خالد فضل

منذ العام 2003 م،كانت التوصية الأولى لمؤتمر أبناء دارفور المشهور بلقاء الفاشر والذى حضره زهاء 500 شخصية مثلت جميع مكونات المجتمع الدارفوري تقريباً، كانت تلك التوصية تؤكد على استبعاد الحل العسكري والامني للنزاع السياسي المسلح أو (التمرد)حديث النشوب وقتذاك،ولكن عوضاً الاستجابة لتلك التوصية المهمة كان نظام الخرطوم ومايزال يؤمن بالحل العسكري والامني لكل نزاع،وهذا ليس بدعا من نظام رضع وفطم من ثدي الانقلاب العسكري، ومن شب على شئ شاب عليه،منذ نحو 14 سنة حلت بدارفور الكوارث، نزح ولجأ ملايين الناس، تشردوا من قراهم واوديتهم، صاروا الى حياة اخرى غير التى الفوا وآووا الى ديار جديدة بعد أن صارت حواكيرهم تشتعل بحمم اللهب، دفنوا مئات الآلاف من قتلاهم وفقدوا ممتلكاتهم وتشتت اسرهم، وأصبح اغتصاب النساء سلاحاً يوجه ضدهم، وارتبطت فى أذهان كل العالم تلك الممارسات البغيضة بنظام الخرطوم ومن والاه من مليشيات الجنجويد المشكوك فى تورطها بصورة كبيرة فى ارتكاب أفظع جرائم الحرب. أثبتت لجنة التحقيق الوطنية جزءا كبيرا من تلك الجرائم، ثم كانت لجنة التحقيق الدولية وما خرجت به من وقائع، واشارتها الواضحة الى عجز النظام القضائي السودانى أو عدم رغبته فى القيام بدوره فى محاسبة المتورطين فى تلك الجرائم، هذا الوضع قاد الى إحالة الملف برمته وبوساطة مجلس الأمن الدولي الى المحكمة الجنائية الدولية فى لاهاي، والتى واصلت بدورها تحرياتها وجمع الوقائع لتوجه التهمه فى خاتمة المطاف الى رأس النظام نفسه وعدد من المسؤلين وقادة الجنجويد، كل ذلك نجم جراء اعتماد السلطة فى الخرطوم على الحلول الأمنية والعسكرية عكس مااوصى به ملتقى أبناء دارفور فى مؤتمرهم الجامع ذاك،لقد تم إبرام صفقات سلام جزئية مع بعض الفصائل، مثل صفقة ابوجا 2006م،اوصفقة الدوحة 2009 م،ونشرت قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي أولا، ومن ثم تحت مظلة الأمم المتحدة باسم مشترك بين المنظمتين (يوناميد)، ومع كل صفقة كانت تفرد بضع حقائب وزارية ومناصب صورية لبعض المتطلعين للاستوزار من أبناء دارفور، وحتى الوديعة المالية القطرية ورقمها المهول 2 مليار دولار ذهب جلها الى الجيوب بحسب ما افاد به دكتور تاج الدين نيام، أحد الموقعين على صفقة الدوحة نفسها ، ثم كان ماكان من أمر الاستفتاء الادارى لاقليم دارفور والذى تمخضت حملات تفتيته عن إنجاب خمس ولايات شابتها شائبة التكوين العرقى والقبلي لكل منها،كمخطط واضح المعالم لضرب وحدة أبناء الإقليم، ووضع المتاريس أمام اى بادرة فى المستقبل يمكن أن تلم شملهم، لقد اندق اسفين عميق بسبب ممارسات السلطة وصار التقسيم فى دارفور بين عرب وزرقة أو جنجويد وتورابورا، هذا واقع لايمكن إنكاره، وما أضر بالسودان شئ مثلما لحقت به الأضرار بممارسة الكذب وطمس الحقائق وتجنب الوقائع والشواهد وممارسة الهروب دوما الى الامام ودفن الرؤوس فى الرمال. هاهو النظام يبتدع مؤخرا مايسميه بحملات جمع السلاح، ودون ذكر السؤال الأساسي ومن وزع السلاح أصلا حتى يجمعه؟لقد حدثنى أحد أبناء دارفور البسطاء عند سؤالى له عن الهدوء النسبي للنزاع المسلح فى دارفور مؤخرا، قال لى ان من أهم أسباب ذلك الهدوء هو أن الجميع قد صاروا مسلحين، لذلك لم يعد من السهل على المجرمين والمعتدين أن يفعلوا مايشاءون ويخرجوا سالمين، اى حدث توازن نسبي فى القوة، فهل يمكن النظر إلى حملة جمع السلاح وكأنها محاوله أخرى من السلطة لتجديد بعض مكونات دارفور. من مصادر قوتها التى اكتسبتها مؤخرا لصالح بسط نفوذ العناصر والمكونات الموالية لها والتى وقفت بجانبها طيلة سنوات القتال الماضية،والملاحظ أن هذه العملية قد تم اسنادها بصورة مباشرة الى قوات الدعم السريع وبحملات إعلامية مكثفة يخفت خلالها ذكر اسم (القوات المسلحة)، فكيف يطمئن الناس الى تحقيق سلام فى دارفور عبر نشر قوات بهذه الكيفية؟