الشفيع خضر سعيد

دائما ما أردد مقولة، أعتقد فيها صادقا، بأن في تيار الإسلام السياسي من يحلم فعلا بتحقيق حلم المدينة الفاضلة، وبتكرار تجربة عدالة وسماحة مجتمعات صدر الإسلام. وفي سبيل ذلك، لا يتوانى هؤلاء بالتضحية بالروح والدم. وأعتقد، أو أفترض، أن ذلك كان هو حال كل من عبيد ختم، ووداعة الله، ومحمود شريف، وغيرهم من شباب التيار الإسلامي في السودان. لكن هذه الأحلام، سرعان ما اصطدمت بواقع التجربة، وواقع ممارسات قيادات التيار الإسلامي، بحيث تبخرت الأحلام سرابا، وتشتت الحالمون زرافات ووحدانا، ليسلك بعضهم طريق «هي للجاه»، ولم يعد معنيا بحلم المدينة الفاضلة أو مجتمع العدالة في صدر الإسلام بقدر ما أصبحت بوصلته تشير فقط إلى قطب شهوة السلطة والمال، والبعض الآخر أخذ يبحث عن طريق «هي لله» خارج منظومة التيار الإسلامي، كافرا بها. لكن، ترديدي لهذه المقولة سيعكس اختلالا وقصورا، إذا لم تصحبه مجموعة من المحاججات المكملة، أبرزها:
أولا: هؤلاء الحالمون بتكرار عدالة صدر الإسلام، يمثلون جزءا من منظومة ذات سمات فكرية وايديولوجية محددة، قوية التأثير في كل مكونات المنظومة وقاطنيها. ولعل السمة الأوضح لمنظومة التيارات الإسلامية هذه، ادعاؤها التماهي الكامل مع الإسلام، وتمسكها بدور الممثل الوحيد له، الذي يحتكر الكلام بإسمه، واضعة نفسها في موقع المحتكر للحقيقة. ولعل هذا التماهي المزعوم، هو البذرة لمجموعة من الخصائص والسمات التي تشترك فيها الحركات الإسلامية، ومن ضمنها خاصية ضيق الأفق، التي تقلل من شأن، بل وتتعالى على، أفكار وآراء واجتهادات الآخر، دون التمكن من دحضها وهزيمتها، ولكنها تحقر حاملها، وفي نفس الوقت تخشاه وتعتبره متراسا أمام خط سيرها، ولا تجد سوى العنف وسيلة للتعامل معه.
إن رواية التماهي بين التيارات الإسلامية والإسلام، كما كتب عنها المفكر المغربي، عبد الأله بلقزيز، في كتابه «الإسلام والسياسة»، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2008، «لا تفعل أكثر من التوحيد القسري وغير المشروع بين النص الديني وبين الواقع التاريخي، فتفترض النظر إلى حركتهما الداخلية بوصفها حركة واحدة، وتدفع، بالتالي، إلى إلتزام آداب الإصغاء لخطاب النص وخطاب التاريخ وكأنهما خطاب واحد… والتيار الإسلامي أقرب تيارات الفكر والسياسة، في البلاد العربية، إلى الإسلام بحكم نوع ثقافته ومرجعياته، ومع ذلك، فهو، في حساب المعرفة والواقع، ليس أكثر من قارئ في مدونة الإسلام. وهو ككل قارئ، يمارس فعل تأويل النصوص، والتأويل اجتهاد، والاجتهاد رأي، والرأي غير مقدس…. إن الإسلام، بالتعريف، عقيدة، وثقافة، وحضارة. أما الحركات الإسلامية فهي حركات سياسية بلا زيادة ولا نقصان…، وهذه الحركات لا تشكل، بأي معنى من المعاني، امتدادا لمذاهب الفكر الإسلامي وتياراته. فلا مساهمة لها فعلية في التراكم الفقهي والفكري، لأنها لم تقدم نفسها بوصفها مدارس فكرية جديدة، بل حسبانها تيارات سياسية». 
ثانيا: فقه التمكين، هو مكون أساسي في أيديولوجيا الحركات الإسلامية. ولما كانت الحركة قد فطنت منذ بدايات تكوينها إلى جدلية الاقتصاد والسياسة، مدركة أن الاقتصاد هو نقطة الارتكاز لبسط النفوذ السياسي، فإنها عملت على توسيع قاعدتها الاقتصادية، وتقوية ارتباطها بحركة رأس المال النقدي عبر العديد من البنوك الإسلامية العاملة في السودان، وعبر علاقات الدعم والإسناد مع رأس المال النقدي الموظف عالميا من قبل التيار الإسلامي العالمي. وهكذا كبرت الحركة الإسلامية السودانية اقتصاديا، وهي بعد صغيرة في عالم السياسة، مستثمرة مناخ الكبت والقمع في ظل حكم الديكتاتور نميري، والذي تحالفت معه حينا من الدهر، متمسكنة حتى تمكنت! هذا الحراك المنطلق من أيديولوجيا التمكين، دفع، ضمن عوامل أخرى، بولادة شريحة الرأسمالية الطفيلية، التي نمت وترعرعت في ظل نظام النميري، ثم شبت عن الطوق بقدوم الإنقاذ، وكانت الحركة الإسلامية هي المعبر السياسي عنها. وفي الحقيقة، ومنذ الوهلة الأولى بعد انقلاب الإنقاذ، نفذت الجبهة الإسلامية عددا من الإجراءات الاقتصادية، بقوة الحديد والنار والمشانق، هدفها واحد، هو ضرب مجموعات الرأسمالية التقليدية وطردها من حركة الاقتصاد، وفي نفس الوقت تحقيق مزيد من الاحتكار والتمكين لشريحة الطفيلية التي نفذ موظفوها السياسيون والعسكريون عملية الاستيلاء على الحكم. وهكذا، باتت الحركة الإسلامية، اللافتة السياسية لطبقة الرأسمالية الطفيلية، التي هي غير معنية بأي أشواق وأمان وأحلام تتعلق بمجتمع العدالة والسماحة في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ولا بتلك المعاني النبيلة التي تتوق لنهل مبادئ الإسلام، والتي دفعت بالعديدين للالتحاق بالحركة الإسلامية تنظيميا. جل همها كان، ولا يزال، مواصلة مراكمة رأس المال وأرباحه بأي وسيلة كانت، أما الوطن وشبابه وشيبه، بما في ذلك حملة لافتات «هي لله»، فليذهبوا جميعهم إلى الجحيم. 
ثالثا: فكرة التماثل والخوف والهلع من التنوع والاختلاف، والتي ترتبط أيضا بمسألة فقه التمكين. فالإنقاذ، مجسّد ايديولوجيا الحركة الإسلامية، أرادت جهاز دولة خالصا لها، نقيا من أي آخر له قدرة على التفكير المختلف والنظرة الناقدة، حتى ولو لم تكن له أي علاقة بالسياسة، معتقدة ومقتنعة بأن هذا هو السبيل لتثبيت أقدامها. ومن هنا تلك المجزرة، غير المسبوقة في تاريخ السودان، بطرد وفصل وتشريد الآلاف من الخدمة المدنية والعسكرية، واحتكار كل المناصب الأساسية في مفاصل جهاز الدولة دون أدنى اهتمام بالكفاءة والقدرة على شغل المنصب، بل ومحاولة احتكار المجتمع المدني والأهلي، ووسائط الإعلام والثقافة، وحتى إدارات الأندية الرياضية. وكل ذلك، كان يتم تحت شعار تثوير الخدمة. وهو سلوك ايديولوجي من الطراز الأول، ينطلق من فرضية التماثل ورفض كل مختلف يمكن أن يعطل الحركة السريعة لإرساء دعائم الحكم وإحكام القبضة على الواقع. لكن مسار التعامل مع الواقع، أي واقع، بما في ذلك الاحتكاك مع الناس وحياتهم ومصالحهم، بالضرورة سيواجه بتحديات وتعقيدات، أصعب من أن تواجه وتحل بفرض التماثل ورفض التنوع.