تقرير: التغيير

 

ملف “استهداف طلاب دارفور بالجامعات” برز إلى السطح بقوة  بعد سلسلة اغتيالات  لطلاب من الإقليم شهدتها الأعوام الماضية والقاسم المشترك بينها جميعا عدم ظهور القاتل ومحاكمته حتى الآن مقابل اتهامات بقتل منتسبين لحزب”المؤتمر الوطني” الحاكم  طالت طلابا معظمهم من دارفور إلا أن المتهم هنا يقبض عليه فورا ويواجه أحكاما بالإعدام كما هو الحال في قضيتي عاصم عمر ومحمد بقاري.

ثلاثة فرضيات  حول القضية:

 

هناك رأي سائد بين الروابط الطلابية الدارفورية يشاركها فيه عدد من المثقفين والنشطاء من خارج إقليم دارفور بأن هؤلاء الطلاب في  “مرمى نيران الحكومة وأنها تكمل معهم  في الخرطوم  ما ترتكبه من جرائم في حق أهلهم في دارفور من تقتيل واغتصاب وتشريد على أساس عنصري في المقام الأول” وفي المقابل هناك من يضع هذه الاغتيالات والاعتقالات في إطار سياسي باعتبار أن “النظام الدكتاتوري” في الخرطوم لا يستثني طلاب الأقاليم الأخرى من القمع وان قائمة ضحايا القتل والتعذيب موزعة على كل أقاليم السودان، وهناك رأي ثالث يفترض أن “بطش الحكومة” رغم أنه يشمل كل المعارضين ولكنه يزداد قسوة ويختلف كما ونوعا ضد طلاب دارفور المنحدرين من القبائل الأفريقية ويربط ذلك بأسباب عنصرية.

أما الحكومة والتي تجمع كل الآراء على أنها مسؤولة عن الجرائم الموثقة ضد طلاب دارفور       فتزعم  أنها تحمي جامعاتها وطلابها من عنف الطلاب المنتمين للحركات المسلحة والساعين   لتمرير أجندات تلك الحركات على البيئة الجامعية.

 

لأنهم الأكثر فاعلية في الحقوق المطلبية :

  سليمان عبدالله آدم رئيس رابطة طلاب دارفور بجامعة النيلين يؤكد أن  الاستهداف منظم من الحكومة.ويعزي ذلك لأنهم الأكثر فاعلية في الجامعات  بسبب الظروف والبيئة التي أتوا منها من حروب وغياب للتنمية في مناطقهم . وبمجرد التحاقهم  بالجامعات يهتمون بحركة الحقوق المطلبية الطلابية  عامة ولحقوقهم الخاصة في الاتفاقيات (ابوجا ،الدوحة ,غيرها ) بصفة أكثر خصوصية .

 

مسلحون ..عنيفون ..جهويون :

.قيادي في “المؤتمر  الوطني”  فضل حجب اسمه نفى استهداف حكومته لهم ورمى الإتهام في ملعبهم قائلا  أن معظمهم خطر على البيئة الجامعية لأنهم مسلحين وعنيفين وينتمون للحركات المسلحة ويكرسون للجهوية  خاصة مجموعة عبد الواحد التي تسعى للفتنة والقلاقل  وعدم الإستقرار داخل الجامعات .

المحامي حسن جلالة رئيس الهيئة القانونية بحزب الأمة وعضو هيئة محامي دارفور يرد بأن النظام هو من يستهدف طلاب دارفور،   القتلى جميعهم كوادر دارفورية نشطة وهذا يؤكد نظرية الاستهداف .ونفى  أن يكون طلاب دارفور مسلحين لأنهم تحت رقابة شديدة من الحرس الجامعي والأجهزة الأمنية بينما طلاب المؤتمر الوطني وحدهم المسلحون عبر الوحدات الجهادية وكل جامعة فيها مخزن للسلاح المملوك لطلاب الحزب الحاكم .

. أما سليمان فيرد على اتهام المؤتمر الوطني  بأن هذا خطاب يوجهه النظام للإعلام   حتى لا يتفاعل المجتمع  مع قضايا طلاب دارفور؛.وبمحاولة تفكيك  قضايا الطلاب بأنهم “حركات مسلحة” وهؤلاء مناصرون لها حتى يعزلوا الطلاب عن بعضهم البعض  .

وعن  اتهامهم بالتكتل الجهوي  ينفي سليمان ويقول أنهم  متواجدون في كل النشاط الطلابي والروابط الثقافية  وجمعيات الشعر والغناء ولديهم اسهام في قضايا السدود وغيرها.

 ويوضح  سليمان  بأنه حتى الآن لم يقدم شخص واحد للمحاكمة في اغتيالات طلاب دارفور منذ عام 2000 .لكن عندما اغتيل طالب المؤتمر الوطني محمد عوض في شرق النيل لفقت التهمة لبقاري  بسرعة،  وكذلك عاصم عمر ،و ثمانية من  طلاب بخت الرضا المتهمين بقتل شرطيين جميعهم من دارفور .

من بخت الرضا الى القرآن الكريم :

 يسرد   سليمان ماحدث بجامعة بخت الرضا قبل أشهر ويصفه  بأنه  استهداف عنصري ممنهج  ،، في بداية شهر مايو الفائت لما بدأت قضية اتحاد الطلاب ورفض اتحاد “المؤتمر الوطني” اغلقت الجامعة ؛وفوجئوا  بعد فتحها  بأن النظام فصل 14 طالبا من طلاب دارفور    تعسفيا جميعهم من نشطاء  المنطقة  إلا واحد .و بأن 8 ينتمون لذات الإقليم   اتهموا بقتل شرطيين واعتقال اثنين قالوا أنهم لم يسلموا فنايل كرة القدم بعد المباراة!!  . والنتيجة أن تقدم 1880 طالب دارفوري بإستقالتهم من الجامعة احتجاجا على الإستهداف العنصري الإثني والجهوي ..

 وفي هذا السياق يضيف جلالة “واقعة طلاب جامعة القرآن الكريم” الذين تم اعتقال اكثر من عشرين منهم في العام 2015  في ركن نقاش داخل الجامعة وقدموا للمحاكمة في محكمة امدرمان شمال تحت المواد 76 و 69 الشغب والاخلال بالسلامة العامة .وعن تبرير الحكومة بأنهم ينتمون للحركات المسلحة قال أنه إذا كان الطالب في الجامعة ينتمي لحركة مسلحة فهذا يعني أن هناك فراغا خلقه المؤتمر الوطني في الجامعات وأن الاحساس بالقهر والظلم هو ماقادهم الى ذلك وأنهم انضموا لتلك الحركات بحثا عن عدالة افتقدوها  . ويقول أن مؤشر استهداف هؤلاء  الطلاب إما بالقتل أو السجن والمحاكم الهدف منه التخويف والرسالة من النظام هي لو تماديتم في استهدافنا فمصيركم الموت.

 .ويضيف جلالة  تاريخيا طلاب دارفور هم وقود الثورات بشجاعتهم وفروسيتهم .ومن المحتمل أن النظام يعمل على هدف بعيد وهو القطيعة الوجدانية بينهم  والشمال .لكن نحن كقيادات دارفور نمثل  جزء اساسيا من قيادة السودان و من النسيج الاجتماعي السوداني وموجودون في القضارف والخرطوم وبورتسودان وكل بقعة سودانية .

و يواصل ” لأول مرة سنكون ممثلي اتهام  في قضية اغتيال طلاب داخلية الإسلامية  التي وقعت عشية عيد الأضحى الماضي  ؛ لأن القاتل اعترف . بينما ظل  مجهولا  في غابية القضايا مث مقتل أربعة طلاب بجامعة الجزيرة و طالب الجنينة وغيرها  .

كيف يتوقف العنف الطلابي ؟

الحكومة هي المسؤولة عن حماية أرواح الطلاب وهي متهمة بتأجيج العنف ولو ارادت ستوقفه ؛يقول الأستاذ حسن جلالة .لكن هذا لن يحدث الا اذا توقفت الحرب وجاء السلام وتكونت  دولة الحقوق والحريات .أما سليمان فيرى أن قضية طلاب دارفور مرتبطة بقضية الإقليم  في عمومها و هي قضية السودان  بأكمله في الاساس وحلها يكمن في حل سلمي شامل وفق تغيير النظام السياسي  .

 

هل أموال الأخوان المسلمين كافية لقتل أهلهم ؟

هذا التساؤل أثاره د.عمر القراي في مقال له منشور في الشبكة العنكبوتية في العام 2015 بعنوان (تصفية أبناء دارفور ) يدعو فيه المثقفين والصحفيين وحملة الأقلام للتعاطف مع ابناء دارفور ضد الاستهداف ويطالب ابناء دارفور الذين يتعاونون مع النظام بأن يكفوا عن هذا العمل البشع متسائلا هل الأموال التي تعطيها لهم حكومة الأخوان المسلمين كافية لبيع أهلهم؟

 

إلا أن حديث القراي نفسه يولد سؤالا: هل كل أبناء دارفور في “المؤتمر الوطني” مجرد  متعاونين مع النظام مقابل المال؟ الإجابة ان الأمر أكثر تعقيدا من ذلك  فمن أهل الإقليم من يتبوؤون مناصب قيادية ودستورية في الحزب والدولة وبعضهم ولاة في ذات الولايات المنكوبة مما يؤكد صحة فرضية أن القضية في المقام الأول هي :الشعب السوداني في مواجهة نظام قمعي، وهذا بالطبع لا ينفي أن هناك خصوصية لقضية دارفور تتمثل في مآسي الحرب والتهميش وكذلك معاناة أكثرية أهل الإقليم من نظرة عنصرية كامنة في الثقافة المركزية.