فايز السليك

عندما قرأتُ قبل أسبوع خبراً يفيد بأن بنك السودان المركزي كشف عن حصوله على قروض من بنكين في لبنان وإيطاليا بقيمة 100 مليون يورو، لاستيراد القمح والأدوية قفز الى ذهني مباشرةً مصطلح ” جمهوريات الموز، هو مصطلح كان قد اطلق على دول أمريكا الوسطى مثل هندوراس وجامايكا وكوستاريكا، وبرز المصطلح بعد شراء احدى الشركات الأمريكية أراضي استوائية للاستثمار في زراعة الموز وتصديره الى الولايات المتحدة الأمريكية.

   وجمهوريات الموز ” مصطلح ساخر يطلق على الدول غير المستقرة سياسيا، واقتصادياً، والتي يعتمد اقتصادها على عدد قليل من المنتجات كزراعة الموز مثلا، فيما تتحكم مجموعة صغيرة من الفاسدين والأثرياء في اقتصاديات وسياسات مثل هذه الدول،  ولا تجد المجموعة حرجاً في  بيع أو ايجار الأراضي الزراعية والمشاريع العامة  الى مستثمرين أجانب كل همهم نهب ثروات تلك البلدان وتحويلها الى حساباتهم في بلدانهم.

بالطبع فالسودان ليس بعيداً عن خارطة تلك الدول؛ فمع كل هذا الثراء ؛ نجد أن كل جهود صناع القرار  تتركز في الحصول على    قروض من أجل  استيراد سلع استراتيجية مثل القمح والدواء، والمفارقة أن ذلك يحدث في بلاد رُشّحت لتكون ” سلة غذاء العالم” إلا أن الحقيقة فهي  بلاد  بلا مزعة لحم من أثر التسول!

ومصطلح جمهوريات الموز  اتسع استخدام وشمل كل الدول الفاشلة والفاسدة، التي تعاني من  الفساد وسوء التخطيط والإدارة وفقدان الرؤية قبل ذلك،  والفساد نعلم بوجوده؛ لكنا لا نرى مفسدين يمشون على رجلين!. نقرأ قصصاً يشيب لها الولدان، وكأن المفسدين ” اشباحاً” أو كائنات فضائية” تهبط على الأرض فجأة فتنهب أموالنا السائبة وتختفي الأموال والناهبين.   

في الأسبوع الماضي نشرت صحيفة ” السوداني “خبراً عن اختفاء مبلغ (٢٥) مليون دولاراً كانت قد  مخصصةً لمصنع سكر مشكور بالنيل الأبيض؛ والأغرب حسب تصريحات عبد الله علي مسار رئيس لجنة الصناعة في المجلس الوطني؛  أن تكلفة  تشييد المصنع كانت  تبلغ (٤٥٠) مليون دولار، إلا أن مبلغ التشييد  الفعلي بلغ ( ٩٠٠) مليون دولار. لا أحد يعلم كيف صرفت تلك المبالغ ومن صرفها؟

وليس بعيداً عن ظاهرة اختفاء المليارات؛ أشير الى    خبر كانت نشرته صحيفة آخر ” لحظة” قبل سبعة أعوام عن قرار من  مجلس الوزراء للتحقيق في أداء وزارة الشؤون الإنسانية، و في اختفاء مبلغ (١٠) مليار جنيهاً في عام ٢٠١٠.

   بالطبع لم نسمع بمصير التحقيق، ويبدو أن أجندة وتقاطعات خاصة كانت قد برزت فألقت بملفات التحقيق  في جُب النسيان، وبعد ذلك صعد    حسبو عبد الرحمن الى منصب نائب رئيس الجمهورية، بعد أن تم اعفائه من منصب مفوض الشؤون الانسانية.   شخصيا؛ لا أملك أي دليل على تورط الرجل أو على براءته، إلا أن ورود اسمه واعفائه   على خلفية تلك الملابسات يثير غباراً كثيفاً.  

 ويعد ذلك؛ ولأن هذه هي طرق إدارة الدولة، ليس بمستغرب أن يقترض بنك السودان من هندوراس أوجامايكا؛ فالفرق بين الخرطوم وغيرها من تلك الدول؛ هو أن جمهورية الموز هنا ترسل لحيتها طويلا، وتضع فوق رأسها كاباً وعمامة، وتمسك  في يدها خنجراً ومصحفاً.