التغيير: قرشي عوض

اعتبر سياسيون وخبراء التقتهم “التغيير الإلكترونية”، ان اجتماع مجلس شورى الحركة الاسلامية الذي انعقد بضاحية العيلفون بالخرطوم يوم السبت الماضي 28/ اكتوبر / 2017 ،وتم من خلاله اعلان تأجيل المؤتمر العام الذي كان مزمعا يوم الجمعة 3 نوفمبر 2017 الى العام القادم،  ربما كان اخر لقاء يجمع تلك القيادات على صعيد تنظيمي حركي. وعزوا ذلك الى ان الحركة عملياً قد انتهت، وان النظام سوف يقف على مسافة   منها في ظل التحولات الدولية والاقليمية الحالية، وحتى يتثنى له الانخراط في الحلف الذي تقوده السعودية، الذي ينادي باقتلاع التطرف كما بشر بذلك ولي العهد السعودي . فيما ارجع عبد الاردب الناطق الرسمي للحركة التأجيل لأسباب تنظيمية تتعلق بإجراء المزيد من الشورى

ويشير د/ محمد المجذوب  استاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين الى 3 احتمالات للتأثير على العلاقة بين المعسكرين.  اولها ان هناك حالة من عدم الرضاء اصلاً في ظل وجود الحركة الاسلامية خارج الحزب الحاكم ، وخارج السلطة منذ عامين تقريباً، وربما كان عقد المؤتمر محاولة لبحث هذه الوضعية ورسالة معلنة او ضمنية للطرف الاخر. اما الاحتمال الثاني ينتهي الى ان الحكومة تريد ابعاد الاسلاميين او ما تبقى منهم او انها تقوم بعملية احلال وابدال. ، وهذه واحدة من التكهنات غير المرجحة لا نها تهدد بقاء النظام نظراً لوجود الجماعة في كل مفاصل الدولة. وان ابعادها بالقوة ستكون له ردة فعل. ايضاً هناك محاولات من اطراف الاسلامين خارج السلطة  والمؤتمر الوطني تسعى لتجميع الكيان في ظل التحولات التي صاحبت الحوار الوطني.  

لكن واحدة من اشتراطاتهم للوحدة ابعاد ما يسمى بالحركة الاسلامية ، لانهم يعتبرونها قد نشأت بعد المفاصلة الشهيرة. ويضيف المجذوب بان الخيارين الاول والثاني يقومان على الادماج،  في حين يقوم الثاني على المواجهة ، هو ما تتمناه المعارضة العلمانية،  لكن الوضع العام في البلاد هش ولا يحتمله.  

لكن بعيداً عن الخيارات التي رسمها المجذوب يرى  القيادي بالمؤتمر الشعبي ناجي دهب ان الحركة الاسلامية اصبحت ليس لها قيمة فعلية من الناحية الحركية.   وان تلك الحقيقة قد ظهرت منذ  الفراق بين عرابها حسن الترابي وما أسماه بالمجموعة السلطانية الحالية.  واضاف  ان الذين يتباكون على الحركة الاسلامية اليوم،  هم الذين ذبحوها. واشار  الى  ان الترابي كان يعلم ان الاسم  سيكون عبًء في ظل التحولات الدولية القادمة، فانسحب وأسس المؤتمر الشعبي، ثم قفز الى النظام الخالف.  وقال ان الفئة الحالية تعتبر مسجد ضرار، وستقدم كل   ما يطلبه منها الحاكم، وانها سوف توافق على الغاء اخر مظاهر المشروع الاسلامي، دون ان تنطق بكلمة.

ويرجع د/ جمال ادريس القيادي في الحزب الناصري الخلاف الى اسباب خارجية على رأسها التحالف الجديد في المنطقة بقيادة السعودية. والذي يستهدف الاخوان المسلمين،  كما وضح في موقفه منهم في ليبيا وتونس ومصر.  ولذلك اصبحوا معزولين في السودان، مما اضطر النظام للتباعد عنهم خاصة بعد تصريحات محمد بن سلمان ولي العهد السعودي التي قال فيها انهم سوف يقتلعون التطرف من المنطقة ويعيشون بصورة طبيعية.  من جهتها تدرك الانقاذ ان عليها ان تدفع ثمن بقائها في السلطة ونهب موارد البلاد وبيع مقدراتها للرأسمالية العالمية والمحلية ، بان تتخلى عن الاسلاميين كما تخلت عن حماس وايران .

ويبدو ان البشير قد اخذ يستعد لهذه المرحلة عبر تعيين العسكريين في مناصب المعتمدين   والولاة، وتصعيد الشباب الى المواقع القيادية على حساب شيوخهم في اعادة لنفس السيناريو الذي وظفهم فيه  هم انفسهم حين اراد التخلص من شيخهم،   لكن هذه الحقيقة لا تريد قيادات الحركة ان تقبلها، تحاول ان تجد لها مخرج في وجه الضغوط الدولية. وهناك صراع يدور بالفعل حول مصيرها بين التنظيم من ناحية والبشير والسلطة من الناحية الاخرى. وربما يتم التفاف من بعض اجزائها بالانضمام لإخوانهم في المؤتمر الشعبي ويخرجون بحزب بمسمى جديد. ولا يستبعد ادريس ونتيجة للبراغماتية والانتهازية ان يستسلموا لحل حركتهم ويتسربون لبناء حزب جديد بعيداً عن شعار الاسلام سواء ان تم ذلك بالاتفاق مع  الاخرين او بغيرهم،  لكي يضمنوا استمرار التمكين او المحافظة على جزء منه على الاقل اقتصادياً  حتى يكون  لهم وجود في المستقبل .

لكن الضغوط يبدو انها اكبر من ارادة الحلف الاقليمي،  والذي يعمل هو الاخر في اطار استراتيجية دولية.  وفي ذلك يقول د/ خضر الخواض الباحث في الدراسات السودانية ان التحول الذي حدث في العلاقات الدولية بفعل الاستراتيجية الامريكية نحو الشرق الوسط وافريقيا،   يقوم على صنع حركات الاضداد في البلدان المضطربة سياسياً او التي يكون نظام الحكم فيها عسكري.  والملاحظ انه في الفترة الاخيرة قد حدث تقارب بين امريكا والدول ذات المرجعية الاسلامية مثل السعودية والسودان لتنفيذ السياسة الامريكية تجاه دول العالم الثالث والرامية لمزيد من التبعية والسيطرة وفقاً لايدلوجية تتظاهر  بمحاربة الحركات الاسلامية والمد الاسلامي، ولكن تعمل في السر على خلق اجساد مناوئة تساعد على اضطراب المناخ السياسي وخلق مزيد من الصراعات الفكرية والدينية.  ومن هذه الزاوية ينظر الخواض الى واقع الخلافات داخل الحركة الاسلامية ، والذي كانت مؤشراته واضحة في تأخير وانعقاد المؤتمر وتأجيله وانتخاب الامين العام الجديد، وغالباً ما يعزى ذلك لغرابين رفع العقوبات، والتي حوت المزيد من البنود تحت الطاولة. بالإضافة للمصالح التي تتشابك مع النزعات الفردية نحو السيطرة على مقاليد الحكم والاتجاهات الفكرية للنظام الحاكم، وهذا واضح من خلال التأجيل الغير مبرر والذي يحدث للمرة الاولى في تاريخ الحركة الاسلامية.  فالبعد الامريكي واضح ويتمثل في خلق مزيد من الصراعات داخل الحركة الاسلامية وتقوية احد الاطراف  بداخلها ودفعه لمساندة النظام والوقوف الى جانب حلها نهائياً.