لؤي قور

 

شهدت فعاليات النسخة السابعة لفعالية رواق الوراقين باتحاد الكتاب السودانيين بالخرطوم مؤخراً، شهدت معرضاً لكتب ومجلات الأطفال السودانية في الفترات السابقة وتوفرت فيه نسخ لمجلات صادرة في الخمسينات والستينات من قبيل مجلة الصبيان وهي الأشهر والتي تأسست في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي في لفتة أثارت إنتباه الكثيرين لفراغ الساحة حالياً – على وجه التقريب – من المجلات المحلية والكتب الموجهة للأطفال.

فراغ تربوي:

وقال القاص والباحث المهتم بأدب الأطفال “عبد القادر محمد ابراهيم” لـ”التغيير الإلكترونية”، أن فكرة معرضه جاءت بمناسبة مرور سبعين عاما على صدور العدد الأول من مجلة “الصبيان” في يوم الإثنين الموافق للعاشر من مارس سنة سبعة وأربعين، ببخت الرضا، التابعة لوزارة التربية، كانطلاقة لأول مجلة للطفل في السودان، وبتأسيس علمي من بعض كبار المعلمين منهم “عبد الرحمن على طه”، و”جمال محمد أحمد”، و”عوض ساتي” الذي كان يكتب كلمة التحرير بإسم “عمكم سرور”، وغيرهم مبيناً أن هناك فراغا تربويا الآن بسبب غياب صحافة الطفل، فقال:”إذا عُرفت التربية على أنها إعداد الفرد لصناعة المستقبل، تجد أن أفضل سبيل لذلك هو القراءة الحرة، فصحافة الطفل هي مساحة موازية للمدرسة خارج الصف، وتتيح له مجالا لمتابعة القراءة خارج مقاعد الدرس بما ينمي مقدراته ويزيد من سعة إطلاعه على العالم”.

مشروع الطفل الرسالي:

ومضى “عبد القادر” للقول أن مجلة الصبيان ظلت منفردة بالساحة إلى أن أقترحت “اليونسكو” قيام مجلة أخرى بجانبها، هي مجلة “هُدهُد”، وهناك من قاموا باجتهادات شخصية لتغطية الفراغ في المطبوعات التي تستهدف الطفل فأصدرت صحيفة الصحافة مجلة “مريود”، و”صباح”، التي أسسها نزار عوض عبد المجيد لكن تغيير قوانين الصحافة والمطبوعات، وغلاء أسعار الورق، أدى لتوقف المجلة  بعد صدور إثنين وثمانين عدداً منها.

وعن السبب في توقف “الصبيان”، أكد “عبد القادر”، أن “دار النشر التربوي”، لم توقف “الصبيان”، لكن المجلة آلت لـ”وحدة النشاط الطلابي” والتي كانت ترفع شعار “الطفل الرسالي” وأصدرت مجلة “مُجاهد” التي توقفت هي كذلك بعد فشلها

وزاد:(أما بالنسبة للآخرين، فبعد إنتفاضة أبريل المجيدة، انفتح المجال، فقامت “شركة الطباعة والنشر للناشئين”، لكنها توقفت نسبة لتغيير قوانين الشركات، ومن ثم أصدرت “سعاد تكة” مجلة “شليل”، بجهدها الخاص، لكنها أيضاً لم تستطع الإستمرار، ومجلة “الصبيان” نفسها لم تكن لتكتب لها الإستمرارية لولا الدعم الذي وجدته من وزارة التربية وكون القائمين على أمرها من المعلمين)

توحش الرأسمالية:

وأضاف “عبد القادر” أن القصد من المعرض هو دفع الناس للإهتمام بأدب الأطفال، مبيناً أنه وفي الماضي كان هناك مؤسسات ربحية تمول المؤسسات الخيرية تمويلاً مستقراً ما أدى لنجاحها  لكون المؤسسات الربحية كانت تخصص جزء من أرباحهها لدعم الخيرية، وضرب مثلاً بمؤسسة “حجار”، التي كانت تدعم التعليم في الجنوب، وكذلك تجربة الأحفاد، ومدرسة الشيخ لطفي في رفاعة، مبيناً أن السبب في استمرار هذه المؤسسات هو تخفيض توحش الرأسمالية الذي كانت تفرضه الدولة على المؤسسات الربحية، لدعم مثل هذه المشاريع لافتاً النظر إلى أهمية ثقافة الطفل ومحذراً من السماح بدخول مجلات أجنبية نسبة لتأثيرها على الأطفال وإمكانية غرسها لغير القيم الوطنية السائدة والمتعارف عليها في المجتمع.

عائد غير مجزي:

التشكيلي ومؤلف قصص الأطفال المصورة طلال الناير قال لـ”التغيير الإلكترونية”:(في الفترة من “2007”، وحتى “2011”، كنت أعمل في رسم سلسلة قصة مصورة اسمها ” موج ولوج” لإحدى المجلات، لكن التجربة كانت محبطة للغاية لأن العائد المادي كان زهيداً جداً مقارنة بالجهد المبذول  من كتابة السيناريو، ورسم القصة، وتلوينها. وللمفارقة بدأ العائد في التقلص  نسبة للتضخم وغلاء الأسعار).

وقال الناير أن كون المجلة تصدر من جهة حكومية فقد كانت صور بعض الشخصيات الرسمية تظهر في كل عدد تقريباً بصفتها راعية للمجلة، وقال أن الأمر لم يكن مزعجاً للغاية عندما تقارنه بالمحتوى لكنه كان يفضل عدم تسييس للمجلة ومحتواها، مثمناً التجربة في مجملها كونها جاءت في ظل شح كبير في مطبوعات الأطفال حيث أنه وبعد توقف الصبيان صدرت مجلة للأطفال تابعة لوزارة الداخلية، وبعض الإصدارات كان عمرها عدداً واحداً فقط، وقال بأنه حدث وأن شارك في تأسيس جريدة للأطفال توقفت قبل أن تصدر.

التمويل والإستقلالية:

وقال الناير أن مشكلة إصدارات الأطفال هى جزء من المشكلة الأكبر وهي  تمويل واستقلالية الصحف والدوريات فمجلة “صباح” مثلاً اضطرت إلى أن تستخرج ترخيصاً من هولندا بعد أن رفضت الجهات المختصة صدورها من السودان، وقال أن رسوم الترخيص لأي صحيفة في أوروبا لا تتجاوز تكلفته الثلاثين يورة يورو بينما بيتم فرض شروط تعجيزية بالسودان تجعل محاولة إصدار أي صحيفة أو مجلة مهما كان تخصصها من أصعب ما يكون، مما يجعل الأمر حكراً على الحكومة، أو أشخاص من الحكومة، أو المقربين منها، حيث يتحكمون في سوق النشر، و”أدب الأطفال جزء من كل هذا بالطبع”

واختتم الناير حديثه بالقول:”بشكل عام يعاني أدب الأطفال من مشكلة العائد المادي الضعيف مما يجعل الرسامين أنفسهم يحجمون عن العمل، وبالتالي تخرج المجلات بمستوى ضعيف، وفي النهاية فإن الأطفال كشريحة من القراء، وحينما لا يجدون إنتاجاً محلياً يلجأون للإصدارات الأجنبية، أو يلجأوا لتلبية حاجاتهم في هذا الصدد من الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً بعد انتشار الموبايلات والكمبيوترات المحمولة زالتي تتيح حرية أكبر في الاختيار، والخاسر هم الناشرين والفنانين المحليين و أطفال السودان بلا شك”.