينتقص من فهم الموسيقى حتى بالنسبة للدارسين، فتناول “أبو سبيب” الموضوع من منظور جمالي لطبيعة علم الجمال الذي يبحث في كل فن، باعتبار التداخل الطبيعي بين الفنون.

فلسفة جمالية:

وأضاف أبو سبيب:(إذا أردنا أن نبحث عن الفلسفة الجمالية للإنسان السوداني، فإن أهم مدخل هو الموسيقى المرتبطة بالضرورة بالرقص، فحالما يذكر إيقاع “المردوم” مثلاً تذكر إثنية “الحوازمة”، وهو ليس مجرد رقص حركي، بل مسألة مرتبطة بوجود هذه المجموعة، والبعد الثقافي والإجتماعي والنفسي لها. وفي دارة “دائرة” رقص “المردوم”، حكاوي وممارسات وثقافة، وكذلك إيقاع الطنبور عند الشايقية، أما إيقاع “الدلوكة” فارتبطت بإثنية الجعليين “أهبش الدلوكة خلي الجعلي ينقز”. والرقص ليس حركة اعتباطية، بل أن للإيقاع الراقص رسالته العميقة، فإذا أخذنا إثنية الشايقية كنموذج، “وهي المنطقة التي أنتمي لها، رغم أنني لم أعش بها كثيراً”، نجد أنها تصلح كنموذج لكل مجموعات الشمال النيلي المتحدثة بالعربية والنوبية، رجوعا للحقائق والدراسات الآثارية والتاريخية التي أثبتت أن سلالات وادي النيل الأوسط القديمة، هي نفس السلالات الموجودة حالياً).

(وللشايقية شعر خاص بالدارة، فيه وصف للرقص أكثر من وصف الموسيقى نفسها، لكننا نجد أن تحليل الموسيقى فيه قدر من الصعوبة، بينما الرقص مسألة بصرية واضحة، حينما يتحرك كامل جسد الراقصة، وتتحكم في أجزاء جسمها بالكامل. وهو رقص أفريقي رياضي عنيف، وفي الدارة أبعاد إجتماعية كثيرة منها “الشبال”، وهو إلقاء الراقصة بشعرها على ظهر الراقص كرمزية لإعجابها به، أو قبول إعجابه بها، وهناك أسر قامت وتفرعت وأصبحت قبائل بسبب “شبال”، عندما يتحول المعجب إلى عاشق، ومن ثم إلى زوج. وللشبال تقاليد وطقوس، وقديماً قال الشاعر “ود الرضي” حينما أعجب بفتاة في الدارة واشترط المشرفون على الرقص حينها أن لا يحصل على الشبال إلا من يرضى بأن يجلد بالسوط أولاً فقال:”الكتوف واقعة ..  والعيون يا ناس .. مويتن ناقعة .. الوجن قادحات .. في الظلام فاقعة .. راجي شبالا .. وراضي بي صاقعة”. وهناك مقولات ومأثورات كثيرة تذم “الأشتر” في الرقص، أو “الأطرق”، وهو الشخص الذي لا يجاري زمن الموسيقى في رقصه، وهذه الصفة قد تنسحب على مجمل سلوكه، وربما اتخذها الناس كمؤشر لجوانب سلبية أخرى في شخصه، وإذا كانت العروس “شتراء”،  أو “طرقاء” في الرقص، يعتبر ذلك مؤشر غير جيد في بداية حياتها الزوجية).

وقفة العروس:

ويشير أبو سبيب في حديثه لـ”التغيير الإلكترونية” إلى “رقصة العروس”، باعتبارها أهم الطقوس الإجتماعية للزواج في السودان، واسمها “وقفة العروس”، حيث يتم تدريب العروس عليها، وهي رقصة خاصة جداً، وهي طقس مؤسس على مفهوم مرتبط ارتباط مباشر بحياة الناس، ووسائل معيشتهم وثقافتهم ورؤاهم هو مفهوم الخصوبة، وليست ضرباً من العبث، وهو مفهوم مهم وموجود في كل الحضارات لجهة استمرار المجموعة وزيادة الإنتاج، باعتبار أن الخصوبة طاقة إنتاجية مضافة للزراعة والرعي وما إليه من أنشطة، ومن ثم هي طقس للدفاع عن المجموعة، واستمراريتها، وتحتفي المرأة بهذا المفهوم في شكل جمالي حينما يوضع في إطار إحتفالي برجوعها للتراث السوداني الغنائي الراقص، وهي رقصة معقدة وصعبة، يكون التركيز فيها على تحريك الأرداف، باعتبار أن هذه المنطقة من جسد المرأة هي المنطقة المتعلقة بالخصوبة. لكن اليوم قد لا ترقص العروس إلا أمام النساء، وقد ترقص العروس هذه الأيام، لكن غابت الكثير من ملامح رقصة العروس الأصلية في معظم رقصات العروس الحالية. مؤكداً أن الأجيال السابقة في السودان شهدت “وقفة العروس” كطقس، ولم يكن هناك ارتباط “جنسي حسي” بهذا الطقس، نسبة لكونه موضوع في إطار فني جمالي، ولم يكن الفرد حينها ينظر لجسد يتحرك، بقدر ما ينظر لفعل فني جمالي، ويكون حينها في حالة “حضرة جمالية”، فيستوعب الطقس الناظرين بالكامل، وتحيط بالعروس هالة احترام كبيرة، وعندما تدخل برفقة صديقاتها وخالاتها وعماتها يصمت الحاضرون جميعاً،  إلا من كلمات الدعاء والتحصين من العين، وتكون مغطاة بـ”القرمصيص”، قبل أن يكشف العريس وجهها، وتبتدئ الرقص معبرة عن قدراتها. والمسألة في إطارها التشريحي هي تعبير عن احتفاءها هي نفسها بالطقس.

تهيئة روحية:

ولفت “عبد الرحمن” النظر للتهيئة الروحية والغريزية للعروس من خلال الرقصة فقال:”نحن حينما نتعامل مع مثل هذه الممارسات الطقسية باستخفاف نقع في الخطأ، فهي قضية الحياة نفسها، ويجب التعامل معها بجدية. فالعروس تكون في لحظات تحولها من بنت لإمرأة، والرقص يدخل في باب تهيئتها النفسية والغريزية للحياة الجديدة، وهو من إبداع الإنسان السوداني في هذه المسألة. والمشاكل التي واجهت الفنون من قبيل النحت، والرسم من الموديل، والرقص، وعدم اهتمام الحكومات الوطنية بها، هي مشاكل طرأت حديثاً. ففي وقت سابق نحتنا ورسمنا من الموديل في كلية الفنون، وما يحدث اليوم هو محض صراعات أيدلوجية طرأت حديثاً”. وقال أن رقصة العروس بدأت تفقد بعدها الطقسي الوقت الحالي، وأصبحت عبارة عن شكليات خالية من المضمون، كما ظهرت نماذج من الرقصات لا علاقة لها بالمجتمع. لكنه عاد ليؤكد أن الرقص بشكل عام ما زال محتفظاً بمكانته وأصالته، خصوصاً في أرياف كردفان ودارفور.

وقلل أبو سبيب من جدوى إيجاد متطوعيين ومتطوعات في فرقة الفنون الشعبية، يتم تدريبهم على كافة الرقصات السودانية بهدف تطويرها، ورأى أن ذلك يعتبر من قبيل “مسرحة الرقص”، بعد إخراجه من سياقه الإجتماعي، وحصره في حيز معين وقال:”هذا لا يدخل في باب التطوير فأصحاب هذه الرقصات يطورون أنفسهم ويحدثون فيها من التجديد والإرتجال في ذات السياق ما يحرض على التطوير البناء كما أن هناك ارتجالات وتنويعات في ذات الإيقاع وأي محاولة للتطوير من الخارج لا بد أن تكون مدروسة“.

تغيرات جوهرية:

وعن التغيرات الجوهرية التي طالت الرقص في السودان في الوقت الحالي قال عبد الرجمن:(حينما تغطي المرأة رأسها، فلا مجال للحديث عن الرقص، لأن قدرة المرأة على أن تموسق جسدها، وطقس “الشبال” نفسه مربوط بشعر الراقصة، وأنت إذا طالعت رقصة الشايقية المشاهدة حالياً تجدها غير شيقة، ويقوم فيها “الصفاقين” بحركات ساذجة، ولا يوجد فيها إبداع. أما إذا تحدثنا عن أصول الرقصات، وبحسب دراسات علم الجمال، فإن أغلب الرقصات لها علاقة بنمط حياة الناس الإنتاجي، كما لها علاقة بحركة الحيوان الأساسي الذي يعتمدون عليه. ففي إيقاع الدليب تجد “المُهرة”، وفي إيقاع “الكمبلا”، تجد “الثور”، كما تجد “الجمل”، في إيقاع الجراري عند الأبالة والبجا، وفيه تأخذ الحركة الراقصة شكلها الفني التشكيلي الحركي من التموج، “رقص الرقبة”، والسلم الخماسي الموجود في السودان حالياً هو دليل تطور وإستمرارية لموسيقى السودان وأفريقيا، وهو مرحلة استمرارية في تطور ممتد. والرقصات الشعبية لا تأتي فجأة، بل يتم التدرب عليها منذ الصغر، ويرضعها الأطفال مع الحليب، فتغرس فيهم هذه الرقصات. ويتواجد في “الدارة”، أشخاص كل الأعمار، حيث يلتقط الصغار الرقص، وقديماً كان يتم تدريب الفتيات الصغيرات على الرقص في ضل الضحى، وهذا في الأرياف،  أما إنسان المدينة، وبحكم أنه خرج من بيئته فالرؤية عنده مختلفة، والمدينة لها ثقافتها لكننا إذا حاولنا تقصي تطور الرقص في السودان، لا بد من التوقف عند تطور الأغنية السودانية، ومرحلة أغنية الحقيبة في عشرينيات القرن الماضي، وهي مرتبطة بالرقص، وغناء “السباتة” مرتبط بإيقاع الدلوكة في منطقة إثنية “الجموعية“.

هوية باقية:

وفي إجابة على سؤال عن “هل الرقص في السودان كطقس وكقيمة إجتماعية في طريقه للإنقراض” علق أبو سبيب قائلاً:( الرقص لن يندثر، وهو غير قابل للغياب بشكل كامل، فكل الشعوب تمر بأوضاع سياسية متقلبة، وتحكمها صراعات أيدلوجيات مختلفة، لكن من الصعوبة بمكان إدخال شعب بكامله في قالب أيدلوجي معين، و محاولة “أسلمة الفنون” في السودان فشلت لأن الفن غير قابل للتدجين والإحتواء، كما أنه أنه ليس هناك “وصفة إسلامية”، للفنون. والآن تبين حتى لدعاة الأسلمة أنها ضرب من المستحيل، ولا يمكن لنظام سياسي أن يجتث تراث ثقافي ظل باقياً لقرون متطاولة. والآن إذا نظرت إلى الريف تجد أن رد الفعل على محاولة أسلمة الفنون كبيراً وأدى لتمسك تلك المجموعات السكانية بتراثها والشباب في الأرياف كفعل مقاوم للأسلمة، فبدأت الأرياف تهتم بتراثها الشعبي، وتكونت فرق في المدن تهتم بالفنون والتراث الشعبي، وفي مدينة “أمبدة” بأمدرمان حالياً، تُنظم في شهر ديسمبر من كل عام إحتفالية كبيرة لثقافة جبال النوبة تسمى بـ”مهرجان الشعوب الأصيلة”، وفيها الرقصات الشعبية والأزياء التقليدية وكل ما يتعلق بثقافة النوبة، فالوضع الحالي طارئ، وغير متسق مع التطور الداخلي لثقافات الناس).