التغيير : الخرطوم 
رفضت السلطات السودانية منح أبناء عادل برعي رمضان الهوية السودانية بالرغم من انه سوداني الجنسية وسليل لأسرة عريقة توطّنت وعاشت في مدينة امدرمان العريقة منذ اكثر من مائة عام. بل ذهبت الي اكثر من ذلك عندما نزعت عنه الجنسية بسبب ان والده ينحدر من قبيلة الدينكا من جنوب السودان مع ان والدته تنتمي للسودان الشمالي. 
وقال انه شعر بالصدمة للمرة الأولي عندما اقدمت الحكومة السودانية علي خطوتها بعد مرور عام واحد علي انفصال جنوب السودان عن السودان في العام 2012. 
واضاف وهو يغالب دموعه  ” بعد سنوات قضيناها في السودان وناضل اجدادنا عن البلد في قوة دفاع السودان ياتون وبكل بساطة ويقولون لك انت غير سوداني وتنزع عنك الجنسية ويرفضون منح أبناءك الأوراق الثبوتية وتعيش في حالة من التعاسة واللاهوية وكثيرا ما تمنيت الموت من ان أعيش علي هذه الحالة”. 
“بدون هويات” 
ولم تكتفي السلطات السودانية بنزع الجنسية عن الجنوب سودانيين الذين كانوا يعيشون في البلاد بعد اعلان الانفصال علي غرار رمضان والآلاف الآخرين من بينهم احفاد شخصيات وطنية لعبت دورا كبيرا في استقلال البلاد أمثال علي عبد اللطيف  ، لكنها مضت اكثر ورفضت منح الاطفال الذين يولدون لآباء تنحدر اصولهم من جنوب السودان بالرغم من ان امهاتهم سودانيات. 
ازاء ذلك ، انطلقت مبادرة في الخرطرم من قبل ناشطات وقانونيين تحت مسمي ” أنا سوداني” تهدف تسليط الضوء علي هذه الفئة ومناصرتهم قانونيا واعلاميا، وإعطاء اي شخص من ام سودانية بالميلاد الجنسية السودانية دون قيد او شرط، واسترجاع الجنسية لمن تم نزعها منهم ، بالاضافة الي إنهاء حالات ” البدون” بالبلاد والذي وقع بعد انفصال الجنوب. 
وتقول عضو المبادرة احسان عبد العزيز ان رفض السلطات غير مبرر وغير دستوري وغير قانوني لان ” بنود الدستور وقانون الجنسية السودانية تتحدث صراحة عن منح الجنسية لاي شخص اذا كانت أمه سودانية وبالتالي عدم منحهم الجنسية هو انتهاك لحقوقهم الدستورية والقانونية”. 
واوضحت : ” بالنسبة لنا فان القرار هو سياسي وليس قانوني ويقصد به الجنوب سودانيين تحديدا لان الجنسية السودانية تمنح لغير السودانيين  من السوريين والإثيوبيين وغيرهم دون كثير عناء”. 
وتضيف ان إعداد المتضررين من هذه الخطوة كبيرة جدا ومعظهم في المناطق الحدودية وولايات شرق دارفور وسنار ، مشيرة الي ان هنالك اثار سلبية كبيرة وراء القرار مثل الحرمان من التعليم والعمل والعلاج.   
“معارك قانونية” 
بعد ان انتاب الياس عادل رمضان وقرر ان يتعايش مع الوضع أقنعه قانونيون من المبادرة بضرورة اللجوء الي القضاء من اجل انتزاع حقه الذي سلب منه، وبعد محاولات استمرت لأربعة أعوام كاملة في عدد من المحاكم وافقت المحكمة العليا علي منحه الجنسية السودانية لكن وزير الداخلية رفض تنفيذ القرار . 
وفي هذا الصدد، يقول المحامي منتصر محمد ادم الذي تبني القضية ان واحدة من مشكلات استخراج الجنسية انها منحت السلطات لوزير الداخلية لمنحها او من ينوب عنه. واضاف ان الوزير لم يحضر الجلسات التي عقدت في هذه القضية بالرغم من الأوامر القضائية. 
ومضي يقول: ” الوزير لم يرفض صراحة تنفيذ حكم المحكمة ولكنه ظل يماطل في التنفيذ عبر حجج واهية من قبل العاملين في سلطة الجوازات .. احيانا يقولون انه لا توجد استمارات خاصة للجنوبيين وأحيانا يتذرعون بضيق الوقت .. واعتقد انه ليس هنالك اي مبرر للوزير بالرفض او المماطلة .. وإذا لم يستجب لنا فسنلجا للمحاكم الإقليمية والدولية”. 
ويري ان رجال الشرطة لديهم فهم خاطئ لقانون الجنسية بعد تعديلات في أعقاب انفصال جنوب السودان” هم يفسرون المادة التي تقول انه يتم اسقاط الجنسية لكل من اكتسب جنسية جنوب السودان بعد الانفصال بان معناه نزع الجنسية حتي من قرر الإبقاء علي جنسيته السودانية وهو فهم خاطئ للقانون”. 
ويلفت ادم الانتباه الي مشكلة اخري متعلقة حول هذا الامر، وهو ان الام مطالبة بتقديم طلب مكتوب الي مركز وحيد في السودان اسمه مركز ” الهوية” ومقره في امدرمان ” هذا ايضا نوع من التمييز علي اساس النوع كما انه وسيلة للضغط علي النساء حتي لا يفكرن في استخراج الجنسية لأبنائهن”. 
” تكرار التجربة”
وتحدز القيادية في مبادرة ” أنا سوداني” منال احمد اسماعيل من مغبة تكرار الماساة التي وقعت علي الجنوبيين علي سكان جبال النوبة بعد ان بدات السلطات ايضا في ” المماطلة في منحهم الجنسية”. وقالت ان ضباط الشرطة المعنيون رفضوا منح الجنسية للعشرات من جبال النوبة بسبب التداخل الحدودي والقبلي مع جنوب السودان. 
وذكرت ” الكثير من أبناء جبال النوبة  وخاصة أولئك الذين يعيشون في المناطق الحدودية مع جنوب السودان أصبحوا الان بلا جنسية او هوية بعد ان رفضت السلطات منحها لهم.. بعضهم ذهب الي منطقة ابيي المتنازع عليها مع الجنوب واستخرج جنسيته من هنالك لان المسؤوليين يصدرون الجنسية السودانية هنالك لاي شخص وبسهولة شديدة لاسباب متعلقة بوضع اليد علي المنطقة المتنازع عليها وهي اسباب سياسية محضة”. 
واوضحت ان قضية تقرير مصير جبال النوبة أصبحت واقعا معاشا ويمكن للعملية ان تتم فيها ” وحتي لا تتكرر تجربة جنوب السودان بعد الانفصال يجب وضع تدابير قوية من اجل عدم تضرر السكان من اي عواقب للانفصال ويصبحون بلا هوية ايضا”. 
واعتبرت منال ان الحكومة السودانية ومثلها حكومة جنوب السودان  تعاملت بشكل قاسي وغير آنساني مع الكثير من المكونات الانسانية والذين فقدوا هوياتهم بسبب التعنت في نزع الجنسية او نزعها” في كل التجارب السابقة لقضايا الانفصال فان السكان يمنحون الحق في اختيار الدولة التي يريدون جنسيتها دون اي عسف او انتقام .. ولكن ما حدث هنا هو انتقام من الخرطوم او جوبا لمواطنين كل ذنبهم ان وطنهم انقسم ووجدوا انفسهم في وضع لا يحسدون عليه”.